الرئيسية / مقالات / ليست القضية في (التطبير)

ليست القضية في (التطبير)

28 Oct 2013

فلنحلل الأمر من البداية..

عندما نتحدث عن باب الاجتهاد المفتوح فإننا في الواقع نتحدث عن مساحة واسعة من تعدديةٍ (من المفترض أن تكون متناغمة) في مياه الإسلام أصولًا وفروعًا، وهذا المستوى من الانفتاح لا يصمد فيه إلا ذاك القادر على ممارسة الإبداع والترقي والتطور نظرًا وعملًا؛ إذ أنه من أكثر الأدوات تقدمًا في ميدان الاجتهاد إنما هي أداة استعراض الآراء الأخرى وإثبات السلطنة العلمية عليها بما ينتهي بالمجتهد إلى رأي خاص قد يكون موافقًا وربما لا، فروح الإبداع والتقدم موجودة بالأصالة في الثقافة الفكرية عند الشيعة الإمامية، ولو أنها تلاقي صدورًا شعبية بمستواها لما كان الشيعة اليوم إلا نموذجًا إنسانيًا راقيًا للبشرية وعلى مر التاريخ.. أوليس الإنسان فكر وإبداع؟

على أية حال، فإننا لا نجد بناءًا مرضيًا على كوامن القوة الموجودة بالأصالة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها قضية (التطبير) والإثارات السنوية المُهلِكة..

عندنا قاعدة تقول: (لا تخلو حادثة من حكم شرعي).

يعني أن لكل حادثة تعترض الإنسان أو من الممكن أن تعترضه حكم شرعي يحرره من حالة الحيرة، وفي الواقع أنك غير معني إلا بما يقوله مرجع التقليد الذي ترجع إليه، فمثلًا لو أن كل مراجع التقليد يجيزون لعبة (الشطرنج)، ومرجع تقليدك يحرمها فأنت ملزم بفتوى مرجعك ولست في حاجة إلى حشد الآراء ولا إلى أفلام توثيقية تحكي قصة (الشطرنج) ولا إلى غير ذلك؛ إذ أن الحجة في ما بينك وبين الله هي الفتوى الشرعية للمرجع المجتهد الذي ترجع إليه أنت.

لا أتصور شيعيًا لا يدرك هذه الحقيقة، غير أن ما نراه من تقاتل غريب بين بعض الشيعة وبسبب التعددية المرجعية واختلاف الفتاوى يشير إلى وجود خلل في فهم ما يقوم عليه الفكر الشيعي من حضارة ثقافية لم نجد ولا أعتقد أن البشرية تجد نظيرًا لها؛ فهي مما أبدعته السماء في الثقلين، كتاب الله والعترة الطاهرة.

نعم، إنه من كامل حقك كإنسان أولًا، وكمسلم شيعي متدين ثانيًا أن تمارس دورك في إبداء الرأي وتوجيه النقد لما تشهده من مختلف المواضيع، ولكن الأمر في نهايته محكوم لأمرين:

الأول: حرية الإنسان في الاختيار.

الثاني: وجود الرأي الشرعي الفاصل.

أما بالنسبة للأول، فمن حق المجتمع على أبنائه أن يطرح كل صاحب رأي منهم رأيه في إطار صحيح من الإستدلال المحكوم بالأدب، ومع الإستعداد التام لاستيعاب الرأي الآخر وتقبله، فالمجتمع يزكو ويزهر بتلاقح الآراء والنظريات.

وأما الثاني فللرأي الشرعي سلطة تمتد من الفقيه إلى من يرجع إليه من المكلفين، وأي مناقشة فيبنغي أن تكون في طريق الاستنباط، وبالتالي فهي مع الفقيه لا مع غيره، إلا إذا كانت مناقشة معرفية فلا بأس مع شيء من الدراية.

هذا واضح جدًا لعموم الشيعة، فلماذا هذا الحجم من التنازع بين البعض وبسبب الاختلاف في الفتاوى؟

في تصوري أن الجواب هو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “وأنتم والله معاشر أخفاء الهام..”

هناك بعض منَّا يستعملهم العدو لإثارة الفتن وتزكية روح التنازع بين المؤمنين، والسبب امتلاكهم استعدادات كبيرة جدًا للانفاعل والتفاعل مع كل قيل وقال، فالعدو ليس عليه إلا أن ينشر (ربع) رسالة سلبية حول الأمر الفلاني وإذا بها وفي لحظات تنتشر بشكل عجيب لتلقى رد فعل من هنا وآخر من هناك، ثم رد فعل على رد الفعل الأول، وهكذا يستمر الحال حتى ننتقل إلى مرحلة البيانات والمقالات والكتب، وفي نهاية الأمر نكون قد تعرضنا لغزو خفي أفقد بعضنا خلوص النية في مجمل أعماله بعد أن تحولت إلى تحديات وإثبات (رقم)!

فالقضية إذًا ليست في نفس (التطبير)، بل هي في كل ما يقبل أن يكون مادة لصراعات نفسية قبل أن تكون ثقافية.

وهنا أختم بهمسة صغيرة:

أليس الأعداء يُحَذِّرُون من التمدد الشيعي؟ أليس التشيع في اتساع وقوة وانتشار؟

الجواب: نعم.

النتيجة: فلنرحم أنفسنا إذًا، ولنكن أكفاء في تحمل مسؤولية التعددية التي يؤكد عليها مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

 

السيد محمد علي العلوي

22 من ذي الحجة 1434 هجرية

28 أكتوبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *