الرئيسية / مقالات / البرلمان والحج في شوال..!!

البرلمان والحج في شوال..!!

أحتاج إلى دروس مكثفة، لا في علم السياسة، وإنما في علم أبجدياتها لعلني أتمكن من فهم هذه التحولات الدراماتيكية في موقف رموز المعارضة من البرلمان منذ أن كان فكرة في جولة التسعينات حتى أصبحت المشاركة فيه اليوم لمجرد تفويت بعض الفرص على (الآخر)، مروراً بمقاطعة قوية للدورة الأولى بحجة عدم كفاءة هكذا برلمان، ومن بعدها الدعوة لمشاركة قوية في ٢٠٠٦ تحت عنوان دفع الضرر!!

كل هذه التحولات الجذرية تحدث قسراً وعلى المواطن التشكل في قناعاته معها بدعوى الوظيفة الشرعية، وبحجة ما لا يدرك كله لا يترك جله، وعلى اعتبار أن لكل وقت أذان!!

هذا تقعيد صحيح في صورته ومادته، إلا أنني أتسائل عن المورد إن كان مورده أم لا، فمشكلة من يمارس الغيبة -مثلا- لا تقاس على مشكلة شارب الخمر إلا من حيث عنوان المعصية المشترك بينهما، فالواقع أن شرب الخمر شيء والغيبة شيء آخر..

في موضوعنا يظهر جلياً التغاير الجذري بين المطالبة ببرلمان يمثل الشعب وبين المشاركة فيه لدفع الضرر أو لتفويت الفرص، وقد أتمكن من التقريب بالمثال التالي:

شخص عرَّضَ نفسه للإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة، وبالرغم من التحذيرات إلا أنه أصر على ما هو ماض فيه حتى وقع الفأس في الرأس وأصيب فعلاً بهذا المرض الخبيث، أما الآن فهو لا يعاشر زوجته معاشرة الأزواج حتى لا ينتقل إليها المرض..

السؤال الآن: ماذا يقول العقل لهذا الرجل؟

يقول له: ولماذا لم تسمع الكلام من البداية؟ وبما أنك لم تسمع الكلام من البداية فالآن طلق زوجتك وأرح واسترح (يا أخي)، أما أن تعلقها هكذا فهذا مرفوض ولا يمكن لعاقل أن يقبله. (انتهى).

قد يقول هذا الزوج بأنه وزوجته اتفقا منذ البداية على أن زواجهما (مُفَرَّغٌ) من المعاشرة الجنسية، فهما قد تزوجا من أجل كل شيء ما عدا هذه المعاشرة..!!

عندها يقال له: هنيئاً لكما حياتكما ولكن لا تطلبا من أحد أن يأتي لحل مشاكلكما النفسية وعقدكما السلوكية المترتبة على مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في عنوان العلاقة الطبيعية بين الأزواج.

(قس –يا عزيزي- مطالبات التسعينات على هذا المثال البسيط)

الآن، ماذا يريد كل واحد مناً من هذا البرلمان القائم فعلاً؟ هناك:

1-   المطالبة بتصحيح وضع البرلمان من الداخل حتى يمتلك نوابه كامل الصلاحيات التي نودي بها منذ انهيار سابقه في منتصف السبعينات، وهذا يحتاج إلى تعديلات دستورية فيما يخص عمل مجلسي الشورى والنواب، وكما هو معروف أن التعديل (لا يجوز) بنص من الدستور، وهذا يعني أن طرق هذا الباب يعد مخالفة دستورية.

2-   القبول بهذا البرلمان القائم والمشاركة فيه لممارسة الدور في المساحة المسموح بها عملياً، ومعالم هذا الخيار واضحة جداً.

3- المطالبة بتصحيح وضع البرلمان من الخارج، وهذا مرفوض بعنوان أن أي مطلب أو حوار يجب أن لا ينطلق من خارج قبة البرلمان.

أما بالنسبة للخيار الأول فموضوعه منتف وبالتالي فإن قضيته سالبة، والثاني لا كلام لنا فيه لأنه لا يستدعي التحشيد والنداء للمشاركة، فهي مضمونة ببقائه، وأما الثالث فيبدو أنه صوت يسبب إزعاجاً دون جدوى (يعني بالبحراني وجع راس).

لا أدري أي خانة تقدر على احتضان بعض المجاميع من (ربعنا)، ومنشأ عدم الدراية هو (التكافخ) بين مباني السبعينات ومدارك الثمانينات وثوابت التسعينات و(تَوَرُّق) الألفين، فالشخصية الواحدة أصبحت ذات وجوه قياساً على أن (لكل وقت أذان)!!

إن هذه التحولات (الأعجوبة) في العناوين الرئيسية ضربت المفاهيم الأولية للفكر المبدئي (طراقات) متوالية حتى فقد شعوره بما يدور حوله، ولذا فهو يستسيغ اليوم، بل يُقبِلُ على تلبية نداء الحج في شوال، بعدما قبل التنادي للمشاركة والحال أنها أمر طبيعي لمن اختار الخيار الثاني، وواضح أنه لا حاجة لدعوة الحج في موسمه!!

في تصوري- أن الشارع اليوم يعيش حالة من الانفصال الخطير عن قناعاته الأساسية والتي ميزت شخصيته لمئات السنين، ولا شك في أن هذا الانفصال ترفضه النفس بفطرتها، فهو ألم كبير يصرخ من يعانيه بمجرد أن يقترب أحدٌ منه ولو بضمادات (طبية)، ولذلك فإنك اليوم وفي اللحظة التي توجه فيها نقداً إلى (…) فإنك لا تجد منه إلا الزعيق أولاً ومن ثم الضرب من تحت الحزام وفوقه بمجانيق التهم والاستنقاص والاستهزاء والسخرية، وهذا هو عين قولهم (إن الصراخ على قدر الألم)!!

إننا اليوم في حاجة ماسة إلى الطرح الصريح والمباشر مع ضرورة أن يحترم كل منا خيار الآخر مهما كان مخالفاً له، أما أن يُتهم المخالف بالخروج عن جادة الحق لأنه خالف قول (الحق –بحسبهم-) فهذا من شأنه أن يولد موجات هائلة من التناحر الغابوي المخالف لغرض الترسيخ الديموقراطي الذي ينادي له أصحاب الخيارات الثلاثة، فمشكلتنا الأولى اليوم ليست في المشاركة أو المقاطعة، ولكنها في فهم الدائر على وجه الوضوح، فليس من الطبيعي أن تغذيني بالمعارضة وفي نفس الوقت تنسف مفاهيمها بغاية (دفع الضرر أو تفويت الفرص)..

وفي ختامها أقول: قراءة الاستقراء خير من استقراء القراءة، والسلام.

السيد محمد علي العلوي

الثاني من ذي القعدة 1431هـ

10 أكتوبر 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *