الرئيسية / مقالات / هِمَمٌ ناهضة من بين ظلمات ونور.. (مكتبة أمير المؤمنين عليه السَّلام العامَّة – بني جمرة)

هِمَمٌ ناهضة من بين ظلمات ونور.. (مكتبة أمير المؤمنين عليه السَّلام العامَّة – بني جمرة)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين

 

هِمَمٌ ناهضة من بين ظلمات ونور..

(مكتبة أمير المؤمنين عليه السَّلام العامَّة – بني جمرة)

ما هي جهات التمايز لكلٍّ مِنَ الكلام الملفوظ، والآخر المكتوب؟

للإجابة على هذا السؤال علينا أوَّلًا ذكر محدِّدٍ مهم، وهو عدد المتلقين والطبيعة الذهنية لهم حال التلقي، والوجه في ذلك هو أنَّ الخطاب إمَّا أن يكون جماهيريًّا أو لا، ومثله المتلقي؛ فهو إمَّا أن يكون مستقل الذهن حال التلقي، أو لا.

إنَّ ممَّا انتهتْ لهم بعض البحوث في علم الاجتماع هو جدوى الخطاب الجماهيري في مثل موارد التحريض، والتنبيه، والوعظ، وما نحو ذلك ممَّا يتعادل فيه العباد من جهات الفهم والانفعال. أمَّا الخطاب الفكري، والتنظيري، والاستدلالي، وما في حكم ذلك فهو في الغالب لا يجدي ما لم يكن المتلقي مستقلًّا، حال التلقي، عن العقل الجمعي، وهذا بعد أن يكون ذا قابليات واستعدادات ذهنية مناسبة لموضوع الخطاب.

إذا اتَّضح ذلك فمن السهل التنبُّه إلى تميُّز الكلام المكتوب بإتاحته للقارئ المجال الواسع من خياراتِ كيفيةِ التلقي والفهم بعيدًا عن الضغط الجماهيري وتأثيرات الرأي العام، إلَّا أن يكون هو من الضعف بما لا يتمكَّن معه من الانفصال عن المؤثرات المُخرِجة عن جادَّة الفهم الصحيح.

ثُمَّ إنَّني أنَبِّهُ إلى أنَّ العامل الرئيس في تحقُّق الاستقلال الذهني الصحيح هو الاستقرار النفسي المعلول لهدوء ثقافي وفكري، وهذا ما يصعب تحقُّقه في مثل الكتابات الانفعالية كما هو الحال في وسائل التواصل الإلكتروني، ومن هنا نرى أنَّ ليس كلِّ مكتوب يتميَّزُ بمائز عوامل الانفصال عن المؤثِّرات المُخرِجة عن الجادَّة، بل حتَّى القراءة الإلكترونية لمقال أو كتاب ليست، في هذا المائز المهم، كالقراءة من الكتاب الورقي المحسوس. وهو أمر يحتاج إلى تأمُّل وفهم لو كان المقام يسمح لبسطتُ الكلام فيه.

لم تختر قوى التجهيلِ قمع الكتاب وإبعاده عن الناس، ولكنًّها اختارت استعماله في حروبهم التجهيلية الخبيثية بتفريغه عن المحتوى العلمي الصحيح، وتقديمه للجماهير بمادَّة تجهيلية خبيثة في غاية الخطورة. لذا؛ فإنَّ الحقَّ والصلاح في حاجة ماسَّة اليوم إلى الكتاب الورقي المحسوس ذي القيمة العلمية الحقيقية، ولا بديل عنه مهما اجتهدت قوى الإبداع والابتكار.

من بين ظلمات ونور يحاول المؤمنون بثَّ الخير ونثر بذوره، وها نحن اليوم نشهد نهوضَ مجموعةٍ مِنَ الشباب في قرية بني جمرة بمشروع (مكتبة أمير المؤمنين عليه السَّلام العامَّة)، وهو مشروع أراه حياةً من العِزَّة واحترام النفس وتقديرها تُبَثُّ في الحياة المعيشية العامَّة للناس؛ فالكتابُ عِزَّةٌ.. والكتابُ كَرَامَةٌ.. والكتابُ روحٌ يحيا بها كلُّ من يبحثُ عن نفسه المُدركة الواعية الفاهمة.

ينبغي لمثل هذه المشاريع الريادية الاتسام بتجاوزها لكلِّ، ولمختلف عوازل الفرز في مجتمع المؤمنين، ومن هنا فنحن نستشعر الشرفَ والكرامة حينما نمدُّ يد التعاضد من أجل دعمها وتشجيع القائمين عليها دون أدنى تردُّد على الإطلاق.

الإخوة الأكارم في (هيئة الشباب الرسالي).. هي أمانة عظيمة قد اخترتم تحمُّل مسؤوليتها، فامضوا متوكِّلين على الله تعالى دون انتظار لأي مردود غير أن تحافظوا على أبواب المكتبة مفتوحة للجميع وإن قلَّ روَّادها، وهذا أمر ينبغي أن يكون حاضرًا في أذهانكم دائمًا..

الأحبَّة في قرية بني جمرة والقرى القريبة منها.. هو مشروعكم فاحتضنوه، وعن قريب إن شاء الله تعالى سوف تتنفسون خيراته..

احملوه على أكتافكم بصدق وجدٍّ، وكونوا على ثقة تامَّة بأنَّ هذه المكتبة ومثيلاتها هي الضمانة الحقيقية والصادقة لمستقبل أبنائكم والأجيال القادمة.

عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): “اكْتُبْ وبُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ، فَإِنْ مِتَّ فَأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ؛ فَإِنَّه يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ لَا يَأْنَسُونَ فِيه إِلَّا بِكُتُبِهِمْ”[1].

وها هو السلف الصالح من علماء الطائفة قد كتبوا وبثُّوا العلم في إخوانهم، وأورثوه العِباد، وقد جاء زمانُ هرجٍ نعيشه ونرى آثاره، ولن نأنس فيه بغير ما أُورثناه من كتب علمائنا الأعلام.

نسأل الله تعالى العفو والعافية.

والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

منتصف ليل السابع والعشرين من شهر رمضان 1443 للهجرة

البحرين المحروسة

…………………………….

[1] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 52