الرئيسية / مقالات / رسالة إلى (أنا)..

رسالة إلى (أنا)..

أفهم جيداً أن الحق كان مع علي (عليه الصلاة والسلام)، وأقطع بما وقع على الزهراء البتول (عليها الصلاة والسلام) من ظلم وغصب وتعديات سافرة، ولا يداخلني شك في أن الحسن (عليه الصلاة والسلام) هو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه بإمامته يمثل الامتداد الحقيقي للنبوة، كما وأنني لا أناقش في مظلومية الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) وظلم يزيد بن معاوية (عليهما لعائن الله) فهذا من الثابت الحق، وكذلك قضية آخر الزمان والفصل فيها بين الحق والباطل على يدي صاحب الأمر الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) هي قضية من الثوابت التي لا كلام فيها ولا نقاش..

نعم، أؤمن وأصدق بكل ذلك وأكثر مما ابتنى عليه التشيع وقام، ولكنني أتسائل هنا عن نوع هذا الإيمان والتصديق، هل هو إيمان نظري أم أنه عملي موضوعي؟

إن الفرق بين النوعين هو الفرق بين النظرية والتطبيق، فإيماننا النظري بجاذبية الأرض يبقى بلا روح لو أننا حاولنا الطيران بأجسدانا أو فكرنا أن نمشي في الهواء بواسطة أقدامنا!!

لقد قضينا قروناً من الزمن في بحث قضية الولاية لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) والبراءة من أعدائهم، والتدقيق في الفواصل التاريخية بين الحق والباطل، إلا أننا عاجزون عن استثمار هذه البحوث والتدقيقات في تحويل النظر إلى عمل، والفكر إلى ممارسة وتطبيق، في الوقت الذي كان ولايزال إصرارنا واضحاً في فضح الظالمين حتى تحولت الحالة إلى ما يشبه اجتماع المثلين، وهو واضح البطلان من الطرفين خصوصاً إذا مانظرنا إلى المتحقق واقعاً في الحزبين حيث الانتقال البين من الحراك نحو الحق من أجل الحق إلى الحراك نحو إثباته بدافع العصبية والنكاية والعناد مهملين أبسط قوانين الأطر الفكرية القاضية بعدم جدوائية هذا النوع من التقاتل في ميادين العقيدة والاعتقاد، ولذلك كان التوجيه من أبي عبدالله الصادق (عليه الصلاة والسلام) بقوله: “كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع”، وبتصريح عملي من الإمام الرضا (عليه الصلاة والسلام) في حواره مع عبد السلام بن صالح الهروي: “رحم الله عبدا أحيا أمرنا.

فقال الهروي: وكيف يحيى أمركم؟

قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا”.

وهل يُعلِّمُ محاسن كلام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) غير الحامل له العامل به؟ وهل تكون الدعوة إلى الولاية بغير العمل بقوانين الولاية؟

إننا عندما نقارن بين علي (عليه الصلاة والسلام) وغيره فمن المفترض أن تكون هذه المقارنة من أجل تحديد المنهج السلوكي الذي ينبغي لنا السير عليه والعمل به، أما أن تكون لمجرد إثبات الحق الذي فاضت بإثباته الكتب والمصنفات دون تفكير في ضرورة الاقتداء والتأسي بصاحبه، فهذا هو عين قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”.

اليوم وبعد مضي أربعة عشر قرناً على رسالة السماء وما أعقبتها من مفارقات ومطارحات نقلها لنا التاريخ بألوان الأقلام وأصناف الصحف، أصبح من اللازم علينا مواجهة أنفسنا بهذا السؤال المفصلي:

عندما نحارب في إثبات حقانية أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) فإننا نسير في طريق الفصل بين الحق والباطل بميزان القرآن الكريم والحديث السماوي للعترة الطاهرة، فهل نحن في ممارساتنا وأخلاقياتنا وسلوكياتنا نراعي اتباع الحق وتجنب الباطل؟ هل نسعى لنصرة الحق والتضحية في سبيله كما ضحى أئمتنا الهداة (عليهم الصلاة والسلام) ونحارب الباطل كما حاربه أصحابهم البررة من أمثال عمار وسلمان وأبي ذر ومالك والمقداد وغيرهم؟

هل نتجرد عند الأخذ بالثقلين أم أننا نجير النصوص وفقاً لمشتهياتنا ومواقفنا الشخصية فنكون من المتاجرين بالقرآن الكريم وسيرة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام)؟

إننا اليوم نشهد بالعين والقلب والوجدان هذا التكالب الإبليسي الحقير على هويتنا الشيعية بنية واضحة المعالم جلية العلامات، فكيف استقام فكرنا على مسايرة هذه الهجمة بل وخدمتها بكل ما نملك من علم ومنطق وفكر؟؟ كيف رضينا على أنفسنا الوقوع في هذا المستنقع الكئيب؟

أقول -وكما قال أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)- وفي العين قذى وفي الحلق شجا، نرى تراث أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) يفرغ من شامخ مضامينه فيحصر الولاء في بعض الزوايا مع تعطيل تام لآليات التقوى الولائية والزهد الولائي والصدق العتروي والعبادة الإمامية الإثنا عشرية، والعلم النوراني الذي تبعث عليه روح الولاية الصادقة.. نرى ونشهد كل ذلك ولا زلنا نصر على السير في اللاموضوعية واللاهدفية مواسين رفضنا الداخلي لهذا الواقع المر بحقن كبيرة من الهيروين القاتل..!!

إنني في هذه السطور أحذر نفسي والمؤمنين من أن نتكرر سقيفيين وأمويين وعباسيين بدل أن نتكرر علويين زهرائيين حسنيين حسينيين، وهذا ما يسجله فعلاً قلم المتابعة الذي لا تغره العناوين إذا ما خالفها المضمون والمعنى، ويؤيد ذلك دفاع المتفائلين عندما يبدأ فكرهم في تجميع الصغريات ليراكموها (تمويهاً) أمام قلم الواقع بغرض أقناعه بأننا بخير، وقد غاب عنهم أن التراكم لا يمثل حقيقة في ظل تدافع العمل الشيطاني في قباله، لذا فنحن في حاجة إلى أمر واحد فقط، هو: أن لا نكذب على أنفسنا، وأن نواجه الحقيقة بغرض التغيير والإصلاح الجذري.  

السيد محمد علي العلوي

24 ذو القعدة 1431 هـ

30 أكتوبر 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *