الرئيسية / مقالات / كانت ليلةٌ ..

كانت ليلةٌ ..

ماهو نوع اللحظة التي نعيشها، وماهي معالمها، وعلام تدل وتشير؟

إن هذه الأسئلة يعتبرها العقلاء محورَ حكمةٍ في مسيرة حياتهم؛ ففي الإجابة عليها تحديد لطبيعة المرحلة التي يبينها شكل الأحداث التي ترسمها، وقد لا يكون ذلك بعيداً عن المستفاد من قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ) حيث إن من أهم مصادر العلم والمعرفة مراقبة الأيام وأحداثها حتى نتبين طبيعة المرحلة التي نعيشها إن كانت مرحلة انعطاف في المسير، أو أنها مرحلة صناعة قرار، أو أنها مرحلة هدنة وعزلة، أو غير ذلك مما يفهمه الحكماء جيداً، فالحياة أيها الأحبة ترسمها ريشة الأحداث، والموفق للخير هو ذاك الذي يتمكن من فهم الرسمة واستيعابها بالشكل الصحيح، وحتى نقرب المعنى إلى الأذهان تعالوا –أيها الأحبة- لنستحضر تلك اللحظات التي أحاطت بسيف الغدر الذي هوى به عدو الله بن ملجم المرادي على منارة العلم والتقى، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام).

بقلب عمته الأحقاد وسدت مشارفه صنميات النظر ووثنية الفكر دخل الملعون المرادي بيتاً من بيوت الله –تعالى- ليشعل منه جحيمه الحارقة، يوقدها جسده الإبليسي، دخل عدو الله بعد أن ختم الله على قلبه فما عاد يرى غير الباطل الذي زينه له الشيطان حقاً، فقد كان قراره أن يجعل من ليالي قدره منعطفاً استراتيجياً جديداً لمخطط الكفر والخيانة، وفي المقابل كان طريق الإباء والإرادة واضحاً لذوي القلوب الواعية. فما الذي صنعه ابن ملجم، وماذا نحن صانعون؟

إن سيف الغدر لا يحمله إلا الجبناء الذين لا طاقة لهم على مواجهة الحق، ولذلك فهم يضربون الاسم وشخصه بغية النيل من الفكر واغتياله، فليس المقصود من القتل هو هذا الوجود الظاهر لعلي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام)، ولكن المقصود هو الوجود الفكري لعلي (صلوات الله وسلامه عليه) وهذا ما يدلل عليه طوفان الضغائن على أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، فمن سب لعلي (عليه الصلاة والسلام) من على منابر الأموين إلى سم الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام)، إلى تلك الأحقاد التي أفرغها الأمويون على أبي عبد الله الحسين وأهل بيتهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) في كربلاء الشرف والتضحية، وحتى في عصرنا اليوم وما يقوم به التكفيريون من تفجيرات وتعديات على مراقد أئمة الهدى (عليهم الصلاة والسلام).

كل ذلك كان وما زال يهدف إلى القضاء على شعلة الحق الرسالية التي حملها الفكر الطاهر لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام).

في المقابل كان علي (عليه الصلاة والسلام) عالماً بما يجري عليه في محراب الصلاة، ومثله كان الحسين (عليه الصلاة والسلام) عالماً بما يجري عليه في كربلاء، إلا أن روح الرسالة وحكمة العطاء ورسوخ الفكر كلها كانت أقوى من سيوف الغدر الجبانة.

فالمعركة إذاً ليست معركة بين أشخاص ولكنها معركة بين حق وباطل، بين معروف ومنكر، لذا فنحن وقبلنا آبائنا، وبعدنا أبنائنا سنبقى دائماً أمام مسئولية القرار، فإما أن نكون ممن يحيون عليَّ الفكر والسيرة، وإما أن نكون ممن يدعمون سيف ابن ملجم المرادي (والعياذ بالله).

القرار قرارك والقول قولك، ففكر جيداً في الطريق الذي تختار.

السيد محمد علي العلوي

20  شهر رمضان- 1430هـ

10 سبتمبر 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *