الرئيسية / مقالات / الفِتْنَةُ فِي الأحْكَامِ المُسْبَقَةِ لَا فِي الإِثَارِاتِ المَوضُوعِيَةِ

الفِتْنَةُ فِي الأحْكَامِ المُسْبَقَةِ لَا فِي الإِثَارِاتِ المَوضُوعِيَةِ

عندما أكتب رأيًا ما، أو أطرح وجهة نظر معينة، فليس الأمر بالنسبة لي هواية أو مجرد أزرار أدعسها فيكون مقال ينتشر على صفحات العنكبوت الالكتروني، ليس الأمر هكذا على الإطلاق، وأرجو من الأخوة المؤمنين تقدير ذلك جيدًا.

هذا أولًا، أما ثانيًا، فليكن في علم القارئ الكريم بأنني لا أقبل لنفسي استهداف طفل صغير من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلمة سوء أو عبارة نيل –والعياذ بالله-، بل لا أرضاها حتى لو كان موضوعها به جُنَّة مستحكمة طالما أنه على خط الولاية، وقس على ذلك بمعيار جريان حكم الأولوية.

وأما ثالثًا فآية محكمة وحاكمة، هي قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فنحن كمؤمنين –إن شاء الله تعالى- قد أعطي كل واحد منا ولاية على الآخر في حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما رضي الله سبحانه وتعالى وتحت موازين الحكمة والموعظة الحسنة.

كتبت يوم أمس مقالًا تحت عنوان (لبيك يا فقيه؟! ليتها لم تكن يا فقيه)، وكان على إثر طبيعة التفاعل بين جماهير صلاة الجمعة في جامع الإمام الصادق (عليه السلام) مع تصريح سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (دام عزه) فيما يخص مواجهة من يعتدي على الحرائر، وقد بينت بأنني لست في وارد تحليل واقع التصعيد الذي بدأ يرسم خطه منذ تجمع توبلي (إرادة الشعب) حتى خطاب أخي وعزيزي الأستاذ جواد فيروز في تجمع الزنج ومن بعده خطاب سماحة آية الله قاسم (دام عزه)، فما أهدف إليه واقعًا هو إثارة قضية الموضوعات التي يخلط بينها الكثير من المؤمنين وبين الأحكام، نعم اتفق علماؤنا الأعلام –إلا السيد اليزدي ربما- على أن التقليد في الموضوعات المستنبطة واجب كما هو واجب في الأحكام، هذا ولا شك أيضًا في وجوب اتباع المجتهد في قضايا الجهاد الابتدائي وما شاكل، وفي جميع الأحوال فإن ما أثيره وما أثرته لا علاقة له بالجانب القيادي بقدر ما يعني بمسألة طبيعة الانقياد وحدوده التي يرتضيها الإسلام العظيم للمؤمنين، ولذلك اضطررت في المقال السابق للتأكيد على أن الموضوع لا علاقة له برمزية سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (دام عزه) التي لم ولن أقبل المساس بها أبدًا، فإيمان سماحة الشيخ وورعه وتقواه فضلًا عن علمه وفقاهته كل هذا ليس محل نقاش بين المؤمنين أصلًا، فالقضية إذن بعيدة كل البعد عن ما اتهمني به بعض الأحبة –عن غير قصد إن شاء الله- بأنني أشق الصفوف أو أستهدف كسر المرجعية الدينية أو ما شابه، وعلى أية حال فيقينًا أقول بأن من تعدى علي بكلمة أو مثيلها فأنا من الداعين له بالخير إن شاء الله تعالى.

على أية حال..

أعيد ببيان أوفر، إن ما كان عليه الأخوة قبل خطاب سماحة آية الله قاسم (دام عزه) من دفاع مستبسل عن السلمية (المطلقة) كان ظاهرًا بشكل لافت في ميادين الحوار، وقد كتبت مجموعة من المقالات تتعلق بهذا الشان مباشرة، منها مقال بعنوان (كلام في ديالكتك السلمية)[1]، أوضحت فيه الخيارات الماثلة بين يدي جماهير الثورة مع تطبيق السلمية التي لم ينقض عرفيتها أحد من كبار القياديين السياسيين في البلد، وهذا دليل إمضاء لا يحتاج إلى كثير كلام، وفي هذا المضمار كنت أناقش مفهوم (السلمية) دون أدنى تعد على من يخالفني الرأي، ولكن الذي أثارني بالأمس هو اندفاع الناس نحو تصريح سماحة آية الله قاسم (دام عزه) وكأن ما كان قبل لا علاقة له بالقناعة بل ولا حتى بالفكرة!!

هنا تحديدًا الثقافة التي أراها خاطئة في مفهوم (القيادة والانقياد)، ولذلك أوردت مقطعًا من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي يبين فيها مسلّمة مواجهة المتعدي وأن السكوت عنه بأي شكل من الأشكال لا يؤدي إلا إلى الذل والهوان، فهل قياس الكبرى على الصغرى في مثل هذه الموضوعات يحتاج إلى تشخيص الفقيه؟

ثم أن ما أريد قوله والتأكيد عليه: لا تدافع عن فكرة غيرك حتى يقوم عندك الدليل القاطع على صحتها، وإن كان وقام فليس من الطبيعي التراجع عنها لمجرد أن قال القائد (فقيهًا كان أو سياسيًا) بما يخالفها أو حتى بما يعدل عليها.. ولأبين أكثر:

جميل ما قاله سماحة الشيخ في خطبة الجمعة، والأجمل أن تطرح مثل الأسئلة التالية حتى ولو في أجواء خاصة:

لماذا جاء تصريحكم –سماحة الشيخ- بعد هذه الشهور الطويلة؟

هل تبدل تشخيصكم للموضوع؟ وإن كان كذلك فما هي الرؤية الاستدلالية الجديدة؟

ومن بعد ذلك لك أن ترفع شعارك (لبيك يا فقيه) عن قناعة ودراية أنت أهل لها، ولا أشك قيد أنملة بأن سماحة الشيخ يسعد بها.

وأخيرًا أقول: ليس فيما يخصني، ولكنه كلام تأصيلي عام: أرجو من الأخوة المؤمنين عدم النظر إلى الآخر من خلال أحكام مسبقة، والحذر كل الحذر من الظن والمزايدة في ميادين الخوف على المصلحة وما شابه..

دعوت من قبل ولا زلت أدعو للالتفاف حول بعضنا البعض بكل قوة ولكن عن وعي ودراية جدير بها شعب البحرين الكريم، ومن المهم جدًا التركيز على محامل الخير فيما بيننا، فلربما كنت أحمل شيئًا في صدري ولكنه يذهب بطيب محامل المؤمنين.

السيد محمد علي العلوي

27 صفر 1433هـ / 21 يناير 2012م

 

[1] – http://main.alghadeer-voice.com/archives/577

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *