الرئيسية / مقالات / أدبيات التدين في مواجهة عولمة التشكيك وإطلاقِ حقِّ السؤال

أدبيات التدين في مواجهة عولمة التشكيك وإطلاقِ حقِّ السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وآلِه الطيبين الطاهرين

 

يتميَّز المجتمع البشري عن غيره من تجمعات الأحياء بنزعة التطوُّر، يُقابلها طبع الخوف من المجهول وإيثار البقاء على الحال ما لم يكن الطور الآخر معلومًا، ولذا احتاج المجتمع، غالبًا، لدفعٍ جماهيري تتلاشى معه التخوفات الفردية، بل حتَّى لو كانت التخوفات في محلِّها فإنَّها تضعف وتهزل أمام الدفع الجماهيري حقًّا أو باطلًا؛ إذ أنَّ التطوُّرَ هو الانتقال من طور إلى طور دون أخذٍ للاتجاه في موضوعه، وهكذا التقدُّم وما نحوها ممَّا يدلُّ على الحركة والانتقال؛ فجميعها من المفاهيم الانتزاعية لما يرجع إلى علاقة الأين بين شيئين، كما في الفوق والتحت، والأمام والخلف، والقدام والوراء، واليمين واليسار.. فاحتجنا إلى أضافة بيانية، مثالها: السماء فوق بالنسبة إلى الأرض، وتحت لما فوقها، والأوسط على يمين ما يقع على يمينه، وهو نفسه على يسار ما يقع على يساره.

إذا اتَّضح ذلك فإنَّ التطور قد يكون انتقالًا من طور الإيمان إلى طور الكفر، وقد يكون العكس، فإذا كان من الإيمان إلى الكفر فهو تقدم للكفر وتأخر للإيمان، وهكذا تكون الحاجة إلى الإضافة وإلَّا فلا فائدة من الانتزاع.

نعم، تعملُ المرتكزات العرفية عمل الإضافة، فعندما يُقال: (تقدم) انصرف الذهن إلى التقدم المحمود، ومثله التطور وما شابه.

كيف كان، فخوف الإنسان يتعلَّق بالانتقال سواء كان في هذا الاتجاه أو ذاك، وإنَّما توسَّعنا بعض الشيء استطرادًا.

تحمل غريزةُ الخوفِ في داخلها نزعةَ السؤال عن المجهول لكي لا تكون حركته عن جهل وعمى، وقد نُفيد ذلك من قول أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في وصيته لكميل بن زياد: “يا كُمَيلُ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إلَّا وأنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إلى مَعْرِفَةٍ”[1].

ترجع هذه النزعة العلمية إلى فطرة الاطمئنان الذي يطلبه الإنسان ولا يتنازل العاقلُ عنه ما لم يحصل على ضمانات تُبرِّر انتقاله من طور إلى طور، غير أنَّ بواعث السؤال لا تقتصر على هذا المورد فقط؛ بل هي شاملة لكلِّ ما يمكن أن يقع موضوعًا للعلم وإن كان الإمكان متوهمًا كما في حادثة طلب الرؤية (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِ)[2].

فائدة:

ما يحتاج من القوى البشرية إلى تقنين فإنَّ الله تعالى، بطبيعة الحال، لا يجعله في الإنسان مقنَّنًا، وإلَّا لما خطرت بالبال مسألة التقنين من أصل، بل يجعل تبارك ذكره هذه القوى في الإنسان ويجعل قوانين يفرض عليه التزامها لترشيد تلك القوى، وتكون نفس القوانين من عناوين الجزاء ثوابًا وعقابًا.

ضبط علماء الأخلاق البواعث النفسية للإنسان في ثلاث قوى رئيسية تحدِّدُ مسار قوة رابعة، أمَّا الثلاث فهي: الشهوة والعلم والغضب، وتتوجَّه بحسبها القوة الرابعة وهي قوَّة العدالة؛ حيث يتردَّد السلوك البشري في كلِّ قوَّةٍ من القوى الثلاث بين ثلاث حدود؛ حدِّ الإفراط وحدِّ التفريط، وبينهما الاعتدال، وهو في الشهوة العفَّة وفي العلم الحكمة وفي الغضب الشجاعة، فلا بلادة ولا شره في الشهوة، ولا جهل ولا جربزة في العلم، ولا جبن ولا تهوُّر في الغضب.

ولذلك فإنَّ لكلِّ قوَّة من القوى المودعة في النفس البشرية قوانين جُبِل عليها الإنسان، يأمر العقل باتِّباعها تجنيبًا له ولمجتمعه عن كلِّ قبيح وفساد. ولكنَّ العقلَ لا يحيط بكلِّ ما فيه المصلحة، ما اقتضى أن تحمل الأديان السماوية ما فيه السلامة في الدنيا والآخرة.

المرجعُ الثَابِتَة:

إنَّ وجودَ الإنسان في هذه الحياة الدنيا وجودٌ عارضٌ سرعان ما ينتهي وينكشف الغطاء ويحدُّ البصر، وليس بين اليدين غير جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، ونارٍ تلظَّى. جاء عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أنَّه قال: “وأعمَالُ العِبَادِ في عَاجِلِهِم نَصب أعيُنِهِم في آجِلِهم”[3]، وهو من قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى)[4].

بذلك يتَّضح القانون الحاصر لوظيفة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وهو صريح قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)[5].

لا ينشغل العاقل بما لا يُؤثِّر في تقريب حُسنِ خاتمته، وهذا هو الضابط الأصل الذي لا يصحُّ من المؤمن تركه أبدًا.

حديثٌ يبين معالم الطريق:

جاء في قرب الإسناد: عن بكر بن محمد الأزدي، قال: سأله (يعود الضمير على الإمام الصادق عليه السَّلام) أبو بصير – وأنا جالس عنده – عن الحور العين، فقال له: “جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الدُنيَا، أو خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الجَنَّة؟

فقال (عليه السَّلام) له: ما أنت وذاك! عليك بالصلاة؛ فإنَ آخر ما أوصى بِهِ رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) وحَثَّ عليه الصلاة. إيَّاكم أنْ يَسْتَخفَّ أحدُكُم بصلاته، فلا هو إذا كان شابًّا أتَمَّهَا، ولا وهو إذا كان شيخًا قَويَ عليها. ومَا أشَدَّ مِنْ سرقَةِ الصَلِاة! فإذا قَامَ أحَدُكُم فَليَعْتَدِل، وإذا ركع فَليَتَمَكَّن، وإذا رفع رأسه فَليَعْتَدِل، وإذا سجد فَليَنْفَرِج وليَتَمَكَّن، فإذا رفع رأسَهُ فَليَعْتَدِل، وإذا سجد فَليَنْفَرِج، فإذا رفع رأسَهُ فَليَلْبَثْ حَتَّى يَسكنْ”[6].

توطئة:

استقل الغربُ في تطلعاته وبنائه الحضاري عن كلِّ ما يربطه بدينٍ أو قانون حاكم على العلمانية والحداثة وما بعدها وما بعد بعدها، ولا مُسيِّر له، بحسب الظاهر، غير التقدم العلمي في مختلف الميادين، فلا يريد لسماء أن تحدَّة ولا لأفق أن ينغلق عليه، بل لا نجانب الصواب لو قلنا بأنَّهم اليوم يريدون لأنفسهم كلَّ ما نعتقده في الله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى!

لا أحد اليوم يفهم تطلعات التقدم، أو حتَّى معالم الغايات لحركة التقدم! هناك حركة فقط، تنتج ما يشتريه الإنسان أو يُفرض عليه ليشتريه أو ليتسقف ويتحدَّد به!

لستُ بصدد الحديث عن طوفان التقدم، ولكنَّني فقط أريد تثبيت حقيقةً واحدة، وهي أنَّ أيَّ تقنين للسؤال فهو مرفوض قطعًا، بل ومُحَارَبٌ بقَسْوَةٍ وعُنف وشراسة من ثقافةٍ مُعَولَمَة.. هي ثقافة التقدم والحضارة.

تذهب التأسيسات المعاصرة إلى التأصيل لثقافة السؤال والشك، وكلاهما مطلقان دون قيود، ومن يتمكَّن من اعتناق هذه العقيدة يكون من الروَّاد ويدعمه الإعلام ويسوق له ولما يحمل من أفكار مادَّتها عدم التوقف لا عن الشكِّ ولا عن السؤال.

فوائد من رواية قرب الإسناد:

الأولى: “ما أنت وذاك؟”:

عندما نعرض استنكار الإمام (عليه السَّلام) على ضابطة: (لا ينشغل العاقل بما لا يُؤثِّر في تقريب حُسنِ خاتمته) نرجع على سؤال أبي بصير بسؤال تحقيقي، هو: ماذا لو عرفت خلق الحور العين إن كان من خلق الدنيا أو من خلق الآخرة؟ ثُمَّ ماذا؟ هل لهذه المعرفة أثر معتبر في عقيدتك أو فقهك أو أخلاقك؟ هل لهذه المعرفة أثر في حُسن عاقبتك؟

الثانية: “عليك بالصلاة …”:

صرف الإمام الصادق (عليه السَّلام) أبا بصير عن سؤاله بكلمة إنكارية، وألفته إلى ما ينبغي أن يكون محلَّ اهتمامه، وهو الصلاة مُرجِعًا إلى كونها آخر ما أوصى به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). وفي البلاغة أنَّ الأهم يُبدَأُ أو يُنتهى به.

روى في الكافي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السَّلام) أنَّه قال: “إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِه الْعَبْدُ الصَّلَاةُ فَإِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَا سِوَاهَا”[7].

الثالثة: أقل ما في الصلاة أهم من موضوع سؤالك!:

إذا أحسن العبدُ صلاتَه وأتى بها على تامَّةً، فإنَّ ذلك لا يُبرِّر له الرجوع إلى مثل سؤال أبي بصير؛ كيف وقد أوضح الإمام الصادق (عليه السَّلام) مرجوحية السؤال أمام ما ينبغي أن يكون عليه العبدُ في أقل ما يُطلب أفعال الصلاة. ليس الأمر ان يُحسن المؤمن صلاته ويتفرغ بعد ذاك لمثل سؤال أبي بصير، بل أنَّ هذا السؤال ليس ممَّا ينشغل به المؤمن، وبالقياس يرجح الانشغال بأقل ما يمكن أن يكون له أثر في تقريب حسن الخاتمة وجميل المنقلب.

الرابعة: التقصير في الأقل ينتهي بالعبد إلى التضييع:

هنالك الكثير ممَّا لا نراه بعقولنا المحدودة ذا خطر أو أهمية، ولكنَّه في الواقع يدخل في قيام العمل واستقامته، كالدرهم يتصدَّق به العبد فيدفع اللهُ تعالى عنه البلاء العظيم، وكالهدية تذهب بالضغائن من القلوب. يستحفُّ الإنسان بمثل هذه الأمور التي يراها صغيرةً بالنسبة لرجاءاته وتطلعاته، والحقُّ أنَّه لو اهتمَّ بها وبإتيانها على وجهها لاستقامت في حياته أمورٌ طالما بحث وأجهد نفسه لتحقيق استقامتها.

السؤال والجواب التحليل الاحتمالي:

تكثر الأسئلة من عن المصالح المفاسد وراء الظواهر الكونية والتكوينية، وتلك التي وراء الأحكام الشرعية، فيُقال: لماذا خُلِق هذا معاقًا؟ ولماذا لم يُرزق فلان ذرية؟ وما ذنب هؤلاء أن يصيبهم القحط أو المجاعة أو الزلازل أو ما نحو ذلك؟

ويُقال: لماذا وضع الإسلام أحكام شرعية خاصَّة لغير طاهر المولد؟ ما ذنبه هو أن يتحمل خطأ غيره؟

إنَّ من يتَّبع دين اللهِ تعالى لا يسأل حتَّى يؤتى من الله أو نبيه أو وصي نبيه خُبرًا؛ لقوله عزَّ وجلَّ في حكاية القرآن الكريم عن العبد الذي أوتي علمًا لموسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسَّلام): (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)[8].

جاء العبد العالم، وهو الخضر (عليه السَّلام) كما في الروايات الشريفة، بأفعال تُنكِرها تعقلات الإنسان، فأوَّلًا خرق السفينة، ثُمَّ قَتَلَ الغلام، وأقام الجدار لقرية قد أبت اطعامه ومن معه. اعترض عليه نبي الله (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسَّلام) في الأولى، فقال: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)، وفي الثانية: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا)، وقال في الثالثة: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا).

تنبيه:

لموسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسَّلام) كامل الحق في السؤال لو كان مرتكب تلك الأفعال شخصًا غير الخضر (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسَّلام)؛ إذ أنَّ علم الخضر وأفعاله في المقام إنَّما هي من علم الله تعالى وحكمته، وهذا ما كان موسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسَّلام) على علم به، وقد صرَّح الكتابُ العزيز بكونه ممَّن أوتي علمه من الله تعالى، قال جلَّ في علاه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا).

إنَّ ما ينبغي للعاقل تذكره دائمًا وعدم الغفلة عنه أبدًا هو أنَّ هذا الخلق من أوَّله إلى آخره إنَّما هو لله عزَّ وجلَّ، يأمر فيه وينهى، ويخلق ويُفني، ولا يُسأل (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[9].

إذا فهمت ذلك، فلنُقسِّم الأحاديث الشريفة من هذه الجهة إلى أقسام:

الأوَّل: ما يُصرَّح فيه بكون موضوع ما من الأسرار كالاسم الأعظم وكالحروف المقطعة في الكتاب العزيز.

الثاني: ما ورد النهيُ عن البحث فيه كذات الله سبحانه وتعالى.

الثالث: ما ورد الأمر بالبحث عنه والتثبت منه كسائر الأحكام الشرعية.

الرابع: ما سُكِتَ عنه.

أمَّا الأسرار فلا مُبرِّر لتكلُّف البحث والنظر فيها دون تعليم مباشر وصريح من المعصوم (عليه السَّلام)، بل لا يبعد أن يكون حرامًا لجهة التعدِّي. وكيف كان فحتَّى ما يُنتهى إليه فيها من احتمالات فلن تكون أكثر من تخرُّصات لا تفضي إلى نتيجة علمية مفيدة.

ولا كلام في ضرورة الانتهاء عن البحث في ما نهى الشارع المقدَّس عن البحث فيه. ويقابله القسم الثلاث إذ يلزم فيه البحث والتثبت.

أمَّا الرابع فهو من مواضع الابتلاء، ومن موارده رواية أبي بصير وسؤاله عن خلق الحور العين، وقد جاء عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) أنَّه قال: “ليس هذا الأمر معرفة ولايته فقط حتى تستره عمَّن ليس من أهله، وبحسبكم أن تقولوا ما قلنا، وتصمتوا عمَّا صَمَتْنَا، فإنَّكم إذا قلتم ما نقول وَسَلَّمْتُم لنا فِيمَا سَكَتْنَا عنه فقد آمنتم بِمِثل ما آمَنَّا به، قال الله تعالى: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)[10][11].

تستشري عولمةُ الحرية المطلقة للسؤال، بل والتأسيس إلى أنَّه فضيلة ومقايس لمدى وعي الفرد والمجتمع، وكلَّما شكَّك في الثوابت فضلًا عن القناعات والأفكار، وكلَّما تكاثرت الأسئلة عن كلِّ شيء وفي كلِّ شيء، وكلَّما ترسخت عقلية عدم التسليم لغير الواقع الملموس الذي يمكن إثباته بالتجربة المحسوسة، عُدَّ الإنسان واعيًا حصيفًا عصيًّا عن أن يخدعه هذا أو ذاك!

مع نجاح هذه الثقافة والعقلية في التمكَّن من المجتمعات فإنَّ الدين يتحول حينها فيها إلى مجرَّد عنوان روحي يُمَارَس كيفما شاء كلُّ من أراد التصوف في بعض ساعات يومه أو أسبوعه أو شهره أو سنته. وهذا ما يُفسِّر لنا انتشار مقولات جلال الدين الرومي وأضرابه بين الشباب والكبار!

ولسنا اليوم إلَّا في إطلالات متفرقة لمعالمها، وما لم يؤخذ الأمر على محامل الجد والمسؤولية، فإنَّ الغلبة لا محالة لعلمانية مجتمعية بمقاسات خاصَّة.

المقاسات الخاصَّة:

لا تُتصور مجتمعاتنا خالية من المساجد والمآتم، فهي لا ترتبط مجرَّدة بعقيدة الناس، ولكنَّها مُتَوَسَّطَةٌ بأوقات وأزمنة، مثل أوقات الصلوات اليومية، وشهر رمضان في كلِّ سنة، والحج، والعيدين، والكثير من الأحكام ذات العناية بالبُعد الجمعي في المجتمع، ما يُصعِّب تغييب الدين بالمستوى والطبيعة والكيفية الحاصلة في الغرب.

لذا، فإنَّ ما نشهده اليوم هو التركيز على تقديم إسلام جديد يدعم الثقافة والأفكار المعولمة، وكثيرًا ما نرى تسارعًا وتدافعًا في إثبات مدينة الإسلام ومواكبته للحضارة والحياة، ولو أردتُ الاستطراد مُثبِتًا ومستشهِدًا لكان المقال كتابًا، ولكنَّني أختم بأحاديث شريفة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)..

“يأتي على الناس زمانٌ الصابِرُ مِنهم على دِينِهِ كالقَابِضِ على الجمر”.[12]

“يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه له أجر خمسين منكم. قالوا: يا رسول الله، أجر خمسين مِنَّا؟ قال: نعم، أجر خمسين منكم، قالها ثلاثًا”[13].

“إنَّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فطُوبى للغرباء”[14].

لا نُفكِّر في ما يؤول إليه حال الناس، ولكنَّنا مسؤولون عن التفكير والانشغال في ما يؤول إليه حالنا نحن كأفراد وكمجتمع مؤمن، وقد ورد عنه (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: “مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ”[15].

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

30 من جمادى الآخرة 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

[1] – تحف العقول عن آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله) – ابن شعبة الحراني – ص 171

[2] – الآية 143 من سورة الأعراف

[3] – نهج البلاغة – خطب الإمام علي (عليه السَّلام) – ج 4 – ص 4

[4] – الآيات من 39 إلى 42 من سورة النجم

[5] – الآية 56 من سورة الذاريات

[6] – قرب الإسناد – الحميري القمي – ص 36 – 37

[7] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 3 – ص 268

[8] – الآية 70 من سورة الكهف

[9] – الآية 23 من سورة الأنبياء

[10] – الآية 137 من سورة البقرة

[11] – الغيبة – ابن أبي زينب النعماني – ص 42

[12] – الأمالي – الشيخ الطوسي – ص 484 – 485

[13]  الأمالي – الشيخ الطوسي – ص 485

[14] – عيون أخبار الرضا (عليه السَّلام) – الشيخ الصدوق – ج 2 – ص 218

[15] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 2 – ص 163

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *