الرئيسية / مقالات / تكوين الجوِّ العلمي (1-2)

تكوين الجوِّ العلمي (1-2)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.

تكوين الجوِّ العلمي (1-2)

نشر -قبل قرابة الأسبوعين- حساب موقع (كتابات)[1] استطلاعًا لآراء ورؤى بعض السادة والمشايخ الكرام في إشكالية الجو العلمي والطرق الصحيحة للمساهمة في إيجاده وإشاعته بين طلبة العلم في بلدنا البحرين، وهو أمرٌ طالما شغل البال وأخذ من التفكير ما اتعب الفِكر؛ كيف لا وحسراتٌ تعتصر القلب لأفولٍ يخنق تاريخًا عِلميًّا عريقًا أزْهَرَ في هذه الأرضِ صُحُفًا وصُحُفًا أثْقَلَهَا مِدَادُ علمائها الأبرار بالعلم والمعارف الإسلامية الأصيلة؟!

ليس الأمرُ ترفًا، ولا هو مجرَّدُ مشتهياتٍ تتمناها النفس؛ بل هو أمر يرجع إلى تأمين مصير الأمَّة وحِفظ استقرار المؤمنين؛ والوجه في ذلك أنَّ السَّلامة الذهنية والنفسية للناس عادةً ما تُحقِّقُها حِكمةُ القادة وثراء تجاربهم في هذه الحياة، وكلَّما كانوا على مستويات أرفع وأعلى من العلم والمعرفة والحكمة والنباهة كان الناس في رَغَدٍ مِنَ الاستقرار والأمن وجمال الثقة بالنفس؛ وليست بخافية على الفضلاء وفرةُ الأحاديث الشريفة في فضل العلماء وكونهم من أهم الجهات التي إن سلِمت سلِم الناس.

روي عن علي بن محمَّد الهادي (عليه السلام) أنَّه قال: “لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابِّين عن دينه بِحُجَج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحدٌ إلَّا ارْتَدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يمسكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سُكَّانَها. أولئك هم الأفضلون عند الله عَزَّ وجَلَّ”[2].

وجاء عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: “صنفان من أمَّتي إذا صَلُحَا صلحتْ أمَّتي، وإذا فسدا فسدتْ أمَّتي. قيل: يا رسول الله ومن هما؟ قال (صلَّى الله عليه وآله): الفقهاء والأمراء”[3].

ثًمَّ أنَّه لا ينبغي الشكُّ في أنَّ لكلِّ مجتمعٍ خصائصه، بل لكلِّ مدينة وقرية طبيعتها التي تميزها عن جاراتها، وهذا ما نراه بوضوح في واقع المجتمعات على اتِّساع رقعتها على وجه الأرض. ولذا نجده مأخوذًا في قوله تعالى (وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[4]. وهناك استفاضة حديثية في أهمية وجود عالِم عارفٍ بحديث أهل البيت (عليهم السلام) وبقضاياهم وقضاءاتهم بما يُحقِّق الكفاية من مختلف الجهات. فافهم.

إنَّ لهذه الرؤية الاستراتيجية ما يقتضيها من مقدمات مهمَّة، أصلُها أن يعيش المعنيون من العلماء وطلبة العلم الأفاضل همَّ الحاضرة العلمية بما يبعثهم فعلًا ويكون لهم مُحرِّكًا نحو إيجاد الأجواء العلمية المطلوبة.

أُلفِتُ الانتباه إلى ما من شأنه التأكيد على أهمية النهوض الحقيقي بواقعنا العلمي؛ فليلاحظ الإخوة الأكارم مكانة العالِم بين الناس ومدى توقيرهم له وأخذهم بكلمته قبل قرابة الأربعين سنة، ولينظروا بعينٍ موضوعيَّةٍ في الخطِّ البياني لتلك المكانة وليستشرفوا ما يمكن أن يكون عليه الحال خلال الخمسين سنة القادمة.

ثُمَّ لا تغفلوا عن أنَّ من مبطلات الموضوعية الاعتماد في القياس والاحتجاج بمواقف مفردة أو صوتيات تُطلق على منصات التواصل التكنلوجي؛ فما نهتم به هو الأثر العميق للعالِم في عقل المجتمع بما يشكِّل رادعًا حقيقيًا عن أيِّ تعدٍّ يمسُّ بمقام العلم والعلماء، وما ذاك إلَّا لمجموعة أمور لها واقعها الخارجي، منها القوَّة العلمية للعلماء وأجواؤهم العلميَّة التي كانوا يتحرَّكون بين الناس في هالتها بقدسية أسبغتها عليها الأحاديث الشريفة لأهل بيت العصمة (عليهم السَّلام).

أضع في المقالة القادمة إن شاء الله تعالى ما استخلصتُه من مقترحات أصحاب السماحة العلماء وطلبة العلم فيما يخصُّ الجو العلمي والمساهمة في إيجاده، برجاء أن يتفضَّل الإخوة الأكارم بالتفكير الجاد في حاضرتنا العلمية والطرق المُعينة على طريق المساهمة في تكوين الجو العلمي اللائق بالحوزة العلمية الشريفة.

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

7 جمادى الأولى 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

…………………………….

[1] – https://instagram.com/ketabat.alhawza?igshid=h8g2bz6rhdx5

[2] – الاحتجاج – الشيخ الطبرسي – ج 2 – ص 260

[3] – الخصال – الشيخ الصدوق – ص 37

[4] – الآية 122 من سورة التوبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *