الرئيسية / مقالات / مسائل في التغيير الجذري.. (10) “في نفس التغيير الجذري”

مسائل في التغيير الجذري.. (10) “في نفس التغيير الجذري”

لست في حاجة إلى مقدمة أنتقل من خلالها لإثبات أن وجود المعلول رهين وجود علته، فطالما أن العلة موجودة تبعها معلولها في الوجود، وهل يعقل أن يطلع النهار والشمس غائبة؟ أو هل يعقل طلوع الشمس ولا نهار؟

هذا أمر مفروغ منه ولا يحتاج إلى زيادة بيان أبدًا، إلا أنني أشير إلى نقطتين أساسيتين قبل الدخول في صلب الموضوع وعمقه:

الأولى: يتشكل هذا الوجود من أوله إلى آخره بمجموعة هائلة من العلل والمعلولات، وما كان علة من جهة فهو معلول من جهة أخرى، وهكذا.

الثانية: عندما نريد التخلص من معلول ما، فالموضوعية تقتضي التخلص من علته إما بإعدامها أو بحجبها، وكلما ذهبنا في معالجة ما وراءها من علل كلما كنا أدق في معالجاتنا.

بعد هاتين المقدمتين أعنون الموضوع بأن مشكلتنا الأصل في البحرين ليست مع النظام ولا هي مع الحكومة، كما وليس الحل أبدًا بإسقاط النظام ولا هو بالتحول إلى الملكية الدستورية، فما نعيشه مع النظام والحكومة ليس إلا نتيجة وأثرًا ومعلولًا لمقدمات ومؤثرات وعلل متقدمة عليه، والسؤال في المقام هو ما يتداوله الأخوة المصريون كثيرًا: ما الذي فرعنك يا فرعون؟؟!!

نحتاج إلى إجابة دقيقة جدًا على مجموعة من الأسئلة:

  • كيف نشر الإستبداد أطرافه وغرس أصابعه بعمق فقبض قويًا على مفاصل مقدراتنا؟
  • كيف ولماذا تنتهك حرماتنا بهذه الكيفية البشعة القذرة؟
  • كيف ولماذا نهان صريحًا في مختلف الأجهزة الإعلامية للدولة؟
  • كيف ولماذا مضى على معاناتنا أكثر من قرنين من الزمن؟

والآن:

  • لو تنال المعارضة السياسية تمام مطالبها، أو تصل قوى الثورة إلى كل أهدافها، فهل ينصلح الحال ونكون نموذجًا يحتذى به؟

جوابي هو: لا؛ والسبب أن ما (فرعن فرعون) لا يزال موجودًا، ولذا فإن نفس النتيجة، نفس المعلول، نفس الأثر آت وسوف يتكرر لوجود مقدماته وعلله ومؤثراته قائمة كما هي وإن تغيرت بعض ألوانها.

أين الخطأ بالضبط؟

الخطأ عندنا مركب ومعقد جدًا، ولا أبالغ فيما أقول، فنحن وبالرغم من التصاقنا بالمآتم الحسينية وتجمع الكثير منا حول منابر الجمع لشخصيات علمائية معينة إلا أننا لا نزال نعزل القرآن والعترة الطاهرة في غربة شديدة نكرس لها باختلاق قيم وأخلاقيات وسلوكيات من عندياتنا متجرأين بشكل عجيب على نصوص القرآن الكريم والواضح الجلي من سيرة المعصومين (عليهم السلام)، وإن أخذنا مما يرد عنهما –فياسبحان الله- لا نميل إلا إلى الضعيف المستقوي بوتر العاطفة المتخلفة.. ومما يمكن قوله مثالًا عارضًا:

ليس من العقل ولا الحكمة في شيء أن نعيش الضعف وننام على وسادة أسميناها (طيبة أهل البيت ع)، ولا هو فخر ولا رجولة ولا مروءة في أن أحتضن قاتلي وهاتك عِرضي وسارق مالي مبررًا ذلك بأنه خلق عظيم لا يقدر عليه إلا ذو حظ أعظم!! فلنسم الأشياء بأسمائها ولنترك عنا أساليب التقديم والتأخير واللعب بالألفاظ والمصطلحات لتبرير ما نوقع أنفسنا فيه من وهن لا يطاق!!

نحتاج بقوة جدًا أن نرجع رجعة حقيقية إلى الثقلين، كتاب الله والعترة الطاهرة مع شرط إرتكازي هو الأهم، أن لا نرتكب جريمة لا تغتفر باستخدام القرآن لإيهام أنفسنا والآخرين بصحة مواقفنا وشرعية قراراتنا، فالقيادة للثقلين والرأي تابع لهما مطلقًا..

قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ)، فالأهم إذن أن نعي جيدًا ما هي الأمور التي يريد منَّا الله تعالى تغييرها في أنفسنا حتى يغير هو من واقعنا ويعيننا على صناعة واقع جديد يكون محل رضىً عنده، وهذا لا يمكن فهمه وإدارك عناوينه إلا بالرجوع إلى الثقلين، ولكن عنوانًا أصيلًا قد نسجله لعله يكون هاديًا لما يستله المؤمنون من بطن الكتاب العزيز وسيرة المعصومين (عليهم السلام)، إنه قول الله عز وجل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فأنت فلان بن فلان خليفة لله تبارك ذكره في هذه الأرض، فإما أن تقوم بمهام الخلافة كما يريد من استخلفك وإلا فأنت في تيه لا مآل له غير الهلاك، والوقوع تحت طائلة الظلم والاستبداد وكل ما لا يرحم، وهذا ما يفر منه كل عاقل.

شعب قدم كل هذه التضحيات.. قاتل بثبات وصمد على طريق ذات الشوكة دون استكانة أبدًا بعد أن انفجر في وجه الاستبداد والظلم بنفس ملؤها الطموح بأن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولكن هذا لا يمكن أن يكون.. أقول لا يمكن أي محال استحالة صرح بها القرآن.. محال أن يستقيم حال الشعب على طريق الخير ما لم تكن منطلقاته قرآنية صريحة إلى أبعد الحدود، وما دون ذلك فلم ولن يأخذه إلا لمثل ما أخذ إليه أقوام سابقة.. من مطبة إلى أخرى، ومن تصحيح جهة وتدمير جهات.

المعادلة هكذا: ما هي صفات الحاكم الذي تأمله؟

عادل، منصف، حكيم، عالم، عفو، رحيم، لطيف، كريم.. أهذا ما تريد؟

إذًا: “كما تكونون يولى عليكم”.. هذا ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعليك أيها الشعب البحراني أن تكون عادلًا، منصفًا، حكيمًا، عالمًا، عفوًا، لطيفًا، كريمًا.. حتى يولي الله تعالى عليك من يناسب صفاتك، فأخلاقيات وسلوكيات وسياسات الحاكم كاشفة عن الشعب وما هو عليه، وحتى نقف وقفة حق الآن وقبل فوات الآوان فإنني أطلب من القارئ الكريم مراجعة سريعة للحال القائم اليوم، وحتى يبدأ طريق التغيير الجذري بشكل صحيح فعليه أولًا وبالذات السعي بجد لإصلاح الداخل النفسي والنفساني لتكون النتيجة تغيير يتولاه رب السموات والأرض سبحانه وتعالى.

ينبغي لنا أن لا نمزق بعضنا البعض حتى لا ياتي حاكم يمزقنا.. نحتاج إلى علم ووعي وثقافة لا يتوقف السعي نحوها حتى لا يتولانا من يجهل علينا ويسخف عقولنا.. نريد التأسيس لثقة بالنفس واعتزاز بالكرامة لنأمن مجيء سلطان يستهين بنا ويستضعفنا.. وحتى لا يحكمنا من يمسخنا فعلينا ضروريًا العودة إلى هويتنا الإسلامية القرآنية الولائية العلوية الفاطمية الحسنية الحسينية بكل فخر مصرحين متقدمين..

هكذا، وهكذا فقط نكون على طريق رضى الله عز وجل، وبالتالي ممارسة التغيير الجذري بشكل صحيح لا عرج فيه ولا تشوهات.  

 

السيد محمد علي العلوي

5 ربيع الثاني 1433هـ / 28 فبراير 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *