الرئيسية / مقالات / (TWITTER) وَتَهْدِيدٌ حَقِيقِّيٌ

(TWITTER) وَتَهْدِيدٌ حَقِيقِّيٌ

ما هي الفكرة؟ كيف تأتي؟ ومن أين؟ هل هي مجرد صورة تتركب بشكل طارئ ومفاجئ، أم أنها نتيجة لمقدمات ومقدمات؟.. وكيف ينبغي للفكرة أن تخرج إلى الآخر أو إلى الآخرين؟

أولًا، ألفت انتباه القارئ الكريم إلى أنني لست بصدد الحديث عن الفكرة بالنظر الفلسفي، ولكنني أستجمع مختلف الأقوال في (الفكرة) في: (إنها معالجة نظرية لأمر إما أن يكون خارجيًا أو أن يراد له أن يكون متحققًا في الخارج)، ولا شك في أنها لا تأتي من لا مكان، بل من المسلم به أنها نتاج مقدمات قد تكون مرتبة منتظمة في سياق معلوم، أو أنها نتاج مقدمات قابعة في اللا وعي تظهر فجأة على صفحة العقل، وفي الحالتين نفهم بأن الفكرة نتاج مقدمات لا محالة، وهي على قسمين من حيث الإفادة:

القسم الأول: أن تكون (الفكرة) لنفس صاحبها، فيدونها أو يحفظها بشكل من الأشكال ليجمعها مع أخرى وبالتالي يصل إلى مشروع معين.

القسم الثاني: أن تكون (الفكرة) لخدمة أمر يأمله الآخرون، فتطرح لتنظم مع مجموعة من الأفكار تتلاقح فتنتج رؤية معينة تكون أساس لمشروع معين.

ونحن نرى بأن الأولى وإن اختصت في مراحلها الابتدائية بصاحبها إلا أنها لا تبقى على هذا الحال إلى الأبد، إذ لا بد أن تخرج لتطرح أمام الآخرين كخيار بشكل من الأشكال، ومن هنا ندرك جيدًا بأن (الفكرة) وفي نهاية المطاف لا مناص من لا بدية خروجها إلى متلق أو متلقين، وهنا أحد طريقين:

الأول: أن تطرح الخلاصة، وهي ما نطلق عليه في المجتمع مصطلح (فكرة).

الثاني: أن تطرح الخلاصة (الفكرة) بمقدماتها وأهم حساباتها.

مؤخرًا جاء التطور التكنلوجي وفي برامج انتشرت بشكل غريب جدًا ليقدم تقنية إيصال الفكرة على الطريقة الأولى وفي لحظات قليلة جدًا إلى عشرات ومئات وآلاف وثم إلى الملايين من البشر، وفي لحظات أخرى يقوم شخص واحد فقط ولا حاجة لأكثر فيطور أو يبلور أو يعدل على الفكرة ويعيد نشرها ليكون التداول سريع على مختلف المستويات ومنها المستوى الفيزيائي والآخر النظري الفكري، وهذه السرعة الكبيرة جدًا في التداول تخفي وبسبب سرعتها الفائقة نواقص وعيوب لا أبالغ أبدًا إن قلت بأنها مهلكة مدمرة، والأدهى فيها أن تدميرها لا يكون ملحوظًا، بل يتحول إلى أمر عادي ينكر المنكرون على من يعارضه!!

(عصر السرعة).. مصطلح أو توصيف لحال نعيشه اليوم ونخضع له عن إرادة أو عن قهر، فنحن في وسط أمواجه المتلاطمة، وأنا هنا لا أرفض (عصر السرعة) ولكنني أرفض إطلاق السرعة في كل الاتجاهات وخصوصًا في القضايا الفكرية التي ينبغي أن تطرح بتأن وروية مشفوعة بالأدلة والبراهين والحسابات، وهذا أقل ما يجب أن يكون بين الناس بحسب معايير احترام العقل وتقدير الفكر.

اليوم عندما نتابع موقع التواصل (TWITTER) نقف على دوال خطيرة جدًا منها نقرأ واقعًا ثقافيًا لا يستقيم إلا مع الحدث الحاد كالذي نمر به، وهذا نفهمه من عدد المتابعين للشخصيات النشطة في الموقع، فهناك من يطرح (فِكرًا) وليس مجرد (فكرة)، وهناك من يشتغل في نقل الأخبار ومن مصادر جيدة، فنرى أن المتابعين للأول هم أولئك الذين يبحثون على الفكر والنظر، أما المتابعين للثاني فالغالب عليهم (ولا أعمم أبدًا) الحالة الانفعالية والعاطفية تحديدًا، ولذلك تجدهم مضطربين في (تغريداتهم) بحسب (الفاعل) وهو مصدر الخبر أو التصريح، وهذا على المدى المنظور سوف يحول الوعي الثقافي الذي وفرته ثورة 14 فبراير إلى ثقافة (التعليب) والتعلق بالفكرة كخلاصة يأخذها المتلقي ويجهز لغيرها، وهكذا دون دراية ولا قيام على أرض ثابتة.

لا أقول بأن هذا هو الحاصل اليوم، ولكنني أحذر جدًا من أن توصل مواقع التواصل جماهير الناس إلى هذا اللون من الثقافة (المشوهة)، والذي أراه أن ذلك –وللأسف- بدأ بالتموضع كمقدمة للانتشار، ومن العلائم توجه بعض الأخوة من المثقفين في حقبة الثمانينات والتسعينات إلى نصيحتي بأن أتحول من كتابة المقال إلى (التغريدات) بحجة أن “الناس لا تحب القراءة”!!

هذه كلمة تؤلمني جدًا ولا أريد أن أصدقها فيمن أحب.. ربما أكون مثاليًا في نظر البعض، ولكن ما أفهمه جيدًا هو أن القراءة والتعمق فيها والمطالبة الدائمة والمستمرة بالدليل والبرهان والحجة والمقدمات هي من مقومات الشخصية الإنسانية في بعدها الراقي، وحتى نحافظ على ثقافة الثورة ووعي النهوض من أجل الكرامة والحق والعزة ينبغي لنا تفعيل النشاط الذهني بالمطالعة المتعمقة والانتداء والتحاور وبشكل نتجاوز به كل حدود الجمود والاقتضاب و(التعليب).

إننا في حاجة ماسة إلى الموازنة بين (TWITTER) وبين المدونات والكتب والمطالعات الحقيقية، وإلا فاعتماد الأول والتعود على (التغريد) فسوف يحولنا إلى (عصافير) سرعان ما تذبح على مشارف (انياب الذئاب)..

فليتشرف القارئ الكريم بالنظر في هذا الكم الهائل من الآيات القرأنية التي تحث الإنسان على التدبر والتفكر والتعقل، وهذا كله يعني البناء على المقدمات والبراهين التي لا يمكن أن تختزل في بعض (تغريدات)، وفي هذا البحر أختم بشاهد عن أبي الصلت الهروي الذي ينقل بأنه سمع الإمام الرضا (عليه السلام) يقول: “رحم الله عبدًا أحيا أمرنا” فقال له الهروي: “كيف يحيي أمركم؟”،  فقال الإمام (عليه السلام): “يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا”.

وكيف يكون العلم والتعليم بمجرد (تغريدات)؟؟!!

 السيد محمد علي العلوي

1 صفر 1433هـ

 26 ديسمبر 2011م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *