الرئيسية / مقالات / مسائل في التغيير الجذري.. (2) “التعددية وتوريث التأزيم”

مسائل في التغيير الجذري.. (2) “التعددية وتوريث التأزيم”

التاريخ خط متصل تصنعه حركة كونية ثابتة، وإنما تميزه التصرمات المتتالية فيكون المتصرم ماض والمتعرض للتصرم حال حاضر وما يُقبل على التصرم مستقبل، وما يعطي طعمًا لهذه الحركة الزمنية المستمرة هو ما يقع فيها من أحداث يمر بها الإنسان ويعيشها ويستقبلها، فالإنسان هو المحور دائمًا بحسب الرؤية القرآنية، ولذلك فإن نظرتنا للتاريخ ليست إلا نظرة لما كان فيه من الإنسان، وكله نتاج حقيقة واحدة فقط هي المعنى العام للثقافة، ولذلك فإنه من المخالفات الصريحة للحكمة أن نفصل بين ما كان بالأمس وما هو واقع اليوم وما يمكن أن تكون عليه الأمور في المستقبل.

من هذه المقدمة المختصرة نخلص إلى أمرين:

الأول: لو لا تعدد الثقافات لكان خط التاريخ رتيبًا لا يحتاج الإنسان لتحليل وقائعه على الإطلاق، والسبب هو رتابة الحالة الثقافية، والحال أن تعددها هو الذي يعطي معنى لاجتهاد الانسان واستفادته من الحوادث المستمرة.

الثاني: بالنظر إلى ما تقدم نفهم بأن الإنسان إما أن يكون مستسلمًا للتاريخ فيركب حوادث الأمس ليعيش اليوم ثم يقذف به إلى الغد، وإما أن يكون ماسكًا بالأمس ليصححه في يومه فيصنع بذلك واقعًا جديدًا للغد.

إذًا نحن في حاجة إلى ثقافات متعددة تحيي الحال ومن ثم تكون تاريخًا يستفاد منه لصناعة غد أخر، ولازم ذلك تفعيل ما يترجم تلك الثقافات وهو الذي يُعبر عنه بـ (الرأي)، فنحن محتاجون حاجة حيوية لتعدد الآراء وإتقان مهارة إدراة شأنها تجنبًا للصدامات التي عادة ما تحولها من نعمة ربانية إلى نقمة شيطانية، ومن هنا نبدأ..

في الواقع أن تعدد الآراء يؤدي في الغالب إلى التصادم بينها تصادمًا يفضي إلى النزاع والشقاق، والسبب أنها آراء قد ورثنا مقدماتها ممن سبقونا على خط الزمن، ومثال ذلك الحالة العامة للمسلمين في نظرته لليهود، فهم يكرهونهم ويقاطعونهم لسببين: الأول أنهم (يهود) والثاني: أنهم يحتلون فلسطين!! والحق نسأل: لماذا تكرهون اليهود؟ ونسأل أيضًا: لماذا لا ترفضون احتلالهم لفلسطين؟

إننا في حاجة إلى فهم الحدث بمعزل عن أي إرث ثقافي قد يكون ملائمًا لمن سبقونا، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون موافقًا لنا، ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الدائمة وإعادة الحسابات باستمرار وبصدور منشرحة وعقول منفتحة على المستجدات والمتغيرات على سعتها.

بلى، ليس من الصحيح بل هو خطأ استراتيجي أن أتعامل مع من آذى من سبقوني مرة ومرتين ودام أذاه لزمن آمِنًا أذاه اليوم أو في الغد، ولكن من الخطأ أيضًا أن أقاطعه لأنه كان في مشكلة معهم دون أن أسعى أنا لصناعة واقع جديد انتقل من خلاله إلى غد أفضل، والأكثر مرَّا ما يروج إليه البعض من استحالة التغيير!!

فليلتفت القارئ الكريم إلى أن حالة المقاطعة قد تكون قائمة وتستمر من الأمس إلى اليوم، ولكن هذا من المفترض أن يكون رهين اجتهاد وبحث ابن اليوم وليس عن طريق التوارث المقيت.

فلنتوقف قليلًا لتطبيق ما ذكرته على جانب من واقعنا السياسي مع محاولة الوصول إلى نتيجة تأسيسية:

فيما يخص مشروع الحوار الذي تداولته الصحف صباح اليوم، لنفترض أن الجمعيات السياسية وبموافقة جمهورها اتخذت قرارًا بالدخول في حوار مع السلطة بالشكل الموضح في الصحف ودون شروط منها. هنا أقول ومع تأكيدي التام على أنني ضد أي حوار مع السلطة سواء بشروط أو من غير شروط، وخياري دائمًا هو إما أن نعيش في عالمنا الخاص والسعي للاستغناء عنهم قدر الإمكان، وإما أن يسقط هذا النظام وأن يكون القادم إسلاميًا يحقق العدالة للجميع ويستوعب كل أطياف المجتمع.. الآن أقول:

تعيش الجمعيات السياسية اليوم ثمار عملها لسنين مضت في الوقت الذي لم يكن الآخر (المعارض للحوار أو لتمثيل الجمعيات أصلًا) في جريان العمل الثقافي والتأسيس لحالة وعي جماهيري بما يوافق رؤاه، ولست الآن في وارد مناقشة سبب غيابه بقدر ما أنني أسعى لمعالجة واقع قائم بالفعل، كما وأنني لست معنيًا الآن بالحديث عن مدى صحة أو خطأ أو بطلان الطروحات السياسية للجمعيات المعارضة، ولكنني مصر جدًا على أنها تجني حاضرًا عمل أمسها لا أكثر (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا).

لذا، ولغياب القوى الأخرى في الوقت الذي كانت فيه الجمعيات وتياراتها تعمل بجد وبشكل منظم، فإن على الأولى ترك التصادمات والعمل على تقديم رؤاها بشكل هادئ وقوي مع طرح مشروع واضح يكون لكل احتمالٍ موقعٌ فيه، ومن المهم جدًا إيجاد طريقة فاعلة تتواصل عن طريقها مع الجماهير، ومن بعد ذلك تكون قد استفرغت جهدها وعليها احترام خيار الناس سواء كان معها أو ضدها، فإن كان معها سعت لتطويره وتعزيز تواصلها مع الجميع، وإن كان ضدها فمن المتوقع منها تجديد قواها وإعادة الطرح بشكل أقوى مع المحافظة على تواصلها الدائم مع الجميع وخصوصًا الجماهير، والقاعدة في كل ذلك هي (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا).

كل هذا لا يتعارض مع مضاعفة جهدها في إظهار ما تراه بخصوص دخول قوى المعارضة في حوار مع السلطة، ومن جملة ذلك:

  • على أي أساس تقرر الجمعيات السياسية الدخول أو عدم الدخول في حوار مع السلطة؟ هل هو على أساس تمثيلها لغالبية المناهضين؟ أم أنه على أساس رسميتها؟ أما عن التمثيل فنحن في حاجة إلى تأكيده من خلال استفتاء عام تشرف عليه جهة مختصة، وإن تعذر ذلك فلا أعتقد أنه من المتعذر دعوة الجمعيات السياسية لمسيرة تكون فيها الدعوة لمن يقبلها كممثل له أمام السلطة سواء قررت الدخول في حوار أم لا.
  • وأما الجنبة الرسمية فالثورة ثورة شعبية وإن كان ثمة حوار فمن المفترض أن يرشح له الشعب من يمثله فيه، ولا يجوز لا عرفًا ولا أدبًا أن تتجاوز الجمعيات السياسية إرادة الشعب وتذهب في حوار بناء على مقولة أن: غالبية الشارع معنا. لماذا؟

نرى في كل لحظة كيف أن القوى السياسية والثورية تحرص على التذكير بضرورة إحترام إرادة الشعب، فمن اللازم عليها جميعًا ممارسة هذا الاحترام عمليًا على أرض الواقع، وعليها احترام هذه الإرادة سواء كانت مع الحوار أو ضده.

رسالة لجماهير الثورة:

أنتم اليوم أمام الخيارات التالية:

  • إما أن تقبلوا بتمثيل الجمعيات السياسية فتكونوا معها سواء دخلت الحوار أم لم تدخل.
  • أن ترفضوا الحوار مطلقًا.
  • أن تقبلوا الحوار بشروط.
  • أن تقبلوا تمثيل الجمعيات السياسية لكم بشروط.

وفي جميع الحالات عليكم الاستعداد لتحمل مسؤولية خياركم، ولتجنب الندم فعليكم استيضاح الوضع بتجرد قدر الإمكان، فالقرار مصيري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وليكن في عمق يقينكم بأن الخطأ اليوم قد يحملكم مسؤولية سقطات جديدة لا يبعد استمرارها لعقود قادمة.

كانت مسألة الحوار مجرد مثالًا لموضوع المقال، وإلا فالتعددية وتوارث الأزمات من القضايا التي أرهقتنا لعقود طويلة، فالشارع لم يكن على وعي جيد بطبيعتها مما أدى إلى دخولنا في صراعات ذات طابع عقيم على مستوى النتيجة، ففي الوقت الذي يدعو فيه كل طرف إلى ضرورة احترام التعددية نراه يحصر خيار الناس فيما يراه بحجة عدم إحداث حالة من شق الصف، وهذا في واقعه استبداد لا مبرر له إلا عدم فهم الأخوة لقوانين التعددية وضروراتها، لذا فنحن اليوم في أمس الحاجة إلى تأطير القضية والبناء دائمًا على مرتكز احترام إرادة الناس وخياراتهم، وأي اتهام بعد ذلك فهو اتهام للناس في وعيهم ونضجهم؛ حيث إن أي أحد في قدرته طرح ما يراه بألوان من الكذب والدجل، فإن نجح في كسب قاعدة جماهيرية كان اللوم على الناس لا عليه، وهذه مسألة دقيقة نحتاج إلى استيعابها جيدًا.

السيد محمد علي العلوي

27 ربيع الأول 1433هـ / 20 فبراير 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *