الرئيسية / مقالات / مُهِمٌّ جِدًّا: عُسْلَانُ الفَلوَاتِ..

مُهِمٌّ جِدًّا: عُسْلَانُ الفَلوَاتِ..

“خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى اسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع انا لاقيه كأني، بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا وأجربة سبغًا، لا محيص من يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصير على بلائه ويوفينا أجور الصابرين”.

حديثي حول (عسلان الفلوات) تحديدًا، ولكنني عجزت إلا أن أذكر تمام كلام المولى أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، فهو نور من نور يخلق في القلوب نورًا.. تصويرات رائعة وتقريبات جليلة وإشارات عز من يقولها من غير مطلع على عالم غير هذا الذي يحاصرنا بقذارة شهواته ونجاسة ملذاته، فلله در كل من شرح الله قلبه على أنوار الولاية..

الإضطراب سمة أصيلة في الذئاب تبرز في صورتها التامة عندما تجدها وهي تفتك وتقتل ليس لشيء إلا الفتك والقتل، فلو أن ذئب ترك في قطيع من الخراف فإنه يقتلها جميعها ثم يأكل منها ما يشبعه ويترك البقية، فهو يضطرب أشد الإضطراب عندما تكون بين يديه فريسة مهما كان حجمها، ولا يهدأ حتى يقضي عليها ويطمئن بأنها لن تقوم ثانية، هذا هو الذئب الذي لا يجاريه في خسته ودنائته حتى الخنزير، بل أن الكلب الذي إن حملت عليه يلهث وإن تتركه يلهث فإنه لا يقترب من الطفل الصغير شفقة منه عليه، ولكن الذئب لا يفرق لا بين صغير ولا كبير.. يقتل من أجل القتل، ولا شيء يستهويه ويزيد من اضطرابه إلى درجة الجنون أكثر من رائحة الدم التي يمتلك القدرة على شمها من على بعد أميال، ومن صفاته الخبيثة أنه وبعد أن يقتل فريسته يقوم أولًا باستخراج أحشائها من كبد وطحال وأمعاء وما شابه فيأكلها ثم يأتي على باقي الجسد، والعجيب أن الخبراء في عالم الحيوان وخصوصًا فنون الترويض قد تمكنوا من استئلاف السباع إلا أنهم أعلنوا عجزهم عن التمكن من ذلك مع الذئاب!!

الإمام الحسين (عليه السلام) وبعد التذكير بأصلية الموت وأنه ملاق الإنسان لا محالة، عرج لبيان الطبيعة التي تتملك نفوس قاتليه، فصرح بأنها طبيعة (عسلان الفلوات) أي ذئاب الصحاري، وكأنه يفتح المجال على مصراعيه أمام كل ذي خيال حتى يطير متصورًا ما قدر يجري على الركب الحسيني بين (النواويس وكربلاء)، أما من يستعظم الأمر ويعتقد بعدم وجود بشر صفاتهم وطباعهم صفات وطباع (العسلان) فما عليه إلا أن يمر بناظريه على ما تقوم به (عسلان) اليوم من الأفاعيل في عباد الله، وكيف أنهم يعيشون اضطراب التوحش وأمراض البطش والتقتيل بلا فرق عما قام عليه سلوك (العسلان) منذ خلقها الأول.

من الذي قُتِل في كربلاء؟ إنه الحسين (عليه السلام).. قُتِل وبُضِّع جسده الطاهر، وقطع رأسه ليحمل على الرماح إلى الملعون يزيد..

الحسين؟ لماذا؟؟؟

حتى يملأن منه (أكراشًا جوفا وأجربة سبغًا)، من أجل المال ومناصب الدنيا التي لا يشبع منها منهوم أبدًا، ولأنه لا يشبع فهو باق على سلوكه من قتل وبشاعة في الفتك والتمثيل واستخراج أحشاء العباد من وسط بطونهم.. ولأنه لا يشبع فهو يعيش اضطرابًا شديدًا من نفسه الخبيثة، وهذا الإضطراب يدفعه بقوة وشراسة نحو مضاعفة (عسلانيته) لعله يطفئ نارًا تأكل كيانه، وكلما فشل في ذلك كلما زاد اضطرابه وتكاثرت نزعات الشر في داخله..

ولكن يبقى أنه (لا محيص من يوم خط بالقلم)، وبالتالي فإن العاقل لا يبحث إلا عن رضا الله سبحانه وتعالى، والذي هو رضا أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين).. هذا وكفى.

السيد محمد علي العلوي

19 صفر 1433هـ / 13 يناير 2012م


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *