الرئيسية / مقالات / الضرورة العلمية في الدعوة للتوقف عن التعاطي مع إثارات تَعَطُّل قضايا الطلاق في المحاكم الجعفرية

الضرورة العلمية في الدعوة للتوقف عن التعاطي مع إثارات تَعَطُّل قضايا الطلاق في المحاكم الجعفرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآلِه الطيبين الطاهرين

أُنَبِّهُ في البدء على أنَّني لستُ في مقام إنكار أو تصديق دعوى هذا أو ادِّعاء ذاك، ولكنَّني أُثبِتُ كتابةً ما ينبغي أن يكون عليه كلُّ عاقلٍ يمسك زمام نفسه عن الانسياق وراء الإثارات ذات التوجيه الأحادي التي تهدف عادة إلى التأثير على آراء وسلوك أكبر عدد ممكن من الناس (Propaganda)، سواء كان انسياقه تابعًا أم معارِضًا.

عندما نفهم معنى (الموضوعية) فهمًا صحيحًا ودقيقًا، ثُمَّ مِن بعد ذاك نذهب في مراجعة متأنية لتاريخ ردود أفعالنا على مستوى العلماء والنخب، فإنَّنا نقف على أنَّ الكثير ممَّا تولَّدت عندنا ردودُ أفعالٍ ضِدَّه أو تجاهه هو ليس أكثر من عناوين باطلة أُلبِسْنَاها فَلَبسْنَاها، وبنينا ردود أفعالنا ورؤانا على أساسها الباطل!

إنَّني إذ أُمسِكُ عن ذِكَر أمثلة وشواهد؛ فلتجنيب المقام الجدل فيها والانصراف عن مقاصد المقال وتضييع مراميه. فالدخول مباشرة في المثال القائم أسلم.

قال أحِبَّةُ وأصدِقَاءُ وأصحابُ وأكارِمُ بأنَّ أوَّل الكلام في الإثارات حول ما يَعْرُضُ على قضايا الطلاق المرفوعة في المحاكم الجعفرية، هو: فلنعترف ونُقرُّ أوَّلًا بوجود مشكلة فعلًا.

أقول: بل من هنا تبدأ أمُّ المشاكل؛ إذ إنَّ ترجيح الاعتراف ترجيح بلا مُرجِّح!

حقَّ لمن يتحرَّى الموضوعيَّةَ أن يسأل عن المُشخِّصات والمُحَدِّدات العلمية للمشكلة التي تريدون الانطلاق في كلامكم من خلال الاعتراف والإقرار بوجودها فعلًا.

يقولون: المشكلة الواقعة هي وجود قضايا طلاق مُعطَّلة في المحاكم الجعفرية.

فنقول: كيف نُشخِّص المشكلة في تَعَطُّلِ القضايا؛ والحقُّ أنَّ أوَّل الكلام من المفترض أن يكون في إحصاء وحصر الحالات المُتعَطِّلة، ثُمَّ تدوين الأسباب من وراء تعطُّل كلِّ حالة حالة، وهذه مقدِّمة الفرز والتصنيف للقضايا المًتعطِّلة قبل النبس ببنت شفَّةٍ في الموضوع.

يَفْتَقِرُ المَقَامُ إلى أدنى ما يحتاجه التشخيصُ المَوضُوعيُّ الأوَّلِيُّ، وبالرغم من ذلك نرى الكلام في القضية المثارة وقد أخذ مناح وتشعبات لا تصحُّ إلَّا من بعد تثبيت العرش، والحال أنَّنا بالنظر العلمي لم نتيقن بعدُ من وجود عرشِ النقشِ مِنَ الأصل!

يقال: وهل يصح كلامك مع هذا التواتر من وجود الكثير من الحالات المُعطَّلة في المحاكم الجعفرية؟ ومع تواتر قصص الظلم الذي تتعرَّض له الزوجات من أزواجهنَّ؟

فأقول: ليس من العلمية في شيء أن نُنكر الدعوى، ومثل ذلك تصديقها دونما بيَّنة علمية مقبولة. أمَّا القصص المروية والتكاثر في تناقلها وإعادة تدويرها، وهذه تقول أختي، وذاك يقول ابنة خالتي.. فهذا لا اعتبار له في النظر العلمي، بل إنَّ الإثارات التي تملأ وسائل التواصل الإلكتروني مُضعِّفَةٌ للدعوى عند من يمتلك أدنى قدرة على التأمُّل الموضوعي البعيد عن الانفعالات وما تنتجه من تفاعلات.

بلى، هنالك قضايا طلاقٍ قد أخذت في المحاكم الجعفرية أوقات ليست بالقصيرة، غير أنَّ هذا ليس مُعطىً موضوعيًّا لصالح الادعاءات المثارة؛ إذ إنَّ المادَّة المدَّعاة لن تكن من المعطيات العلمية ما لم تُقرَّر موضوعًا بكامل حيثياته وجهاته، ثُمَّ أنَّ القضايا المرفوعة تُصنَّف تصنيفًا علميًّا وموضعيًّا. وحينها قد يثبت كونها في سوادها الأعظم قضايا نشوز ضدَّ الزوجة.. وقد لا. فتنبَّه رعاك اللهُ تعالى.

قد يقول الأحِبَّةُ والأصدِقَاءُ والأصحابُ والأكارِمُ: هبْ أنَّه لا قضيَّةَ في المحاكم الشرعية، فهذا لا يؤثِّر في حقيقة وجود مشكلة تتلخص في صعوبة تخليص الزوجة من زوجها الظالم لها، مع عدم تمكُّنها من إثبات الضرر الشرعي، وامتناعه هو عن تطليقها.

فأقول: فالبحث حينها إذن في البُعد الشرعي على نحو القضية الحقيقية، ولا يصحُّ حينها الظهور بثوب الانفعال بما يُثار عاريًا عن المقومات العلمية الصحيحة. فافهم.

ثُمَّ أقول: نعيش مشكلة قديمة متجَدِّدة، هي المسارعة في لُبِس ما يُلبسناه مَن لا يريد لنا خيرًا، وننشغل بعد ذاك بالدفاع عن أنفسنا، واستهلاكها في ضغوطاتِ جَبَهاتٍ خَاسِرَةٍ حتَّى في مظاهر الانتصار!

فلنحذر من الانسياق وراء هِياج الانترنت ووسائل التواصل الإلكتروني البائسة.. وقد رُوَي بطريق عامِّي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال:

“لتأتيكم بعدي أربع فتن: الأولى: يُسْتحل فيها الدماء، والثانية: يُستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة: يُستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة: صَمَّاء عمياء مُطْبِقة، تَمُورُ مور المَوجِ في البحر حَتَّى لا يَجِدُ أحدٌ مِنْ الناس مِنها ملجأ، تطيف بالشام، وتغشى العراق، وتخبط الجزيرةَ بيدها ورجلها، تُعْرَكُ الأمَّة فيها بالبلاء عرك الأديم، لا يستطيع أحدٌ من الناس يقول فيها: مَه مَه، لا يرفعونها من ناحية إلَّا انفتقت من ناحية أخرى”[1].

 

كلمة أخيرة: فلنحذر من مصطلحات وتعابير تُفرض علينا أن نستسهل استعمالها، وقد قال تعالى في الكتاب العزيز (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

24 ربيع الأوَّل 1443 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………….

[1] – التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن) – السيد ابن طاووس – ص 68

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *