الرئيسية / مقالات / متى يقع الممكن؟!

متى يقع الممكن؟!

كنت في يوم من الأيام لاعبا ومشجعا أهلاويا قد أكون متعصبا لفريقي في بعض الأحيان خصوصا إذا كان الخصم هو فريق كرة القدم في نادي المحرق، وأهل الملاعب يعلمون جيدا مستوى الندية و(العصبية) بين الفرقين اللذين تسميهما الصحافة بقطبي كرة القدم في البحرين، إلا أنه والحق يقال أن فريق المحرق من الفرق العصبية جدا في جميع المراحل الزمنية لكرة القدم في جزيرتنا البحرين، وهذا ظاهر بملاحظة أن أغلب الفرق ما دون المحرق قد تعرضت للنزول إلى فرق الدرجة الثانية أو في أحسن الأحوال صارعت من أجل البقاء في صفوف الدرجة الأولى..

طالما تسائلت عن المفتاح السحري الذي يمتلكه المحرقيون ولا يمتلكه غيرهم، وهذا ما بدأت إجابته تسفر عن مكونها عندما لاحظت ظاهرة محرقية أخرى هي رفض أهل المحرق -في الجملة- الابتعاد عن مدينتهم وإصرارهم في المحافظة على هويتهم المحرقية على مستويات مختلفة..

إنه الانتماء وما يكتنف من مسؤوليات..

نعم، لقد كان لاعبو المحرق في تأجج مستمر سواء في حالات الفوز أو الهزيمة، بل وحتى لو كانت بعض علامات الاستفهام تدور حول حكم المباراة، فهم في كل الأحوال يلعبون بقوة وصدق وتكامل حفاظا على رايتهم الحمراء خفاقة.. إنهم يستشعرون معنى الانتماء ويفتخرون به إلى درجة أنهم يزينون سياراتهم باسم المحرق وشعار ناديهم وكأنهم يقولون للعالم: كل شيء إلا المحرق..

إن هذا المستوى المتقدم من الانتماء العملي كفيل بصناعة الكثير من الإنجازات والحفاظ عليها، حيث إن الإنجاز إذا ما دعم بدافع الانتماء فإنه يتحول إلى قضية يحمل الإنسان مسؤليتها، كما وأن حمل المسؤولية إذا كان من هذا المنطلق فإنه متبوع عادة بالغيرة الصادقة، ولذلك تجد أن اللاعبين في نادي المحرق تتضاعف طاقاتهم وتستفز مهاراتهم في حالتين، الأولى هي حالة الفوز بحثا عن نشوة أكبر، وفي حالة الهزيمة بحثا عن الخروج من مأزق التقصير الذي يتهمون به أنفسهم فيسبب لهم ألما حقيقيا.

إن لهذه الحالة آثارا سلوكية هي في الغالب إيجابية الملامح تقابلها حالة أخرى تدمر صاحبها إذا ما هي تمكنت منه فأدمنها كإدمان من كان عاقلا لعقار الهيروين المدمر..

إنها حالة الإنهزامية القاتلة..

إنها حالة التعذر دائما وأبدا باليد الخالية وقلة الحيلة..

إنها حالة العقل التبريري وتعليق الهزائم المتلاحقة على (حكم المباراة) أو (المدرب)..

إنها حالة التغني بالمظلومية وتسلية النفس بشعارات الاستضعاف..

إنها حالة التجبن والتجبين..

والحق أنه واقع عدم الإحساس بمسؤولية الانتماء، وحتى نتمكن من استيعاب تمام الصورة ينبغي أولا فهم الانتماء والإحاطة بشروطه.

أما الإنتماء مفهوما فهو أن يكون الفرد في دائرة تحكمها أطر عامة تجعل من بداخلها محدود فيها، وهذه المحدودية إنما هي في البعد الفكري على مستوى الكليات الفكرية، فلا يظن أنه تحديد لمطلق شخصية المنتمي.

ثم أن الشرط الأصيل للانتماء أن يكون المنتمي على قناعة تامة بالكليات الحادة أو فلنقل الحاكمة.

عندما نفهم جيداً ونستوعب أهمية الانتماء بل ضرورته في الحياة والسعي ندرك أن تدميره أو تشويه معالمه هدف وغرض لكل من لا يريد الخير لإنسانية الإنسان، فالانتماء كفكرة يعمل فيها العقل عملاً منهجيا دقيقا هو في وقعه سلاح يصون كل حراك استراتيجي، وهذا ما تستنفر منه قوى الشيطان فتعمل على الإطاحة به وإحلال الانتماء الشهوي محله، وهو الذي لا يحتاج إلى جهد غير الاتباع دون تفكير أو تعقل.

إنها المأساة التي نعيشها اليوم على مختلف الأصعدة والمستويات، حيث الانتماء المفرط إلى حزب (العيش) بألوانه ودرجاته، ولازم ذلك هجران بين إن لم يكن محاربة للانتماء الفكري القائم على مجموعة الثوابت والقيم والقناعات.

إن نوع الانتماء الذي أدعو إليه ليس هو الذي يفهمه البعض على أنه إمعية يسلب فيها الرأي وتطحن بين أضراسها الإرادة المستقلة كما هو الحاصل فعلاً في بعض الانتماءات السياسية التي يحكم فيها شعار: (نحن رهن إشارة القيادة)!!

إن الذي أدعو إليه هو الانتماء الذي تبلوره وتُظهر قوته المهارة في التنسيق بين الأدوار في ساحة العمل والعطاء، ولنلاحظ المثال التالي بالرجوع لفريق كرة القدم (المحرقي):

ينقسم الفريق إلى أربعة أقسام:

مجلس إدارة النادي: يقوم بدور الرقيب على النتائج، بعد أن يوفر ما يحتاجه الفريق عن طريق الاتصال المباشر مع مديره العام ومديره الفني.

إدارة الفريق: تتشكل من مدير اللعبة والمدير الفني (المدرب) ومساعديه، وهذه الإدارة هي المسؤولة عن رسم خطة العمل للفريق وتنفيذها بدعم من إدارة النادي.

اللاعبون الأساسيون: هم أحد عشر لاعباً أساسياً يعتمد عليهم المدرب في تنفيذ خطة اللعب.

اللاعبون الاحتياطيون: هم مجموعة من اللاعبين على قدر من الجهوزية لتعويض أي نقص قد يطرأ على الفريق الأساسي لسبب أو لآخر.

إن الذي يميز الفريق الكامل في نادي المحرق أنهم جميعاً على قدر واحد من التساوي في الانتماء والخوف على مصلحة الفريق الموظفة بكل طاقاتها من أجل إصابة الهدف وهو الفوز بالبطولة ورفع اسم المحرق عالياً، ففي هذا البعد التأسيسي لا فرق بين اللاعب الإحتياطي ورئيس مجلس إدارة النادي، وهذا أمر مهم جداً في العمل الميداني.

أما النقطة الثانية المهمة جداً فهي أنه لا وجود في أٌقسام الفريق لشخص أو جهة سرمدية البقاء، بل الحاكم دائماً وأبداً هو العطاء الواعي والانجاز التام، والإخفاق لا يعني عدم الاخلاص أو الصدق في الانتماء، ولكن الراجح غالباً هو عدم القدرة على مجاراة الطموح (المحرقي) لقصور أو تقصير، وبالتالي فالإقصاء يكون من المنصب لا من أصل الانتماء!!

في النقطة الثالثة المهمة يكون الحديث عن الأدوار وعدم تدخل صاحب دور في دور الآخر لاستقرار الجميع على جهة مراقبة على قدر عالي من الشعور بمسؤولية الانتماء، وهذا ينعكس على اللاعبين في الملعب عندما ترى كل لاعب ومدى التزامه بموقعه بعد أن يتقن فنه ومهارته، فالقضية ليست كلها (هجوم) وليست كلها (دفاع) كما أنها ليست كلها (رسم وتخطيط في الوسط)، ولا حراسة مرمى فقط، ولكنها تكامل بين كل الخطوط في تنفيذ خطة اللعب المتفق عليها بدقة بين المنتمين حتى مع اختلاف تخصصاتهم وتوجهاتهم المهارية، فالحاكم دائما وحدة الهدف وهو الانجاز الإيجابي والمحافظة على اسم (المحرق) عالياً في المحافل الكروية.

إن النجاح في نادي المحرق ليس لوجود وحدة فكرية بين المنتمين، فهذا محال بلا شك، ولكن السر في فهم المهاجم لأهمية دور المدافع، واستيعاب المدافع لخطورة دور لاعب الوسط.

أما في حياتنا العملية وخصوصاً على المستوى السياسي فإن الانتماءات الداخلية سحقت الانتماء الأكبر، فالمدافع في فريقنا السياسي يعتقد ببني قناعاته على وجوب أن يكون كل الفريق مدافعاً، وهذا ما يراه المهاجم لنزعته الهجومية وكذلك باقي أفراد الفريق، والمشكلة الأكبر برزت في تحول هذه المباني الفاسدة إلى قناعات انغلق عليها كل فريق بحسبه، وبذلك فقدنا القدرة على التفاهم فيما بيننا فكان نزيف الإخفاقات والفشل.

إننا لا نطالب بالمستحيل، فالجلوس على طاولة التفاهم تحت حاكمية الهدف الأقدس أمر ممكن جداً، بل هو الطبيعي بين بني الإنسان..

إن كنا من بني الإنسان..

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

 السيد محمد علي العلوي

22 أكتوبر 2010

14 من ذي القعدة 1431هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *