الرئيسية / مقالات / غادِروا (هو خير لكم لو كنتم تعلمون)

غادِروا (هو خير لكم لو كنتم تعلمون)

كل كبير يعيش اليوم فهو بالأمس كان صغيراً يقبل أنواع البذور التي تلقى في أرضه فتكبر ويكبر معها حتى تتجذر فتكون شجرتها هي كبير اليوم.

هذه قاعدة أفادها أبو عبد الله الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) عندما قال للأحول: “أتيت البصرة”؟

قال: نعم.

قال: “كيف رأيت مسارعة الناس في هذا الامر ودخولهم فيه”؟ 

فقال: والله إنهم لقليل، وقد فعلوا وإن ذلك لقليل.

فقال: “عليك بالاحداث فإنهم أسرع إلى كل خير“.

ما أفاده الإمام (عليه الصلاة والسلام) أنجح من استفاده، أما من غفل عنه وتمسك بغيره فقد توالى فشله حتى أدمنه إلى درجة الاستئناس به!

عندنا في مجتمعاتنا مجموعة من الشباب اليافع تتراوح أعمارهم بين العاشرة والسادسة عشر يمتلكون من الطاقات التي من الممكن جداً أن تتحول إلى شلال رسالي يغمر العالم بالخيرات والنعم، ولكن ذلك رهين جودة البذرة الملقاة، وللأسف هي دون ما نرجوه، بل هي خلاف ما يوجه إليه المعصومون (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، ففي فكرنا العملي ينظر إلى هذه الشريحة الشبابية على أنها درجة ثالثة أو رابعة لا ينبغي الانشغال بها، وأكثر من ذلك أن آراءهم عند كبار القوم ليست إلا (كلام أطفال) لا يلتفت إليه غير الأطفال، ونتيجة هذه (البلاهة) الفكرية أن هؤلاء الشباب سرعان ما يرتمون في احضان تيارات التيه والضياع حتى إذا كبروا (تمنجلوا) على عنق المجتمع لذبحه تحت عناوين تخرجه حتى عن استحقاق الحياة.

في الغرب يتعلم الطفل في سنيه الأولى كيفية التفكير ومهارة اتخاذ القرار وقوة تحمل النتائج المترتبة على قراره، وكل ذلك بما يتوافق مع النمط الغربي في الفكر والسلوك، لذلك تجد الرجل الشرقي الذي يعد ناضجاً بحسب موازين الشرق غالباً ما ينهزم أمام ناطقية طفل يأتي من هناك…!! فما هو السبب يا ترى؟ لماذا نحترم اطفالنا فضلاً عن شبابنا إذا كانت تربيتهم في أمريكاً أو الدنمارك أو حتى في المدارس الخاصة المنتشرة في بلادنا، وفي نفس الوقت نغلق كل الأبواب في وجه (ابن البلد) من الشباب؟

الجواب واضح جداً، ولا يمكن أن يكون غير فقداننا الثقة في أساليبنا التربوية. نعم، نحن نربي ونعلم أننا في قمة مدارج الفشل التربوي، ولكننا عاجزون عن التغيير؛ لأننا في الأصل تخرجنا من مدرسة الإحباطات والتكسيرات الفكرية والنفسية، ولا شك في أن فاقد الشيء لا يعطيه.

قبل أيام اتصل بي أحد الشباب (14 سنة) يشتكي تهميش الكبار له ولمجموعة من أصدقائه عندما أرادوا التنظيم لبرنامج ثقافي يشتمل على محاضرات ومسابقات وجوائز.. كلما أردنا الترتيب للبرنامج داهمنا الكبار ببرنامج يزاحمنا، وفي كل مرة نؤجل ولا نلقى منهم حتى كلمة شكر.. هؤلاء الكبار لا يحترمون جهودنا ولا يقدرون تعبنا.. إنهم يمارسون استبدادهم علينا –نحن الصغار- لأنهم فاشلون في ممارسته مع أقرانهم من الكبار..

كلام في غاية المنطق والدقة جاد به شاب في مقتبل العمر، مما ينبئ بتقدمه وأصحابه فكرياً على مجتمع بأكمله من الكبار، بل وربما من أصحاب التجربة أيضاً، فهو قد قرأ الواقع بقلب يذوب بين الضلوع مما يرى من خطأ ولا يتمكن من تغييره؛ حيث إن معاول الهدم المعلقة في ألسنة الكبار تلاحقه أينما ذهب لتشفي غليل فشلها بهدمه والقضاء على همته..

قد أكون قاسياً، وقد أكون مندفعاً، ولكنني أبشر القارئ الكريم بأنني لن أتراجع أبداً عن الوقوف إلى جانب الشباب، فهم أملنا الذي تفنن الكبار ولعشرات السنين في حرقه وتشويه منظره.. إنهم أملنا الذي صعد الكبار بأحذيتهم على أذرعه حتى أنهكوها.. إنهم أملنا المقاوم لمخانق الكبار.. أقول (لجملة) الكبار مع الاعتذار من الفاعلين الرساليين منهم: أرجو منكم التنحي وإفساح المجال لدماء الفكر الرسالي الأصيل حتى تجري في شريان العمل الطليعي الذي قدم للأمة خيرة الرجال والنساء فكانت بهم الصحوة التي أنعشت حتى الموت فبعثتهم من قبور الانهيار إلى دوافق العمل والعطاء.. تنحوا لعل الشباب يتنفس أريج السماء فتنبعث منه بواسق العطاء..

وأقول لأساتذتي عقلاء الكبار: نحن وأبنائكم الشباب في أمس الحاجة لقيادتكم وإرشادكم، فأنتم من زرع الخير في تلك السنين بألوان التضحيات وأشكالها، وأنتم لا غيركم شجرة التقوى التي لا يزال زهرها يشق كوادر الأيام ويسمو على آلامها.. إننا نطالبكم بعصارة تلك التجارب الرسالية التي نظمتم بها أروع القصائد وأبهى القوافي في العطاء والعطاء والعطاء..

أما إلى الشباب فأقول كلمة واحدة هي من قرآننا العظيم.. (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)..

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد..

 

السيد محمد علي العلوي

 10 ذوالقعدة 1431 هـ

18 أكتوبر 2010

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *