الرئيسية / مقالات / العِلمانية المتخفية والعولمة، والمسوغ الليبرالي

العِلمانية المتخفية والعولمة، والمسوغ الليبرالي

هناك طائفة من الشيعة الإمامية تعتقد بعدم جواز الخروج على الحاكم الظالم في زمن غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام)؛ فهي ترى بأن نظرية الحكم الإسلامي محصورة تحققًا في المعصومين (عليهم السلام)، ولذلك فإن أتباعها يقضون حياتهم في حالة من الخمول السياسي وكأنها تمضية حتى يأذن الله عز وجل لوليه الأعظم فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وهذه النظرية تتبنى فكرة فصل الدين عن الدولة إلا في حدود ضيقة جدًا، وقد تعرضت لهزات سياسية قوية على مر التاريخ حتى جاءتها القاصمة على يد الثورة الإسلامية في إيران والتي قادها رجال دين فقهاء لهم وزنهم في الحوزات العلمية وحضورهم البارز في ميادين البحوث العلمية العالية، وبعد الثورة الإسلامية في إيران رصد قلم التاريخ تحولات (خجلة) من بعض علماء الدين الذين كانوا على التزام بالخط المشار إليه إلى أجواء (الثورة) بعد أن فرض قائدها ورمزها الأول الإمام الخميني (قدس سره) نفسه على الساحة الإسلامية بكل قوة وتمكن.

وعلى أية حال فإن كلامنا عن أصل نظرية (فصل الدين عن الدولة)، وما أردت قوله هو أنها نظرية لها وجود في الفكر الشيعي على مستوى المخرجات، وقد عاشها الآباء والأجداد وعشنا نحن فترة من الزمن في داخل أطرها المفروضة على اعتبار القيادات الدينية ذات اللون الواحد الذي عرف به شيعة البحرين عمومًا وفي مساحة زمنية ليست بالقصيرة.

(فصل الدين عن الدولة).. قد يكون مقبولًا بشكل من الأشكال، ولكن أن تطرح هذه النظرية في عمق تأسيسات وتأصيلات ثقافية جديدة تضيف إلى هذا الفصل فصلًا آخر وهو فصل الناس ثقافيًا وفكريًا وعمليًا عن غير المادة وعالمها وعلمها فهذا أمر خطير يستدعي التنادي الحقيقي للوقوف في وجهه بقوة وصرامة..

فلندقق قليلًا..

يُعْتَقَدُ بأن (العلمانية) ليست إلا طريقة لإدارة البلاد بما يؤمن لها البعد عن تسلط (الدين) من خلال رجاله (غير المعصومين)، وهذا ما يسمى عمومًا بـ (فصل الدين عن الدولة)، وهذا الفصل يعني مختصرًا أن تكون الدولة للجميع، وأما الدين فلمن أراده وفي دوره الخاصة فقط، وهذا في الواقع فهم للظاهر المخادع الزائف والصارف عن حقيقة العلمانية..

العلمانية (بكسر العين) هي المبالغة في العلم، ولا يقال (علم) إلا لما يختص بالكون الحياتي المادي، وأما الغيب والمغيبات فيقال لها (معرفة)، ولذلك فإنه وبالتحقيق يكون العلماني (بالكسر) وفي لا وعيه وبفعل التأسيسات والإمضاءات الثقافية هو ذلك الإنسان المادي الطبيعي الذي لا يأخذ إلا من الكون الحياتي، وبالتالي فهو لا ديني ولا غيبي، وهذا ما يؤكد على أن العلمانية هي الوجه الظاهري الخداع للا دينية، إلا أنها لا تقدم إلى العالم وخصوصًا العالم الإسلامي بعنوانها الحقيقي لحتمية رفضها حينذاك.

العلمانية في واقعها وحقيقتها ليست إلا طاغوت المادة وطغيان المعاش على ما دونه، ومع مرور الوقت ومن خلال التسلط الشرس لأدوات العيش والبث الثقافي وتمييع الدين وشعائره فإن حالة مثل الصلوات الخمس اليومية لن تكون أكثر من حركات معتادة ربما تزول مع تقدم الوقت وتطور العلمانية كثقافة في المجتمع.

وهذا يفهم بنظرة سريعة إلى معناها في اللغة الإنجليزية (Secularism) وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية (Saeculm) وتعني: العالم أو الدنيا، وتأتي في قبال (الكنيسة)!! وهو ما يؤكد الإشارات أعلاه.

هذا ومما يؤكد عليه الإسلام ضرورة اعتناء المجتمع بمظاهر التدين جماهيريًا، ولذلك فإنه يحث بقوة على صلاة الجماعة وعلى إدمان الحج، وكم أصر المعصومون (عليهم السلام) على إحياء أمرهم بين الناس وفي جماعات المؤمنين بما يحقق مفهوم الشعيرة والعلامة، أي ما يدل على الله.. ما يدل على خلفاء الله.. ما يدل على الإسلام كمنهج للحياة.. كل الحياة وفي جميع مفاصلها دون استثناء، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون الإسلام هو الحاكم (الرسمي)، فأمير المؤمنين (عليه السلام) كان الحاكم بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مباشرة، شاء من شاء وأبى من أبى، فالمجتمع الإسلامي يحكم نفسه بالقرآن والعترة، ولذلك جاءت التحذيرات من الدخول مع الظالمين في أي صفقات أو اتفاقات إلا في حدود ضيقة جدًا وفي أطر لا تقبل التأويل، وهذا في الواقع ما يوفر للمؤمنين العزة والكرامة في عيشهم حتى لو كانوا في عمق الفقر يعيشون، وأما الدخول مع الظالم فليس إلا تمكين من الأغلال بأن تطوق أعناق المؤمنين بعنف وشراسة.

أفهم جيدًا بأن طوفان العِلمانية قوي جدًا، وقد وضع في قالب العلمنة وقدم له بثقافة التحرر المشوه من القيود بتأسيس مباشر من الليبرالية ومبادئها، وبذلك تمكن المفسدون من صياغة منظومة غزو ثقافي موضوعه العلمانية وجواده العولمة وفارسه الليبرالية، وهي تركيبة قد نجحت في إحداث حالة متقدمة جدًا من التعقيد الثقافي في المجتمع، فقد أصبحت الدعوة إلى حكم الله مخالفة للوطنية ومعاداة للتعددية، وأضحى الحديث عن الهوية الدينية تهمة ومظهر قسري للطائفية، ولأن العلمانية التي يعولم لها لا تزال في مرحلة التخفي فإنها اليوم تستعمل الدين لضرب الدين، وليس بأشبه من عمرو بن العاص عندما حمل المصاحف على الرماح ونادى بالتحكيم، والنتيجة أن ضربت الأمة في القلب برفضها لحكم القرآن والعترة (علي بن أبي طالب عليه السلام)!!

أقول كلمة لا أرجو منها غير رضا الله سبحانه وتعالى:

إن اختار الناس غير الإسلام الصريح، وإن ذهبت الأمور إلى ظاهر يلتزم الدين وحقيقة تقصيه، فإننا سوف نترحم بعد حين على القرنين المنصرمين.

وكلمة أخيرة:

الإسلام دين أممي يستوعب الجميع، ومن الظلم للنفس أن نجعله حالات فردية كما هو الحال في فرنسا وأضرابها، ومن يقول بأن حالنا في الشرق مختلف، أقول له: نعم، الحال مختلف فنحن عندنا مساجد وحسينيات ومنابر ومواكب، ولكنه مختلف اليوم، كما كانت الكنيسة بظلمها وظلامها في تلك العصور قبل الثورة الفرنسية خصوصًا، ولكنها اليوم كما ترى، والحال هنا إن تحقق فيه التواكل وحل محل التوكل، فلن يجد المؤمن غير الاسترجاع، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

  

السيد محمد علي العلوي

20 محرم 1434هـ/ 5 ديسمبر 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *