الرئيسية / مقالات / تمام الكلام في (بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة الموكِّل)

تمام الكلام في (بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة الموكِّل)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين

تمام الكلام في (بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة الموكِّل)

إنَّه قد شرَّفني بعضُ الأحبَّة من طلبة العلم الأجلَّاء، وغيرهم من المؤمنين الأكارم بأحاديث حول مقالتي (بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة المُوَكِّل)[1]تنوَّعت بين مناقشات، واستيضاحات، وحوارات، وبدا لي مِن مجموعها تشوشًا، أو عدم وضوحٍ لِجِهَةٍ دقيقةٍ في المسألة محلِّ الكلام، وهي الوكالة في التطليق، ولا أحسب ذاك لخلل في البيان، ولكنَّه لأنَّ الإرجاعَ إلى عموم أدلة الوكالة له سطوته القوية على الفكر والنظر؛ ما تسبَّب في التشوش المذكور.

هذه مقالةٌ أكتبها برجاء أنْ يتمَّ بها الكلام، فلا تحتاج بعدها نتيجةُ النظَرِ إلى زيادة توضيح وبيان، فيتفق من يتَّفق عن بيِّنة ويختلف من يختلف عن بيِّنة، والجميع إن شاء الله تعالى في طلب عفوه ورضاه جلَّ في علاه.

بيان سبب الانتقاض:

قالوا بشمول أدلة الوكالة لما نحن فيه، فلو قال الزوج لزوجته أو لغيرها: وكَّلتُكِ في تطليق نفسِكِ (في تطليق زوجتي) متى شئتِ (متى شاءت)، فقبلتْ (قبلَ)، صحَّ التوكيل وجرت فيه أحكام الوكالة المُعرَّفة بـ”تسليط الغير على معاملة من عقد أو إيقاع أو ما هو من شؤونهما كالقبض والإقباض”[2].

فهم لا يجدون ما يمنع مِن الانعقاد، ولذا قال أحد الفضلاء (أدامه الله تعالى مُكَرَّمًا عزيزًا) في رسالة شرَّفني بها: “الوكالة ماضية منذ انعقادها، والمانع من نفاذها عدم الرضا، فلو سبق التطليق منع الزوج كان مُسقِطًا للعمل بالوكالة، فالاشتراط للانتقاض وجودي، وهو المنع، وإلَّا فهي على الأصل من النفاذ” وقال في دعوى الانتقاض الذاتي: “لا يكون ذاتيًا إلَّا بما يمنع أصل الانعقاد، أو بما يرجع إليه، وأمَّا التطليق كفعل مع عدم رضا الزوج فهو من باب تخلُّف الشرط، ولا يضرُّ التوكيلَ بشيء”.

فأقول: لا مفرَّ مِن اعتبار القصد في الإيجاب، والمتصور فيه لا يخرج عن أحد أمرين:

  • إرادة متعلق الوكالة.
  • ترك التشخيص للوكيل.
  • أمَّا أن لا يكون مريدًا، بل تكون إرادته متعلِّقة بالنقيض، فالوكالة منتقِضَةٌ ذاتًا لا محالة.

في الأوَّل كما لو أراد بيع عقار، أو شراء حصانٍ، أو قبض مالٍ، أو تسليم أمانةٍ، فوكَّل فيها. وفي الثاني لا يكون في مقام تحديد المصلحة من البيع، أو الشراء، أو غير ذلك ممَّا يصحُّ فيه التوكيل، فيوكِّل ويترك أمر التشخيص للوكيل.

أمَّا لو تعلَّقت إرادته ببقاء عقار في ملكه، فلا يُتصوَّر أن يوكِّل في بيعه متى ما شاء الوكيل، إلَّا إذا أُخِذ في الوكالة عدم قدرته على تشخيص المصلحة.

إذا اتَّضحت هذه الحيثية، وهي ما يؤخذ في الوكالة مِن جهة المُوَكِّل حال التوكيل، نفهم الوجه في جواز التوكيل في الطلاق عند تحقُّق فقدان الزوج للقدرة على التشخيص، فيوَكِّل غيره فيه. ولا تصحُّ الوكالة قبل تحقُّق العلَّة المأخوذة فيها.

الأخبار الشريفة (اعزَّنا الله تعالى بفقهها وفهم مراميها):

أُنَبِّهُ قبل التشرُّف بذكر الأخبار إلى صحَّة قولهم: “ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلُ منزلة العموم في المقال”[3]، غير أنَّ ما يصحُّ الاعتماد عليه من ارتكازات، وعموم القرائن اللبية مغن عن الاستفصال، وهي ليست منحصرة في السيرة والإجماع فحسب، فتنبَّه حماك لله. وهذا تنقيح مهم.

عَنْ سَعِيدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام)، قَالَ: “سَأَلْتُه عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِه إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ اشْهَدُوا أَنِّي جَعَلْتُ أَمْرَ فُلَانَةَ إِلَى فُلَانٍ. أيَجُوزُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ؟

قَالَ (عليه السَّلام): نَعَمْ[4].

أقول: فالمتعين أحد أمرين؛ أوَّلهما تعلُّق إرادة الزوج بأحد الفردين دون ممانعةِ الآخر، فالإبقاء على العلقة مع عدم ممانعة الطلاق، أو التطليق دون ممانعة استمرار العلقة. ثُمَّ أنَّه جعل الأمر بيد غيره بعد التقدُّم الفعلي لما حقُّه التقدُّم فعلًا.

وثانيهما أن لا يكون في مقام القدرة على تشخيص الحال، فيوكِّل الغير. وقد تقدَّم فعلًا ما حقُّه التقدُّم فعلًا.

أمَّا أن يُقال بشموله للفرض الثالث وهو التوكيل مع إرادته لأحد الفردين مع ممانعة الضد، فهذا لا يُتصوَّر في الوكالة، بل هو تفويض. فتأمَّل.

ويؤيِّد ما نحن بصدد بيانه رواية الكافي عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: “قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السَّلام) فِي رَجُلٍ جَعَلَ طَلَاقَ امْرَأَتِه بِيَدِ رَجُلَيْنِ فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا وأَبَى الآخَرُ، فَأَبَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السَّلام) أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَا جَمِيعًا عَلَى طَلَاقٍ”[5].

والوجه هو تخالف الإرادتين، ولا تغفل عن أنَّ أحد الوكيلين قد أوقع الطلاق فعلًا، وقابله الآخر آبيًا؛ فإذا منع الشارع المُقدَّس الوقوع لمعارضة أحد الوكيلين الآخر، فمن الأولى المنع عند معارضة الأصيل.

كما ويؤيِّده ما في الكافي، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام) أَنَّه قَالَ: “لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي الطَّلَاقِ”[6]، فيُجْمَعُ بلا تكلُّف بالقياس على ما يؤخذ في الوكالة حال التوكيل مِن عدم المعارضة الفعلية لإرادة المُوكِّل لمتعلَّق الوكالة على التفصيل المزبور، لا سيَّما في موارد التشخيص بتقدُّم وتأخر ما حقّه التقدُّم فعلًا.

كما وقد أجَادَ صاحِبُ الحَدَائِقِ (نوَّر الله مرقده الشريف) القَولَ وأحْكَمَه بإفادة أنَّ “الزوجية قد ثبتت وتحقَّقت، فرفعها ورفع ما يترتب عليها يتوقف على دليل واضح من النصوص”[7].

فالذي يثبت بما تقدَّم هو أنَّ قول الزوج لزوجته (وكَّلتك في تطليق نفسك متى شئتِ) ليس بتوكيل حتَّى يُبحثُ في شمول أدلة الوكالة له، إلَّا أن يكون المأخوذ فيه تفويضها في التشخيص، أو أن يكون هو مريدًا للطلاق عند التوكيل، وكلاهما غير متصورين في ظرف عقد النكاح، إلَّا أن يبيِّن عدم أهليته أو كفاءته للتشخيص، وما لم يبين فهذا ليس ممَّا يُتصوَّر أخذه في الوكالة حال التوكيل.

إذا اتَّضح ذلك، فالمُعَارَضة ساقطة ما لم يُبطِل المُعَارِضُ ما بُني عليه الكلام، وهو اعتبار القصد في الإيجاب.

عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام)، قَالَ سَمِعْتُه يَقُولُ: “مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي”.

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

30 ربيع الأوَّل 1443 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………………

[1]http://main.alghadeer-voice.com/archives/5848

[2] – منهاج الصالحين – السَّيد السيستاني – كتاب الوكالة ج2

[3] – يُنسَب لفظُ القاعدة إلى الشافعي، وذكرها شيخنا صاحب الحدائق الناضرة (نضَّر الله وجهه الشريف يوم اللقاء الأكبر) فقال: قالوا: “وترك الاستفصال في الحال يدلُّ على عموم المقال”. وكيف كان فهي هي أصالة العموم.

[4] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 6 – ص 129

[5] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 6 – ص 129

[6] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 6 – ص 130

[7] – الحدائق الناضرة – الشَّيخ يوسف البحراني – ج25 ص173