الرئيسية / مقالات / خرافة الوحدة

خرافة الوحدة

فكَّرنَا فاقتنعنا، واتَّبَعْنا فَثَبَتْنَا، هكذا كان حالنا حين وصل خبر الدعوة الجديدة التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وآله)، فلم تكن هناك من حاجة إلى سيف يفتح؛ لأننا قررنا أن يكون الفتح بالعقول لا بالسيوف، وبعدها فكرنا ثانية فاقتنعنا بأن لا ندفع حقاً شرعياً كنا نؤديه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا لخليفته بالحق وهو الذي قرَّرنا بعقولنا المتمسكة بالكتاب والعترة أنه علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام)، وبذلك كنا مِنْ أوائل مَنْ أسلم على قناعة وفكر، ومن أوائل من والى علياً (عليه الصلاة والسلام) حباً وطوعاً وكرامة، فلك يارب الحمد والمنة..

ذاك هو تاريخنا وتاريخ بعض الشعوب التي احترمت العقل وأعطته مجاله الحق في التفكير والتدبر بتجرد عن الموروث إجمالاً، وهو تاريخ يشكل لنا اليوم صدمة كبيرة جداً عندما نذكره ونحن نسجل لتاريخ جديد نعيش أيامه ونتأمل لياليه.. نسجل تاريخاً أصبحنا فيه ألعوبة في ميادين التفريغ الفكري الذي يتسلى به الشيطان معنا، فنحن اليوم –ويا للأسف- أصبحنا مدمنين بتفوق على الألفاظ والمصطلحات التي تردنا من الشرق تارة ومن الغرب أخرى، فوا سعداه ذاك الذي يمتهن حشو مقالاته وكتبه وأطروحاته بتلك المصطلحات التي إما أن تكون فارغة بلا مفاهيم أصلاً، أو أنها مما يخالف طبيعتنا المجتمعية أو الدينية مخالفة صريحة وبالتالي فإن المحاولات لتطبيقها محاولات تشوه الطبيعة وتحرف المزاج الفكري العام، فهو في نظر شريحة كبرى من شرائح المجتمع مفكر مثقف منفتح واع.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

حتى لا أتشعب في موضوع المصطلحات والأطروحات الهلامية فإنني أطرح الآن مصطلحاً واحداً أخذ بألباب الناس فشغلهم عن التقدم وأبقاهم في دائرةٍ أقل ما أقول عنها أنها دائرة تِيهٍ وضياع.. إنه مصطلح الوحدة الإسلامية..!!

في البداية تهمني الإشارة إلى أن القرآنيات والعترويات لم تشر قط إلى الوحدة التي تطرحها السياسة المغبونة اليوم، ولكن الذي أشار إليه القرآن الكريم وأكدت عليه معارف أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) هو ضرورة التمكن من إدارة الرأي في داخل أمة إسلامية واحدة، وهذا لا علاقة له بأطروحة جعل الناس لوناً واحداً بحجة الضرورة إلى الوحدة، فذاك القرآني مطلوب جداً في الحركة واستقامتها، أما الثاني فهو محال بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية لبني الإنسان، وإن تحقق من باب فرض المحال فإنه يؤدي إلى سكون وركود في كل شيء؛ أوليس التقدم بالمشي هو نتاج حركة التخالف بين الرجلين؟

هكذا هو المجتمع الإنساني، لا يتقدم خطوة إلا ببركة وفضل الانقسامات والحزبيات (لا التحزبيات) على نمط الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة (وليس الواحدة) الأمريكية، والعمال والمحافظين في بريطانيا، أما إذا كان على نمط الوفاق وحق (جمعية سياسية رسمية والأخرى حركة إسلامية غير رسمية) في البحرين فهو أداة هدم وتراجع بلا شك؛ والسر في ذلك أنهم في أمريكا وبريطانيا أبدعوا عندما أرادوا إدارة انقساماتهم، أما عندنا فأبدعنا في خنق حالة التخالف الصحية ووصمناها بقاسي الأوصاف ومرير التوصيفات.

ماذا يريد الناس من الوحدة الإسلامية أو الوحدة من أي نوع آخر؟ إن كانوا يريدون اجتماع الناس على كلمة واحدة فهذا محال في غير صريح السيرة القرآنية والعتروية المقدسة، وإن أرادوا إلغاء الجميع لصالح طرف واحد، فهذا ممكن جداً في عالم الغابات عندما يسيطر الحيوان الواحد على مقدرات غيره من أبناء نوعه.. فما الذي يريدونه بالضبط؟

هل يريدون القضاء على الانقسامات الداخلية؟ هم بذلك إذاً يريدون القضاء على الحركة من أصلها؛ فليس من حركة في هذا الوجود إلا وهي نتاج تخالف وتقدم وتأخر، ولنا في ظاهرتي الليل والنهار عبرة؛ فلولا الليل لما وجود النهار ولو وجد النهار بلا ليل لسكن كل شيء ومات، والعكس بالعكس صحيح.

هكذا هو الفكر البشري الذي يبدع عندما يرى من يخالفه، وذاك المخالف يبدع لمخالفة الأول له، وربما كانت هذه الحقيقة مما مدحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله: “اختلاف أمتي رحمة“.

قد يتصور البعض أن هذا الذي أقوله مُعَارضُ بقول الحق سبحانه وتعالى: “وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ”، فأقول بأنه لا تعارض ولا معارضة حيث إن موضوع الآية في اتجاه ما أطرحه تماماً؛ لأن قوله تعالى (وَلاَ تَنَازَعُواْ) يعني أن لا يتحول خلافكم إلى خلاف مصالح وجر كل واحد منكم النار إلى قرصه، وهذا معنى النزاع، أما الاختلاف فهو مطلوب بل ضرورة في حركة البشرية منذ يومها الأول.

في تصوري أن الذي ينبغي طرحه هو ضرورة إيجاد وحدة (الوحدة بمعنى محل الاجتماع مثل الوحدة الكهربائية –مثلا-) ربط بين أحزاب الحركة الإسلامية، وهي وحدة الشورى بين مختلف الأطياف التي تنتمي إلى أصول وكليات واحدة، فيكون عندنا مجلس شورى لقوى الفكر الشيعي، ومجالس شورى متعددة لكل قوى الفكر في البلد، أما الحاكم لكل هذه الأطياف فهو الذي تتفق عليه نفس هذه الأطياف والأحزاب فقط، لاستحالة إمضاء مثل هذا المشروع تحت ظل قانون شامل يستوعب كل القوى الفكرية، وهذا واضح بما مر.

بل وحتى هذا الطرح لا يمكن أن يخرج عن حيز التنظير إلا بعد عقود من الزمن؛ فهو معلق في حقيقته على درجة الوعي عند الناس ومدى إدراكهم واستيعابهم للفرق بين النسبية والمطلق، أما ما نحن عليه اليوم فهو رسوخ كل جهة من جهات المجتمع على أنها الحق المطلق، وبالتالي فالآخر باطل بلا شك، وفي ظل هذه الربكة الفكرية الغريبة لا يمكن تفعيل مبدأ الشورى إلا في داخل اللون الواحد فقط، وهو مما لا ينتج شيئاً في الواقع.

إن عدم الوعي لمثل هذه الحقائق المغيبة يجعلنا دائماً في حالة اصطدام مع إمكان حل المشاكل التي تعتصرنا، فإذا قيل –مثلا-: الحل في الوحدة، أو لا طريق إلا الوحدة الإسلامية، أو الخلاص في الوحة الإسلامية، وماشابه ذلك من مصطلحات وهمية، يقع المجتمع على أم رأسه عندما يتيقن من أن مثل هذه الشعارات لم يكن ليتحقق في زمن من الأزمان مطلقاً، وعندها يضربه اليأس من رأسه إلى أخمص قدميه.

ليس الوعي بذلك من الأمور المستصعبة، فحتى في الزمن المعاصر نحن عشنا كما هائلاً من الإئتلافات والوفاقيات والقوائم الموحدة التي سرعان ما انقسمت على نفسها فأنتجت خطوطاً وتيارات، وهذه الأخيرة انقسمت بدورها أيضاً لأنه هذا هو الطبيعي الذي لا يمكن مخالفته ولو ملأنا الدنيا شعارات عن الوحدة وأبناء عمها!!

أكرر ثانية بأن الفارق بين المتقدمين والمتخلفين إنما هو في حسن إدارة هذه الانقسامات واحترامها على اعتبار أنها سنة بشرية إجتماعية طبيعية وطيبة.

علينا أن ندقق فيما يردنا من مصطلحات وأطروحات وخصوصا في جانب موافقتها لقيمنا وثوابتنا المجتمعية والدينية، وإلا فالبناء على هلامياتها لن يزيدنا إلا خسارا..

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

السيد محمد علي العلوي

الثاني من ذي الحجة 1431هـ

8 نوفمبر 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *