الرئيسية / مقالات / أيُّ (علَّامةٍ) يدركُ عمقها؟

أيُّ (علَّامةٍ) يدركُ عمقها؟

25 Nov 2013

سقط المجرم صدام التكريتي قبل عشر سنوات فتشكلت أجواء جديدة بين استبشار بانقضاء عهد مظلم سمته الكفر والطغيان، وبين تهديدات ووعيد من البعثيين والسلفيين وغيرهم ممن يتمهم سقوط الطاغوت، وبذلك دخل العراق مرحلة جديدة طبيعتها المواجهة والتحدي، كان نتاجها إصلاح مساحات محدودة تحت تهديدات مباشرة نُفِّذتْ ولا تزال..

المحصلة أن العراق بلد تَعُمُّهُ القلاقل والاضطرابات الشرسة التي عادة ما تُخَلِّفُ ضحايا بالعشرات والمئات دون هوادة على الإطلاق، فمن يمشي في العراق لا يأمن على نفسه قنبلة تنسف وجوده الدنيوي وتحوله إلى أشلاء قد لا يجمعها جامع، وفي العراق من يذهب إلى السوق فإنه قد يتحول مع غيره إلى كومة من الأجساد الممزقة بفعل حزام ناسف شده أحدهم على وسطه طمعًا في حور عين وعده إيها أميره التنظيمي.. هكذا هو العراق بلا رتوش..

لا تقل لي أن الحب يدفع ملايين الشيعة لاقتحام هذه المخاطر المهولة طمعًا في نظرة يلقونها لتعانق قبة الحسين بن علي (عليهما السلام).. لا تقل لي عشق ولا تقل هيام..

ليست قصيدة ولا لوحة ولا هي هذا ولا ذاك..

قد يدفع الحب واحدًا من مئة، وربما أكثر، إلى أن يضحي بنفسه من أجل حبيبه، وقد يكون لروايات التشويق الصادرة عن أهل البيت (عليهم السلام) دور في تحريك مجموعة من المؤمنين لزيارة الحسين (عليه السلام) مخاطرين بأرواحهم.. هذا ممكن ولا يُنكر..

ولكن أن تموج الأرض بالملايين دون اكتراث بكم المخاطر الذي يهدد الأرواح والأجساد، فهذا مما يحتاج إلى عقول عظيمة، بل وعظيمة جدًا لدراسته دراسة علمية معمقة..

في مكة المكرمة تُفرضُ (الأطنان) من القوانين للحد من توافد الحجاج على بيت الله تعالى.. في مكة المكرمة تشيد الجسور وتبنى الطرقات والفنادق وتصرف الملايين مع الزام كل بلد بعدد معين من الحجاج سنويًا، وقد وصل الأمر أن يهدد المخالف بالسجن!!

بالكاد يصل الحجاج في عددهم إلى الخمسة ملايين..

في كربلاء.. آه يا كربلاء..

لا قيود.. لا قوانين محجمة.. لا جسور ولا أنفاق ولا طوابق ثانية ولا ثالثة ولا رابعة..

في كربلاء هناك أمر آخر يوسع الأرض ويمهد الطرقات ويفيض المياه ويسجر النيران تحت القدور، فتستوعب (أرضٌ) ملايين النفوس في حركة واحدة!!

 حركة لا يتمكن من تفسيرها غير الجليل من الوعي..

منذ مئات السنين والعالم يستهزئ بالشيعة (غيظًا وحنقًا).. منذ مئات السنين والشيعة من ضيق إلى ضيق ومن سياط ظالم إلى سياط آخر.. منذ مئات السنين والقلوب تقطع نياطها، والأعمار تصطلم قربة إلى المتوكل ومن كان منه قبله ومن جاء بعده..

هُدِمَ القبر وسوي بالأرض وأُطلِقَ الماء عليه بغية انهاء أي أثر له.. وقبل سنوات ضربت القبة بالمدافع كفرًا وحقدًا، وغير ذلك من محاولات ومحاولات أرادت إطفاء (نورٍ)..!!

ماذا عساني لأذكر، وما لعلي أقول؟!!

ربما تمكنا من إدارك بعض ما يخفيه الكون من قضية إمام المشروع الإلهي الأعظم الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).. أقول ربما، لو تتشكل مئات وآلاف الفرق من علماء في الدين وآخرين في الكلام والفلسفة والاجتماع والتربية والنفس والسياسة والتاريخ وفلسفته، فنحن في حاجة شديدة لاستثمار كل جهد من أجل بحث هذه القضية المقدسة، فلا عقل شخصي ولا عقل تيار ديني أو سياسي أو ثقافي، ولا مدرسة فكرية، ولا غير ذلك يملك القدرة على فهم أوامر جليل تطلقها كربلاء فتستجيب لها هذه الملايين طواعية دون أدنى ضغط أو فرض، ولكن اجتماع عقول المجتمع البشري ربما تتمكن من الكشف عما يدور (في ما لا أدري أين)!!

الحسين (عليه السلام) مطلقٌ في عالم الإمكان، يستحيل تحجيمه في تيار أو ثقافة أو فكر معين..

الحسين (عليه السلام) عناوين مجتمعة تتجلى فيها حقائق هذا الوجود بما لا ندرك ولن ندرك إلا بالوجدان الذي لا يُنكر..

الحسين (عليه السلام) أفهام لا فهم واحد..

خلصتُ إلى شيء..

الحسين.. عندما تعجز الكلمات.. عندما تختنق التعابير على سعة البلاغة وأخواتها.. عندما تكل الألسن.. عندما تخشع العقول، وتنبض القلوب على وقعٍ فاردٍ خاص..

فاعلم أنه الحسين (عليه السلام)..

 

السيد محمد علي العلوي

21 من المحرم 1435 هجرية

25 نوفمبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *