الرئيسية / مقالات / العَقْلِيَةُ القُرْآنِّيَةُ وَرِهَانَاتُ المَرْحَلَةِ.. كَلَامٌ فِي المَفْهُومِ

العَقْلِيَةُ القُرْآنِّيَةُ وَرِهَانَاتُ المَرْحَلَةِ.. كَلَامٌ فِي المَفْهُومِ

رجلٌ أربعيني يخرج من عمق الصحراء ويقف في قبال سادة لهم صيتهم الرنان بين القبائل في شبه الجزيرة العربية ليعلن عن دعوة النبوة وصراحته في محاربة الوثنية وكل مظاهر الظلم والاستبداد، وفي ظرف عقدين من الزمن يتحول هذا الرجل من مجرد مدعٍ إلى قائد مطلق نشر دعوته في أقطار الأرض ومشى ثابت القدم على طريق الفتح الفكري شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا..

محمد (صلى الله عليه وآله)، والقرآن الكريم، وبينهما العبادة في كل أبعادها، هذا بحسب الظاهر،أما حقيقته فقد ردمت ودفنت بعد مرحلة صدر الإسلام، إذ أن قبله لم يكن القائد هو النبي محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، ولكنه كان هو وبيانه في خليفة الله في الأرض، وقبله لم يكن كتاب السماء هو القرآن الكريم، ولكنه كان القرآن الكريم وبيانه في الثوابت والمناهج والكليات التي يقدمها للناس، وقبله لم تكن الوسيلة إلى الله هي العبادة، ولكنها كانت العبادة كوسيلة تحفظ المؤمن على الخط المستقيم للخلافة الإلهية، ولذلك كانت الدولة الإسلامية وكان وجودها الصعب على خارطة القوى السياسية الحاكمة في العالم، وكل ذلك كان في عقدين من الزمن فقط، مما يثير حفيظة المجتمع الدولي حينها ويرفع عنده مؤشرات القلق حيال هذا التقدم القوي للدعوة الإسلامية وقائدها المعصوم (صلى الله عليه وآله)، وبدافع من هذا القلق تشكلت مجاميع من حكماء الشرق والغرب لدراسة هذا الدين الجديد والوقوف على تلك الكوامن التي تتفجر كل حين فتحرك المسلمين نحو المزيد من الانجازات، وتوصلوا بالفعل إلى حقائق، أهما:

1-      يعتقد المؤمنون بأن الغاية من وجودهم في هذه الدنيا هي القيام بمسؤولية الخلافة الإلهية في الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، أي أن وظيفة الإنسان هي إقامة حكم الله تعالى وإنفاذ عدله وإنصافه وعموم إرادته التشريعية.

2-      ينطلق المؤمنون في حراكهم من مرتكز واحد لا شريك له، وهو مرتكز (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، أي أن المؤمن في ذاك الوقت لا يرى أمامه إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يخاف غيره ولا يهاب سواه.

3-      يستمد هؤلاء المؤمنون قوتهم وبأسهم وثباتهم من خالقهم عن طريق برنامج عبادي دقيق جدًا سمته الأبرز أنه يحول حياة الواحد منهم إلى شلال من العبادة للخالق (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).

4-      إنهم يتبعون كتابًا لا تختلط فيه المفاهيم أبدًا، ومما يميزه أنه يفرز في عمق الدولة التي يحكمها بين المسلم المؤمن والمسلم غير المؤمن (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

5-      بعد الفرز فإن كتابهم يحقق لفئة المؤمنين أعلى مراتب الترابط والتعاضد بما فيه قوة دولتهم الإسلامية، وذلك من خلال بعدين إثنين، أولهما (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )، وأما ثانيهما (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)، فالقرآن يبسط يد المؤمن على أخيه المؤمن بما فيه صلاح الفرد والمجتمع وبوفق موازين ثابتة.

6-      يحول القرآنُ الجهادَ وما يلاقي المؤمنون فيه من قتل وأسر وتنكيل إلى جنة يعيشونها منتشين مستمتعين، وهذا نتاج آيات قرآنية من قبيل (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، وحتى يثبت المؤمنون على طريق الجهاد، خاطب القرآن نبيهم فقال الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، وبذلك علموا بأنهم على هذا الطريق بقيادة رسول السماء وقائد الأمة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله).

7-      لا يراهن المؤمنون إلا على الوعود التي يقدمها لهم ربهم في القرآن، ومنها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، وأيضًا (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

تلك من أهم مفاتيح القوة في الفكر الإسلامي الذي يؤسس له القرآن الكريم، وإن أراد الشيطان الرجيم بنوعيه الجني والإنسي تعطيل المد الإسلامي عمومًا والإيماني بشكل خاص توجب عليه معالجة هذه المفاتيح لما يحقق غاياته، وهذا ما حدث بالفعل وفي توقيت أعان المسلمون فيه الشيطان على أنفسهم، فكان التالي:

1-     تغييب مفهوم الخلافة الإلهية وحصره عند الشيعة في المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) فقط، والحق أن المعصومين يمثلون المصداق الأتم للخلافة الإلهية، وهذا لا يمنع أن يكون تكليف المؤمنين المضي على نهجها وطريقها كما المعصومين (عليهم السلام)، ولكن الذي حصل هو أن فُرِّغَ مفهوم الخلافة الإلهية من محتواه ليبقى أنشودة يتغنى بها الإسلام على أطلال الماضي.

2-     بعد هذا التغييب الكارثي وبالتلازم أصبحت العبادة موجهة إلى غير الوجهة التي جعلها الله لها، فالعبادة في الأصل عبارة عن محطات تزود ومعسكرات تربية تحفظ المؤمن مستقيمًا على طريق خلافة الله تعالى في الأرض، وعندما غيب هذا المفهوم الأخير لم تجد العبادة لنفسها متنفسًا غير التحول من هذا الميدان الجهادي القوي الشامخ إلى ميدان التصوف والرهبنة، فأصبح الإنسان وبمجرد أن يتدين عبارة عن مخلوق ضعيف هزيل غارق في شحوب غريب، ويعرف بين الناس بالمؤمن المتقي الورع إذا وقف على سجادة الصلاة منحني الظهر ملوي الرقبة مسبل الجفنين وما إلى ذلك من (مظاهر) التذلل والخشوع والخضوع لله تعالى.. الحق أن ليس هذا هو التذلل والخشوع والخضوع أبدًا، ولكن الحق أن كل ذلك في الوقوف على سجادة الصلاة شامخًا بأنك قد وفقت للوقوف بين يدي الله تعالى متذلل (عن) الدنيا (له) عز وجل، وهو تذلل يفتح للفيض الإلهي أبواب القلب لتنصب فيه معاني القوة والحكمة والعلم والجود وكل ما يمن به الله تعالى على عباده المؤمنين، وكذلك الخشوع لتلقي مثل هذه العطاءات الإلهية، والخضوع بامتثال الأوامر وأولها القيام بواجب الخلافة التي أوكل الله تعالى أمرها للإنسان.

فالعبادة –ومنها الصلاة- إذًا منطقة أو مناطق تزود بالقوة وعلو الهمة لمواصلة طريق الجهاد في سبيل الله تعالى وإعلاء راية الحق في كل زمان ومكان، وكذلك الأمر عند قراءة الأدعية والزيارات وما شابه، فكلها ترفع من شأن العبد وتشعره بالتفوق والتميز وأنه في أوقاتها يكون بين يدي الله تعالى ليرجع إلى إنسانيته والسعي على طريق الوفاء لمقام الخلافة الإلهية.

وهنا أحيل القارئ الكريم لبعض التسجيلات المرئية أو الصور الفوتوغرافية التي تظهر السيد الإمام الخميني (قدس سره) وهو في حال الصلاة، وسيرى حينها شموخه وقوته العجيبة التي يمن بها الله تعالى عليه وهو يقف بين يدي رحمته.

3-     بعد ضرب هذين المفهومين ضربًا دقيقًا ومدمرًا، لم يبقى للمسلم قضية حقيقية يحيا من أجلها، وهذا ما احدث فراغًا فكريًا مخيفًا في آيدولوجيا الإسلام بعد عصر الصدر الأول، وهذا الفراغ أفسح المجال إلى مختلف الثقافات الدونية لغزو الإسلام والتفريخ في صدور المؤمنين بكل أريحية، وهذا ما تحقق عندما حلت (لقمة العيش) و(ناعم الملبس) و(فاخر المركب) محل الخلافة الإلهية والجهاد في سبيل الله تعالى، ولم يكن ذلك مستغربًا أبدًا، فالمجال مفتوح على مصراعيه.!!

جرائم كبرى وتحريفات خطيرة طرأت على الفكر الإسلامي واستقرت حتى أصبحت من المسلمات التي لا تمس أبدًا، وكلها في أصول مفاهيمية لم يقم الإسلام إلا عليها، وبسبب هذا الإجرام في حق دين الله تعالى، بل وفي فهم آيات القرآن الكريم وسيرة المعصومين الأطهار (عليهم السلام) نرى شباب المسلمين كيف أن الرايات الناهضة تتلقفهم دون أدنى نظر منهم، فهم لا يرون طبيعة الراية بل ولا حتى لونها، ولكنهم يندفعون خلفها لمجرد أنها تحاكي فطرتهم الجهادية التي جبلوا عليها، وحتى الذين يحافظون على إحياء الشعائر الحسينية من لطم وتطبير وضرب بالسلاسل وما شابه، فإني أراهم وكأنهم يواسون أنفسهم بعد أن عزلوا عن الثقافة الإسلامية الصحيحة القائمة في مساحة منها على مسائل ثلاث، هي: الخلافة الإلهية، والقوة والشموخ في العبادة، واستمرار الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الحق.

أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت لمن يتمكن من حملها بين مجاميع المؤمنين.. فالإيمان ليس هزيمة وضعف وانزواء وشعور بالمظلومية والاستضعاف..

الإيمان قوة في القبض على عرى الخلافة الإلهية، وإقبال ببأس وإقدام على التزود من فيوضات السماء عن طريق العبادة من صلاة وصوم وحج وما نحو ذلك، ومن ثم هو سيف يمتشقه المؤمن بهامة مرفوعة وصدر تملؤه روح الحياة الخالدة..

إننا اليوم نمر بمرحلة مهمة جدًا من تاريخنا في البحرين، وقد تتحول المعادلة بكاملها إلى صالحنا لو أننا نفهم انفسنا بشكل دقيق وننفتح عن مفاهيم ديننا بقلوب متدبره، وكل الأدوات متوفرة لنا، فالقرآن موجود.. والمساجد موجودة.. وكتاب مفاتيح الجنان موجود.. وهناك بيننا علماء ومثقفون وحكماء لن يتأخروا عن الأخذ بيدنا نحو السعادة في خوض معركة الخلود..

السيد محمد علي العلوي

11 صفر 1433هـ / 5 يناير 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *