الرئيسية / مقالات / التَكْلِيفُ الشَرعِيُّ وَمُغَالَبَةُ الضَغْطِ الظَرفِيِّ

التَكْلِيفُ الشَرعِيُّ وَمُغَالَبَةُ الضَغْطِ الظَرفِيِّ

لكل واقعة حكم شرعي، والأحكام تتبع العناوين، وأصل الأحكام الإباحة، فكل ما يتحرك من إطار المباح إلا غيره فهو تشريع لا بد أن يكون مدعمًا بدليل قطعي يكون هو الحجة للعبد فيما بينه وبين خالقه سبحانه وتعالى، وتحديد الكلام هنا في تحول الحكم وتبدله تبعًا للعنوان الذي قد يتغير طروؤه ولأكثر من مرة على طبيعة واحدة بالنظر إلى ظرفها الموضوعي، وهنا مثال:

لا شك في أن الأمر بالمعروف واجب، ومثله النهي عن المنكر، فهما فرعان من فروع الدين العشرة، ولكن هذا الوجوب يرتفع وربما انقلب إلى حرمة بالنسبة لذاك الذي لا يعرف موضوعه على وجه مقبول من الوضوح، وبذلك ربما كان الأمر بالمعرف في واقعة واحدة واجب على شخص وحرام على شخص آخر، وهذا جانب واحد من جملة جوانب الظرف الموضوعي المحيط بنفس الواقعة (الموضوع)..

ومثال آخر تكليف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في غزوة تبوك عندما خلفه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على النساء والصبيان، هذا وهو علي الكرار حامل أشد سيف على الكفر والكفار، إلا أن تكليفه حينها كان عدم القتال والبقاء للعناية بمن كتب عليهم البقاء في المدينة من النساء والصبيان وغيرهم، ولا ننسى هنا ذكر موقف بعض الصحابة من هذا الأمر، إذ أنهم أخذوا بتعيير علي (عليه السلام) واتهامه بعدم الكفاءة للحرب!!

لاحظوا هنا الضغط الظرفي الذي كان يحيط بأمير المؤمنين (عليه السلام)، وعنده يأتي السؤال الأهم: أيهما أولى: رضا الناس وطلب السمعة بينهم، أم رضا الله تعالى ونيل الجائزة منه؟

ومثالين آخرين موقف الإمام الحسن (عليه السلام) من معاوية الذي لا يقل على أية حال عن ابن يزيد في الفساد والإفساد، وكلنا يعلم كيف أن الإمام (عليه السلام) تعرض للاتهام من الناس بعد إبرامه تلك المعاهدة مع معاوية في ظرف خاص جاء بعد خذلان الجيش الذي كان الإمام يعول عليه، فقد قال له أحدهم: “السلام عليك يا مذل المؤمنين”!!

إنه التكليف الشرعي الذي تبدل بتبدل الظرف عندما خرج الإمام الحسين (عليه السلام) على يزيد طلبًا للإصلاح في أمة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله).. وهكذا تكون الظروف هي الموجهة للعناوين الطارئة على طبيعة ذات الموضوع فيتبدل التكليف الشرعي وفقًا لها.

واضح أن الضغط الظرفي ذو طبيعة مختلفة جدًا عن خطاب التكليف الإلهي، فالثاني هادئ حكيم له أناة مستغربة بين الناس، في حين أن الأول شديد متتابع متوال، طبيعته إذهال العقل وتغليب العاطفة والعصبية، ولذلك فإن الركون إلى ما يريد الله سبحانه يحتاج من العبد إلى نفس مروضة ذات نظرة بعيدة لا تغرها الشهوات مهما كان لونها ومهما ارتفعت درجتها، فلا شيء يضاهي أهمية الفوز برضا المولى مالك الملك تبارك ذكره.

أذكر مرة أنني كنت ضمن حوار قوي عبر الشبكة العنكبوتية في منتدى من المنتديات الرائدة والمعروفة، وفي لحظة وجدت نفسي والآخرين وقد أخذت العزة والعصبية بالكثير منَّأ، فبعضنا كان يروم الانتصار للنفس كلف الأمر ما كلف، وبعض أراد أن يكون في جانب التيار الضاغط مهما كانت الأثمان، وبذلك انقلبت الغايات من طلب الحق إلى طلب اشباع جانب من جوانب الشهوة النفسية الغاشمة، والواقع أكثر ميادين الحوار تأخذ هذا المنحى بعد دقائق من انطلاقها، فما التكليف حينها؟ لا شك في أنه لا يخرج عن أحد ثلاثة أمور:

1-     القدرة على السيطرة والمحافظة على نية القربى من الله عز وجل والبعد عن الذاتيات والشخصنيات.

2-     ممارسة دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود الأطر الشرعية وبالمقدار المطلوب.

3-     ترك الساحة والخروج هربًا من الوقوع في مفخخات الشيطان الرجيم.

من المهم هنا الإشارة إلى نقطة محورية في المقام، وهي القدرة على التشخيص ومقدماتها الركنية، وأبينها منقطة:

1-     أولًا وقبل كل شيء ينبغي للمؤمن طرد العصبية والتعصب من حياته، والتحلي دائمًا وأبدًا بالهدوء والحكمة وسعة الصدر، وبدون ذلك لن يستقيم حال على طريق الحق، فالعصبية والتهور الغضبي كلها أبواب من أبواب الشيطان لعنه الله.

2-     الإهتمام، بل المبالغة في الإهتمام بالمعرفة والمطالعة والنظر؛ حيث إنها تشكل المادة الأولية للقدرة على تشخيص الموضوعات وقراءتها قراءة صحيحة دقيقة.

3-     الإهتمام، بل المبالغة في الإهتمام بالرأي الآخر مهما كان مخالفًا أو مباينًا لرأيك، فالانفتاح الفكري مفتاح رئيسي في اكتشاف الأخطاء والتعرف على الأسباب والمسببات.

4-     الإهتمام، بل المبالغة في الإهتمام بالمشاورة خصوصًا مع صاحب الرأي الآخر، مع المحافظة على نية التصحيح والتقويم، لا الغلبة والإحراج.

5-     الاستعداد الدائم والتام للتخلي عن التشخيص بمجرد التأكد من قيام دليل يؤدي إلى نقضه أو تصحيحه أو التعديل عليه.

6-     وتاج كل الأمور المبالغة في المحافظة على خلوص النية لله سبحانه وتعالى.

وأمر أخير، أرى أن التقصير فيه مهلكة حقيقية.. إنه أمر سوء الظن والتخوين وقطع الطريق أمام الحمل على الحسنى، ولا يقل مهلكة عنه أن يتحول حسن الظن إلى غباء وعبط، لذا فمن الواجب على المؤمنين البحث عن الحكمة والرشد بأشد مما يبحث الظمآن عن رشفة ماء تطفئ نار العطش في صدره.

إن هذا الأمر الأخير إنما أوردته لما يلعبه من دور كبير في صياغة السلوك الشخصي للفرد والجماعة بما يؤثر وبشكل مباشر في القدرة على التشخيص الصحيح المجرد عن الدوافع والبواعث النفسانية الشخصية..

وختامًا أقول: أنظر في المعطيات والمقدمات صغرى وكبرى بتجرد، واعرضها على الثقلين بتجرد، واستنطق النتائج بتجرد، ومن بعد ذلك فليكن القطع بها طريقك للنجاة من محاسبة السماء، ولا تنسى بأن هناك من قد يكون تابعًا لك، وبالتالي فإن مسؤوليتك مضاعفة.. فكن على حذر..

السيد محمد علي العلوي

20 صفر 1433هـ / 14 يناير 2012م


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *