الرئيسية / مقالات / مسائل في التغيير الجذري.. (1) “مفهوم القيادة”

مسائل في التغيير الجذري.. (1) “مفهوم القيادة”

إنها مرحلة بين مرحلتين سابقة ومقبلة، وما نحن فيه إنما هو صنيعة السابقة وصانع المقبلة، ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الموضوعية لما كان حتى نغيره في الكائن لنضمن معالم الصورة الإجمالية لما سوف يكون، وهكذا هي المعادلة عند الحكماء الذين يضعون الأشياء في مواضعها.

عندما نقر مشكلة ما فلا بد من النظر في أسبابها؛ إذ أنها بطبيعة الحال أثر لمؤثر أوجدها، فإذا أردنا حلها من جهة وتجنب تكرارها من جهة أخرى فليس من خطوة أكثر جدوائية من الكشف عن المؤثر (سبب المشكلة) ومعالجته بشكل جاد ودقيق، وفي الغالب أن هذا المؤثر يكون مجموعة من المؤثرات لا مؤثر واحد فقط، وفي هذا المقال وما يليه سوف أطرح ما أراه من أجزاء تركبت فأوصلتنا لما نعاني تبعاته اليوم، وسوف أبدأ بما أعتقده الأهم من حيث المبادرة بإصلاحه.

  • مسألة القيادة:

للمفهوم أهمية قصوى قد أغفلها المجتمع -وللأسف- على مستوى النخب، فهو يتدخل وبشكل مباشر في صياغة الشخصية على مستوى الفرد والمجتمع، ولكننا وأقول مكررًا –للأسف- أهملناه وارتمينا في أحضان المصطلحات التي شكلتنا بحسب ما تحكيه من مفاهيم ولم تلقى منا أدنى عناية أو حتى التفات، ومن هذه المفاهيم مفهوم القيادة..

(القائد) يتقدم (المقودين) كما أن (الإمام) يتقدم (المأمومين)، إلا أن الفرق بين الأول والثاني هو أن الأول (يقود)، وبما أنه (يقود) فالواضح أن (المقود) يكون مسلوب الإرادة ولا يمكنه توجيه نفسه؛ لأنه قد سلم أمره لمن (يقوده)، ولو أنه ليس كذلك لما احتاج (لقائد)، وإنما كانت حاجته (لإمام) (يأتم) به متى ما وجده مقنعًا، ويتركه متى ما كان غير ذلك، والسبب الأهم في هذه المعادلة الدقيقة هو عدم عقلانية اختزال آلاف العقول وأكثر في شخص واحد فتسير خلفه بقناعة تامة بأن هذا النوع من (التعطيل) هو المطلوب لله سبحانه وتعالى، بل هو مما يدعو إلى الفخر والاعتزاز!!

هل رأيتم يومًا (أتباعًا) يقولون بخطأ (قائدهم)؟ إنك عندما تتابع نوعية ونمط وأسلوب التعاطي بين (المقود) و(القائد) تشعر بأن هذا الأخير لا يمكن إلا أن يكون (معصومًا) لا يقل في مقامه عن علي وأبناء علي (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، ولذلك فإن أخطاءه تنقلب بصورة مقززة من (خطأ) إلى (حكمة) على اعتبار أنه (القائد) يرى ما لا نرى ويعلم ما لا نعلم، ولا ينبغي لأحد تجاوزه بفعل أو قول أو حتى فكرة، وهذه ظاهرة مستشرية في مختلف الأحزاب والتجمعات المنظمة، ولا فرق أبدًا بين تحققها في السلطة الظالمة الفاسدة عندما يأخذ (مقودوها) منحى الدفاع عنها وتبرير مواقفها وكأنها (معصومة)، وبين تحققها في الحزب الديني أو الشيوعي، فالكل في هذا الفلك يسلم أمره (للقائد) ويستميت في الدفاع عنه وتبرير مواقفه وقلب أخطائه لتصبح حكمة ورشد، ولذلك فإن واحدة من هذه الأحزاب لا يمكن أن تنجح إلا بالقوة و(البلطجة) بمختلف ألوانها من عضلية وعسكرية إلى فكرية واستبداد ثقافي.

إن هذه الحالة تعمل مباشرة في تحويل أي قضية وفي لحظة الكسب وإمكان السيطرة إلى قضية حزب يرى نفسه الأحق، أما غيره فإما أن يتوافق وإلا فالإقصاء جزاءه (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).

نعم، فليتصدى من تختاره الجماهير واحد كان أو أكثر، وليكن له أتباع، ولكن الذي نحتاج إلى تصحيحه هو الانتقال من مفهوم القيادة بالمعنى الذي أشرت إليه أعلاه وهو الواقع فعلًا، إلى مفهوم الإمامة الذي يحفظ للإمام مكانته ورمزيته مع ترك حق النظر والانتقاد وتداول ما يراه (الإمام) للجماهير أو لما يتشكل عنها من مجالس نيابية أو ما شابه مع عدم تغييب صوتها بأي شكل من الأشكال.

فليلاحظ القارئ الكريم كم كان انشغالنا بالأنتصار (للقيادة)، مرة بصورة مباشرة وأخرى عن طريق الانتصار للتيار وجهة الانتماء، فنحن في البحرين وخلال ما لا يقل عن أربعة عقود كنا في إجازة عن مواجهة السلطة وظلمها وجورها إلا لتثبيت عرش آخر وإن كان بمستوى أقل من عرشها، وكل ذلك بسبب انغلاق كل منَّا في دائرة (قيادته) الضيقة، ولم تتحرك أي من أحزابنا نحو الإبداع والتطور بسبب أن انتقاد (القيادة) ممنوع، والاجتهاد في قبالها يعني الردة وربما الكفر!! وطالما أن الأمر على هذا النمط فمن أين يأتي الإبداع الفكري المنتج للتطوير والتقدم في الثقافة على اتساع أبوابها؟!!

ما نحتاجه اليوم هو انتزاع هذه المفاهيم غير السوية من عمق ثقافاتنا المشوهة، والعودة إلى المفاهيم الصحيحة المستقاة من الإسلام الذي يمقت التبعية والانقياد ويحث على الحكمة والأئتمام والمشاركة الفاعلة من الجميع في تحريك العجلة للصالح العام لا لصالح حزب أو فئة أو (قيادة).

أقولها ولتحفظ لغد: إن (القيادة) بجميع أطرافها قد أدت بنا إلى سقطات أوهمنا أنفسنا بأنها إنجازات، لا لشيء سوى الانتصار للنفس قيادة وتيارًا، وإن لم تتظافر الجهود لتصحيح هذا الخطأ الجسيم فإننا إلى حيث ما كنا سوف نعود وربما بشكل أسوء، ولن تتغير إلا الأسماء، وليس أكثر شرًا من (صنم) السلطة الحاكمة اليوم، غير (صنم) الحزب أو ما شابه.

همسة: لم أرى مستميتًا في الدفاع عن إئتلاف 14 فبراير، ولكنني رأيت من يدافع بضراوة على قيم الثورة ومبادئها وغاياتها، وذلك لأن اتباع الجماهير ليس لشخص إئتلاف 14 فبراير، ولكنه لما يحققه الشعب بإرشادات من الإئتلاف، وهذا سر من أسرار النجاح، ولكن خوفي.. كل خوفي من القادم عندما تعنون الإنجازات بأسماء وشخصيات..

وأخيرًا.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).      

السيد محمد علي العلوي

26 ربيع الأول 1433هـ / 19 فبراير 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *