الرئيسية / مقالات / هزَّ الشَيخُ اليُوسُفِيُّ نَخْلَةَ البَحْرَينِ

هزَّ الشَيخُ اليُوسُفِيُّ نَخْلَةَ البَحْرَينِ

لا نُساقِطُ إلَّا رُطًبًا جنيًّا، كيف لا؛ وقد مدَّ أخباريُونا تراب أوال قرطاسًا، ومن عذب العيون أخذوا لنخيلهم مدادًا، فكتبوا ضياء علوم الدين أسفارًا أسفارًا هديةً لِأُصُوليِّنا علمًا ناقشوه وباحثوه، فاستقام صلبُنا بفلسفة ابن مِيثم وأخبارية السماهيجي وأصولية الماحوزي، وعَلِمْنَا مُذ كُنَّا صغارًا بأنَّ لكلٍّ منهجه العلمي المرضي لله سبحانه وتعالى. وكلَّما هبَّت من وراء البحر رياح الفِتن تصدَّى لها علماؤنا البحارنة مُعْتَلِينَ بِأخَامِصِهم صِمَاخَهَا.

تطرَّق سَمَاحَةُ العَلَّامَةُ الفَاضِلُ والمحقِّقُ النَيقَدُ الشيخُ محمَّد هادي اليوسفي الغروي (دام مُؤيَّدًا) في محاضرة رائقة، إلى البحرين، عَرَضًا، فأفاد بكونها من الجهات التي تُصدِّر الروايات غير المُحقَّقة؛ لأخبارية علمائها، والعالمُ الأخباري -على حدِّ قول سماحة الشيخ اليُسُوفي- مُتَسَامِحٌ في قبول الروايات..

وقال (أدامه الله تعالى عالِمًا عَلَمًا) إلى غير ذلك…

ساد بين المؤمنين في البحرين جوٌّ من الاستياء والانزعاج، فطرح بعض الفضلاء مجموعة من الاقتراحات، منها أن يتصدَّى أحدُ الأفاضل من المحيطين لردِّ ما أثاره سماحة الشيخ اليوسُفي (سلَّمه الله تعالى في الدارين)، إلَّا أنَّ العبدَ الفقير المُزاحِمُ بهذه السطور رُكَبَ العُلماء لا يرى ضرورةً لردِّ شيءٍ على الإطلاق؛ إذ أنَّ الميدان جدليٌّ من عنوانه..

إن قِيلَ عن الأخباري بأنَّه متساهل في قبول الروايات، فيُقال عن الأصولي بتساهله في ردِّ الروايات وإقصائها…

وإن قِيلَ عن جماعة بقبولهم لأي شيء في خصوص أحداث كربلاء دون تدقيق وتحقيق، فإنَّه يُقال عن المُحقِّقين بخلطهم وجهلهم بضرورة التفريق بين مقام التحقيق ومقام منبر النعي والتفجيع…

وكلَّما ردَّ طرفٌ اتَّخذ الطرفُ الآخرُ موقفًا مُضعِّفًا، بردِّ الردِّ تارةً، وبالتهميش والتسخيف أخرى. وممَّا تعلَّمناه في البحرين، من علمائنا الأصوليين والأخباريين على حدٍّ سواء، المسارعةَ بالفِرار من مثل هذه المواطن؛ فهي لا تليق بالمؤمنين ولا تُناسِبُ أهل الدين.

لِذا، فإنَّ ما يهمُّنا التنبيه والتأكيد عليه في هذه السطور هو احترامنا العلمي أبدًا لمناهج العلماء، فلا نشعر -مثلًا- بأدنى تذمُّر من عدم اعتبار علَّامة العصر المجلسي (علا برهانه) لخبر حديث الكساء المروي عن السيد هاشم البحراني (نوَّر الله مرقده الشريف) وجادةً صرَّح بها صاحبُها الشيخ عبد الله نور الدين البحراني (طاب رمسه)؛ حيث إنَّنا نفهم جيِّدًا بأنَّ الشيخ المجلسي (غمره الله تعالى بشأبيب رحمته) قد لا يقبل وجادةَ الشيخ البحراني وهو من تلامذته، فنُرجِع الأمر دائمًا إلى المنهج العلمي، ولذلك نحن لا نجرُؤ على نعت حادثة مقبولة على بعض المناهج العلمية بالخرافة أو ما شابه، ونكتفي بعدم قبولها لعدم موافقتها لمنهجنا العلمي، وهكذا.. إلَّا أنَ يكون الأمر مبتدعًا وخارجًا على كافَّة المناهج العلمية المحترمة، فهو مرفوض بلا شك.

صُدِّرَتْ إلينا في البحرين، واستُورِدَت فِتَنٌ كثيرةٌ وبِدَعٌ ونِزَاعَاتٌ، نعلم مصادرها وظروف نشأتها، ونعاني منها الأمَرَّين، إلَّا أنَّنا نختارُ الصمتَ والصبرَ والعملَ على المعالجة الداخلية وإن طال أمدها؛ والسبب هو الخوف من المساس بمشاعر بعض المجتمعات المؤمنة. ولا أزيد؛ فهكذا تعلَّمنا من علمائنا الأخباريين والأصوليين في البحرين.

بل حتَّى في دراستنا لبعض الكتب العلمية لأعلام الحوزات، فإنَّنا نتجاوز بعض التوصيفات السيئة للأخباريين، مثل: الشرذمة.. المفسدين.. الجامدين..

نتجاوزها ولا نقرأها؛ لنحتفظ بمكانة العالِم المُصنِّف فنحافظ على صدورنا سالمة من كلِّ سوء. ونحن على كلِّ حال نعلم جيِّدًا بأنَّ فتنةَ الأخبارية والأصولية ممَّا وردنا من وراء البحر، غير أنَّ تقوى هذه الأرض الطيبة فاردةٌ في عدم الإساءة لأحد من المؤمنين، كيف ومنهم العلماء الأعلام؟ فلا نملك إلَّا الدعاء للجميع صادقين. لا ضعفًا ولا هوانًا، بل لعزَّة في نفوسنا ومودَّة صادقة لكلِّ مؤمن تسكن قلوبنا.

كلمة أخيرة لأيتام آل محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)..

لا يأخذ لا الأخباريون ولا الأصوليون بالأحاديث الضعيفة، غير أنَّ الضعيف عند الأصولي هو الخبر المصاب بعلَّة في سنده، في حين أنَّه عند الأخباري ما لم يحتف بقرائن تفيد صدوره، وهذا أوَّل ما نوازن به فهمنا للمنهجين الشريفين الكريمين. فإذا قال الأصولي: هذا خبر ضعيف، فالضعف بحسب ميزانه العلمي، وقد يكون صحيحًا مقطوعًا بصدوره عند الأخباري، وكذا العكس، فالأمر يرجع إلى الموازين والمناهج والمباني العلمية.

كما وأنَّ العلماء الأعلام يُفرِّقون بين إثبات الحدث التاريخي في مقام التحقيق والبناء التصوري العلمي، وبين إثباته في مقام التلاوة المنبرية؛ ومن موازين التفريق رفع البأس عن الحوادث التي لا يكون لها أثر على القضية التاريخية من جهة، ولا على ثقافة الناس وسلوكهم وفكرهم من جهة أخرى، فهذه لا تُحَقَّقُ منبريًا، ولكنَّها تُحقَّق في مقام التحقيق العلمي التاريخي. وقد فصَّلنا الكلام حول مثل هذه المسائل في غير مقام ومقام.

دعاؤنا الصادق لسماحة العلَّامة الشيخ محمَّد هادي اليوسفي الغروي (دامت تأييداته) ولسائر العلماء والمؤمنين بالخير والصلاح.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّد وآله الطاهرين.

 

السَّيد محمَّد ابن السَّيد علي العلوي البحراني

16 من المُحرَّم 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *