الرئيسية / مقالات / فلسفة (أم الفتايل)

فلسفة (أم الفتايل)

 

(أم الفتايل)، هي حاوية معدنية اسطوانية تخرج منها فتيلتان أو ثلاث وربما أربع، تشعلها (ربة البيت) لتضع عليها قدرًا مغلقًا بشكل محكم حتى أنها تكتم أنفاسه بثقل تجعله على رأسه، وربما غطت القدر بقطعة قماش تحت غطائه الخاص، وفي قلب القدر ترقد مكونات الطبخة..

أرز.. طماطم.. بطاطا.. باذنجان.. الإدام.. والبهارات..

تشتعل نار الفتائل بهدوء تحت القدر ويترك لفترة إلى أن تستوي (الطبخة) استواءًا مميزًا جدًا، والسر في ذلك أن مكونات (الطبخة) تبقى قي قلب القدر بلا فرصة حتى لأن تتنفس، فتمتزج ببعضها البعض ويستهلك واحدها الآخر على هوى (ربة البيت) وحسبما تشاء، وبالكيفية التي تريد لطبختها أن تكون، ومن بعد ذلك يتلاشى كل شيء لصالح (الأرز) ثم تعطى (الطبخة) عنوانًا جديدًا، فمرة (تحت الكَدر)، وأخرى (مجبوس)، وثالثة (برياني)، وهكذا بكل تمكن ومهارة تنتظرها البطون التي تعشق (ربة البيت) وإن كانت (نحيسة)..

ليست المشكلة الأكبر في المكونات الرئيسية للطبخة، ولكن الأدهى والأمر إذا أعلن (الباميا) –مثلًا- وهو خارج المعادلة في الأصل عن استعداده للخنق والاستهلاك والتلاشي تحت نار (أم الفتايل) لحساب طبخة لن يكون فيها إلا ضحية تمدحها الألسن بعد أن تطحنها مِعَدُ وتمتص خيراتها عضلات، لتخرج بقاياها بعد حين إلى مصيرها الأمَرّ وهو (البلاعات).. ولا عزاء.

يمر الأرز قبل (أم الفتايل) بمرحلة (تأهيلية) عجيبة، وهي مرحلة (السلق) التي يترك فيها يتراقص بكل حرية و(شموخ) وسط ماء يغلي وكأنه (رشيقة في ساحة باليه)، وإذا ما (نضج) نُقل إلى مراحل أخرى إلى أن ينتهي به الأمر إلى معركة (أم الفتايل).

لا نكاد اليوم نجد (أم الفتايل) في مطابخنا، فقد تنكرت لها (نون) النسوة و(جندرها) المقابل بعد أن حلت قدور الضغط محلها مثل (tefal)، و(turbu)، و(prestige )، وميزة هذه القدور أنها تُسَرِّعُ الطبخة (وتلعن والدين) مكوناتها فلا تدع لذي فكرة فكرةً ولا لصاحب مقال مقالًا.. (تستوي يعني تستوي)..

النكتة في في كل ذلك أن (صحة الإنسان) لا يلائهما لا قدر الضغط ولا أم الفتايل، فالواقع أن اشتياقها لا يبرح شواطئ الطبخ (الحر)، فالأرز مطبوخ (بحرية) وإلى جانبه (الإدام)، وبعدهما الخضار وشيء من الفواكه.. تختلف الذائقة ويرقى الذوق.. فللأرز طعمه ولكل نوع من أنواع الخضار طعم خاص، وهذا زيادة على أنها محتفظة بقوتها ونكهتها الخاصة فتحقق للجسم أعلى درجات الفائدة، وللذهن أجمل مستويات (الثقافة).

والباقي أيها الأكارم (عليكم)..

 

السيد محمد علي العلوي

24 من ذي القعدة 1434 هجرية

30 سبتمبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *