الرئيسية / مقالات / مِنْبَرُ المأتَمِ وضَرُورَةُ التَمييزِ بَينَ المَقَامَات

مِنْبَرُ المأتَمِ وضَرُورَةُ التَمييزِ بَينَ المَقَامَات

هنا مُوجِبٌ معتبر للإعراض عن كتابة مقدَّمةٍ للمقالة؛ فنحن نعيش في الواقع نفس الموضوع وتبعاته المُتعِبة، وما نبحث عنه هو الحل لمثل هذه التجاذبات التي لا يَدْفَعُ مُرَّ أثمانِها غير عامَّة الناس من أيتام محمَّد وآل محمَّد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). وإن كان لا بدَّ من مقدَّمة فلتكن في سياق طرح الموضوع.

كلامنا في تحديد المقدِّمات الكبرى لما يُقال وما لا يُقال من على منابر المأتم، وخصوصًا ما يرجع أمره إلى مناهج البحث والتحقيق لتحديد الثابت وغير الثابت من الحوادث التاريخية، وفي مقدمتها حوادث كربلاء.

لا شكَّ أبدًا في أنَّ الأصلَ في النظر إلى الآخر المُؤمِن هو سَلامةُ نيَّتِه وحرمة تعريضه للتهمة والتشكيك ولو في النفس، فضلًا عن أن يكون ذلك بالتشهير. هذا أصلٌ إسلاميٌّ أصيلٌ غير مُدَافَع، فلننتبه إليه جيِّدًا.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي كَلَامٍ لَهُ: “ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِه حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْه، ولَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءًا وأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا”[1].

وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام)، قَالَ: “إِذَا اتَّهَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاه انْمَاثَ الإِيمَانُ مِنْ قَلْبِه كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ”[2].

كما ولا ينبغي، بحال من الأحوال، التنازع بين المؤمنين، ولا يليق بأحد منهم التطبيع مع التنازع بفرض عناوين دينية لن تكون إلَّا أن تكون كاذبة مزوِّرة. قال تعالى (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[3].

إذا فهِمنَا هذا واستوعبناه وهضمناه جيِّدًا، قلنا، بضرسٍ قاطِعٍ، بأنَّ المُشتغلين في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) سليمو النيَّة باحثون دائمًا عن خير الدين وصلاح المؤمنين، إلَّا أنَّ العِصمَةَ من بعد الأنبياء والرسل فهي لخصوص من أذهب اللهُ تعالى عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا (صلوات الله وسلامه عليهم).

يقع بعضُ الباحثين في تاريخ كربلاء، والمرتقين للمنبر الشريف، تحت وحشية الضغوطات الثقافية والمجتمعية التي تُؤثِّرُ في النفس وفي طريقة صياغة الخطاب العلمي، بل وفي ممارسة منهجية البحث العلمي. ومن هنا فنحن دائمًا في حاجة لتذكير أنفسنا ولمن يُذَكِّرنا بتقوى الله تعالى والورع وضرورة طِيب النفس والأريحية في النظر إلى الآراء الأخرى والتَّوجهات المختلفة للمؤمنين وأهل الولاية لأهل بيت العِصمَة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). ومقتضى ذلك أن نتجاوز سريعًا عن زلَّات الإخوان صغيرةً وكبيرةً، وأن نُتقِنَ التقرُّب إلى الله تعالى بمعالجتها في ضمن حدود الأدب وضوابطه حقيقةً لا تصنُّعًا.

ثُمَّ أمَّا بعدُ..

تبتني المقالة على ضرورة التفريق بين مقامات: النظر والكلام والتصريح، ومنها:

مقَامَا الإيجاد والموجود:

لا كلام في ضرورة التصدِّي للمبتدعات ومُحدَثات الأمور، بشكل عام، إذا كانت ممَّا تَمسُّ بضررها الدينَ أو القِيَمَ أو الأعرافَ الصَّحِيحَةَ، وبمثل هذه التصدِّيات يَتَمَيَّزُ الدينُ بكونه الوجود التام الكامل؛ قال سبحانه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)[4].

وتتأكَّدُ ضرورة التصدِّي فيما إذا كان المُبتَدَعُ في طور الإيجاد أو الإحداث، وفي حكمه ما أُوجِدَ قريبًا بحيث لم يدخل بَعْدُ في البناءات الثقافية للناس.

ضابطتان:

  • أن لا يكون للأمر عمومٌ من الشريعة يسَّوغه.
  • أن لا يكون الأمر ممَّا يُرجِعه الناس إلى أعرافهم بعيدًا عن التسميات الشرعية.

فإذا افتقر إلى عموم شرعي، وكان ممَّا يعدُّه الناس من المستحبَّات شرعًا، فهذا ممَّا ينبغي التصدِّي إليه.

أمَّا المَوجُود فيفترق عن الإيجاد في أنَّه (الموجود فعلًا) يتمكَّن في ثقافات الناس فيُزاحِم، بذلك، مِلاكُ الإبقاء عليه وتركه مِلاكَ التصدِّي إليه لبيان بطلانه أو ما يترتَّب على بيان بطلانه. والكلام من جهة علمية صِرفة. فلا تعجل.

يطرح بعض المُحقِّقين من المؤمنين بحوثهم في نسبة القبر الفلاني أو الضريح أو المشهد إلى صاحبه المُدَّعى، مُشكِّكًا أو نافيًا. والحال أنَّ حوائج قُضِيَت فعلًا بعد التوسُّل والدعاء عنده، كما وتُقطَعُ آلاف الفراسخ والأميال للوصول إليه للنذور والوفاء بالنذور، وتستمر حقيقة قضاء الحوائج واستجابة الأدعية تحت قبَّته، والإفاضة على القلوب بالطمأنينة والسكينة على مشارف أعتابه.

فأيُّ المِلاكين يُقدَّمُ؟ مِلاك التشكيك في النسبة أو نفيها، أو مِلاك عدم المساس بما عليه المؤمنين عن تجارِب وقصص متواترة؟

عندما يقول مئةُ باحثٍ: نسبة هذا القبر إلى فلان باطلة.

فإنَّ في قبال هؤلاء المئة آلاف وأكثر من المؤمنين الذين قضيت حوائجهم، وأكثر، عند ذلك القبر. فكيف يُقابِلُ الباحثون هذا الوجدان؟

عندما نُحرِزُ عدمَ عروضِ حرامٍ في البَين، فإنَّنا نقطع بحكمة إلهية لا تُحيط بها بحوثنا وتحقيقاتنا العلمية، ولذلك لا بدَّ من الرجوع إلى الحِكمة البالغة من بحث التزاحم.

بلى، يُعادُ النظر فيما لو كان لنفس هذا الموجود آثارٌ وتسبيبٌ لأضرار تلحق بالدين أو التدين أو ما نحو ذلك ممَّا يُقدِّمُ مِلاك التصدِّي.

إذا كان كذلك فالقيام على أمرين:

الأوَّل: وضع البحوث بين أيدي الفقهاء العدول، ولهم البتُّ في الأمر؛ إذ أنَّ حكم مثل هذه الموضوعات حكم الموضوعات المُستنبطة، وليس الأمر بحثًا تاريخيًا صِرفًا، وقد تقدَّم ما يُؤيِّدُ ذلك.

الثاني: البيان العلمي للجهة في قضاء الحوائج واستجابة الدعاء في المكان محل الكلام، ولا يصح التبسيط والتسطيح، فالحوائج تقضى فعلًا، والدعاء يُستجاب حقيقة.

إمَّا إذا كان مِلاكُ التصدِّي متخلِّفًا في الأهمية عن مِلاك الترك، فلا وجه لتقديم المُتَأخِّر.

لا شكَّ في أنَّ للبحوث والتحقيقات قِيَمِها وأهميتها العلمية، خصوصًا في مقام التحليل وقراءة التاريخ، ولذلك لا يمكن على الإطلاق التنازل عنها أو التهاون في اعتبارها والحث عليها، بل نحن في حاجة إلى تكثير العلماء من الباحثين والمحقِّقين، إلَّا أنَّ ما نريد التأكيد عليه هو التفريق بين مقامي: الخطاب التخصصي والخطاب العام:

تتغير الثقافات والأعراف من خلال مُحرِّكين:

الأوَّل: كبار القوم والموثقين عند الناس، كأئمة المساجد والمخاتير والوجهاء، فإنَّ هؤلاء يتحرَّكون كل في دائرته الخاصَّة برؤى المُنَظِّرين وأصحاب الفكر، وتأخذ الفكرة تمُّوجاتها حتَّى تستحكم ثقافةً أو عرفًا في المجتمع.

الثاني: نفس المجتمع؛ بإحداث فوضى عارمة لا تصمد أمامها ثابتة، وهو ما يُسمَّى في علم الاجتماع بالفوضى الخلَّاقة.

يعتمد العُقلاءُ المُحرِّك الأوَّل؛ لما فيه من انتاج لتغيير صحيح في مسار تراتبي هادئ، وبهذا النمط التغييري ترسخ الثقافة وتتحول شيئًا فشيئًا إلى قناعة ومبدأ. وبذلك جاء إسلامنا العظيم، وهو ما يدلُّ عليه بوضوح قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)[5].

كما أنَّ الكتاب العزيز يبين رسوخ ما عليه عموم الكافرين لاتِّباعهم كبارهم، ومن ذلك قوله تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا)[6]. ولأهمية صدور التحريك من الكبار نجد أنَّ الله تعالى أوكل مهمَّة التحريض على القتال إلى الأكبر مطلقًا، وهو الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)[7].

إنَّ للاعتماد على تحكيم العقل الجمعي[8] على مسارات التغيير خطورة بالغة؛ حيث إنَّ من طبيعته (العقل الجمعي) السرعة في تغيير المسار وتبديل المُعتَنَق. من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام)، قال لكميل بن زياد: “النَّاسُ ثَلَاثَةٌ؛ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ومُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ ولَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ”[9].

لا إعابة في المقام، بل ما نحن فيه هو بيان طبيعة العقل الجماهيري، وفيه يغيب العقل الفردي ويبتعد عن التمكَّن من الفهم الدقيق والتشخيص الصحيح، وإنَّما تستحكم المشكلة مع التراجع الكبير في إدراك العقل الفردي لحَالِه مِنْ غَيْبُوبَةٍ غير مُسْتَشْعَرَة في العقل الجمعي، وأيضًا ضعف إدراكه لما يفوت عليه من كبريات القياس والتحكيم ممَّا يحتاجه في الحكم على ما يُلقى عليه ويتلقاه.

العقل الجمعي عقل خادع مُوهِمٌ بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى، وهذا ما يجعله مُنْعَطَفًا نحو الفشل والانتكاس.

لذا، فإنَّ ما يُلقى على العامَّة من نتائج تخصُّصية يتسبَّبُ غالبًا في إرباك الساحة وإنهاك الناس، والحال أنَّ نفس النتائج لو أنَّها تُطرَح في بحوثها المُفَّصلة على النُخب الحقيقيين في المجتمع، ثُمَّ أنَّها تُترَك لتأخذ وقتها في التموج التثاقفي في المجتمع، كما وحتَّى الذي لا يقتنع بها فإنَّه لن يجابهها مجابهة هجوم ودفاع.

مقام التحليل العلمي:

تترتَّبُ بعضُ الآثار والبناءات التحقيقية على إثبات أو نفي أمر مُعَيَّن، قد تكون عقدية أو فقهية، وقد تكون تاريخية أو اجتماعية أو سياسية، أو ما نحو ذلك مِمَّا يُحتِّم على الباحث الدقَّة وعدم التهاون في إثبات نتائج البحث والتحقيق، وهي نتائج إمَّا أن تكون ذات عِلاقة بالمجتمع والمُؤمنين، أو لا. فإذا كانت ذات عِلاقة رجَّحنا تقديم مِلاك التصدِّي، وقد تقدَّم الكلام فيه. وإن لم تكُن كذلك فحريٌّ بالحكيم المحافظة عليها بين الباحثين والمُحقِّقين، ولا معنى على الإطلاق من إخراجها للعامَّة.

هنالك مجموعة من القضايا التي تُطرح منذ سنين طويلة من على منابر المآتم (فهي من مقام الموجود، لا الإيجاد)، وليس لها أدنى تأثير على الناس لا من جهة العقيدة ولا الفقه ولا الأخلاق ولا الثقافات ولا السلوك، ولا شيء على الإطلاق أكثر من الانفعال في المأتم وإلى حدود أبوابه لا أكثر. ومن جهة التحقيق العلمي فهي ليست ممَّا هو مُجمَعٌ عل ردِّه، وبالتالي، فلا بدَّ من الرجوع بها إلى حلقات الدرس والبحث بين أهل التخصُّص، ولا وجه لإثارتها بين الناس، وقد تبينت الجهة.

مقام المِنبَر:

تجدر الإشارة إلى أمرين رئيسيين:

الأوَّل: عدم صوابية القول بأنَّ الناس يأخذون عقائدهم ودينهم من المنبر. هذا كلام مُبَالَغ فيه جدًّا، ولم يحدث لا قديمًا ولا حديثًا أنْ أخذ الناس دينهم من المِنبر دون مراجعة العلماء. غير أنَّهم لا يراجعونهم في ما لا يستدعي المراجعة لانعدام أثره على التدين والثقافة الدينية عند الناس. ولذلك لم نرَ في أذهان المؤمنين شبهات حقيقية بسبب ما يُلقى من على منبر المأتم.

بلى، بدأت مجموعة من الشبهات بالتشكُّل في الأذهان؛ لأسباب حاولنا توضيحها في هذا المقال.

الثاني: لمْ يُنصب مِنبَر المأتم، في الأصل، لطرح المواضيع العلمية وتحقيقاتها، بل من الثابت والمقطوع به قيام الأمر بمجلسِ نِيَاحَةٍ وبكاءٍ لأشعارٍ تُلقى ومُصيبةٍ تُستَحضر. أمَّا العِلم فمِنه ما يُطرح في الدرس، ومنه ما يتكفَّل به مِنبَر الجُمُعة، ومنه يُرفَد به الناس بين الفرائض في المساجد.

طرأت فِكرَةُ الانتقال بالمأتم، وكان خاصًّا إلى حدٍّ بعيد بالإمام الحسين (عليه السلام)، من طور النياحة والبكاء فقط، إلى التذكير بالسيرة وطرح الموعظة، وذلك من باب استثمار احتشاد المؤمنين في المجالس والمآتم.

ثُمَّ أنَّ نفس داعي الاحتشاد دفع ذوي المبادرة والتصدِّي لتطعيم المِنبر ببعض المواضيع المناسبة للمرحلة، ولا أستبعد تبلور هذا الاتِّجاه أواخر الخمسينات ومطلع الستينات عندما بدأت الأحزاب السياسية الشيعية بالتشكُّل.

إذا اتَّضح ذلك، فمِّما ينبغي الالتفات إليه جيِّدًا ضرورة التمييز بين ما يناسب الجماهير وما يناسب الأفراد، وما يناسب العامَّة وما يناسب أهل التخصُّص، وما يُناسب من يطلب العلم ويسعى إليه وما يناسب من يُذهَبُ إليه بالعلم.

يُنقل عن أحد العلماء الماضين (قدَّس اللهُ أسرارهم) أنَّه قد نهى عالمًا مجتهِدًا عن تدريس الفلسفة ما لم يُحدِّد طلبة الدرس بشكل دقيق!

المنبرُ محطَّةٌ سنوية يمكن من خلالها إرجاع المؤمنين، وعلى وجه الخصوص الشباب، إلى المساجد وحلقات الدرس وما شابه، ومن هناك يتواصل تجدُّد الانطلاقات على طريق بناء مجتمع الإيمان.

في نظري القاصر، أنَّنا أضعنا الكثير جدًّا من القوَّة الفعالة لمنبر المأتم عندما شغلناه بالخلافات والنزاعات وجعلناه منصَّة للتحشيد والمناكفة، وعندما حمَّلناه ما لا يحتمل من بحوث مُطَوَّلة وقضايا فكرية كان الأحرى أن تُطرح على مدار السنة في حلقات تُقصَد.

نعم، سوف يتقلَّصُ الحضور إلى العُشرِ رُبَّما، ولكن علينا أن نفهم جيِّدًا بأنَّ هذا العُشر هو الذي ينبغي أن يُخاطب بهذا الخطاب البحثي أو الفكري، فهو يقصده للتعلُّم، لا لمجرَّد الاستفادة العارضة. وهؤلاء القاصدون هم الذين يُعَوَّل عليهم في إحداث التغيير في المجتمع.

مقام وسائل التواصل التكنلوجي:

ممَّا نقطع به عدم صلاحية وسائل التواصل التكنلوجي لبناء الفكر الصالح، فهي على كثرتها محلٌّ للتوارد غير المنضبط، وبِسِمَةٍ فاردة، هي سرعة تلاشي ما يُطرَح بورود غيره عليه، فلا تصمد فكرة مهما كانت مهمَّة ولها ما لها من الرسوخ العلمي.

إنَّ ممَّا ينبغي الانتباه إليه جيِّدًا أنَّنا اليوم في مواجهة أكثر أدوات التجهيل شراسةً وإصرارًا، وهي هذه الوسائل التكنلوجية، ويزداد خطرها بتلبسها قميص الوعي والمعرفة وتمكين الفرد من الرجوع إلى المصادر المعرفية بسرعة فائقة..!!

هذا كلُّه صحيح، غير أنَّه المنحدر الذي يهوي بقوَّة الفكر إلى أودية سحيقة من التخلُّف والابتعاد العظيم عن الحِكمَة ومقدِّماتها.

لذا، فإنَّه لا بدَّ للبحوث والبيانات والمقالات والآراء من أنْ تُحفَظ في مواقع خاصَّة وفي ملفات ورقية حاضنة. أمَّا الاكتفاء بالنشر عبر وسائل التواصل التكنلوجي فهو من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي نرتكبها باندفاع شديد جدَّا، حتَّى، من ذلك وغيره، فقدنا القدرة على ضبط الفِكر وترشيد الثقافات.

ألا ترون سرعة ردود الأفعال وصياغة الردود ونشرها؟ كلُّه عن انفعالات وقتية تُشغِل الساحة ثُمَّ تزول مع ترك كومة من الآثار السلبية والسيئة.

لا شكَّ في أنَّ مراجعة النفس فضيلةٌ، وأجلُّ منها الوقوف الواعي على الخطأ وتغييره. ولا شكَّ في أنَّ من أقبح الرذائل العزَّة إذا أخذت صابحها بالإثم.

لذا، فإنَّي أختم مقالتي برجاءٍ أضعه على أعتاب ذوي العقول والحكمة من المؤمنين أن يقوموني إن وجدوا في ما قلتُ خللًا أو خطأ.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام)، قَالَ: مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ: الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي[10].

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

8 صفر 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

………………………………………….

[1] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 2 – ص 361 – 362

[2] – المصدر السابق

[3] – الآية 46 من سورة الأنفال

[4] – الآية 3 من سورة المائدة

[5] – الآية 59 من سورة النساء

[6] – الآية 67 من سورة الأحزاب.

[7] – الآية 65 من سورة النفال

[8] – ننصح بالرجوع لكتاب (سيكولوجية الجماهير) لغوستاف لوبون، وبالرغم من تكاثر النظريات المُعترِضة على الكتاب، إلَّا أنَّه لا يزال محتفظًا بقيمته العلمية وخصوصًا من جهة التأصيل.

[9] – الخصال – الشيخ الصدوق – ص 186 (تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفَّاري، مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المُشرَّفة، سنة الطبع: 1403 للهجرة)

[10] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 391

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *