الرئيسية / مقالات / القراءة الخامسة..

القراءة الخامسة..

 

20150115183825-books-reading

تأتي القراءة الأولى في ضمن أجواء ثقافية وتجارب وخبرات بمقدار ما تنتهي عنده القراءة، فهي وجود مستقل تكراره محال؛ وذلك لأن الخبرة والتجربة تتجدد مع كل نَفَسٍ يَتَنَفسُه الإنسان، وتتضاعف كلما فكر وتتدبر وقرأ وتعلم وعلم وعاشر وتابع وتتبع، ولذلك فإن القراءة الثانية لنفس الكتاب إنما هي قراءة جديدة مستقلة لها ظروفها الخاصة جدًا، ومن الخطأ أن توصف بالتكرار والإعادة، وهكذا تكون الثالثة والرابعة والخامسة.. فكلما جددتَ قراءة الكتاب كلما تجدد علمُك ونمتْ معرفتك وتطور فهمك، وهذا ما نلمسه من براعة في بلاغة وبيان السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره) في كتابه المراجعات، والسبب أنه دَرَّسَ كتاب المطول للتفتزاني قرابة 18 مرة، كما ويقال أن الشيخ حسين الحلي (قدس سره) قد قرأ كفاية الأصول للآخوند الخرساني (قدس سره) سبع مرات!!

لقد أساء البعض للقراءة إساءة عظيمة بجعلها في خانة (الهوايات) فكان حالها حال لعب الكرة، بل هذه الأخيرة أصبحت مقصدًا للاحتراف والاستثمار، وبقيت القراءة حبيسة مجموعة من الأدمغة (الكلاسيكية)، أما ما يسكن جماجم بعض، أو الكثير من الناس اليوم فإنه يأنس بالرسائل القصيرة والتغريدات السريعة والفكرة المضغوطة وما نحو ذلك مما نشرته وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن صنعه التسارع الرهيب المخيف في حركة الحياة بشكل عام.

في الواقع أنه لا غنى ولا بديل عن الكتاب على الإطلاق، فهو الوجود الذي يشتمل على جانب من الشخصية الفكرية لكاتبه، وكلما جددت القراءة فيه فإنني أنفتح على أفقه أكثر، ومنه انتقل للبحث في عقل آخر وآخر وآخر، ومع كل عقل قراءة وتجديد قراءة، فالبناء يتعالى والأسس تقوى والجدران تشتد..

عندما نأتي الآن لمواجهة الواقع، فإننا نقف على حقيقة مرة، وهي أن طبيعة القراءة مخالفة لما عليه رتم الحياة؛ إذ أن كل شيء يتسارع ليسابق الريح.. الأكل.. الشرب.. الانتقال من مكان إلى آخر.. الاتصال والتواصل.. الحصول على المعلومة.. كلها تقع بسرعة كبيرة قد بُرمِجَتْ عليها الأذهان وتركبت على نسقها النفوس حتى أصبح الإنسان لا يطيق الانتظار لدقيقتين فوق الوقت، وقد يصاب بحالة من العصبية والغضب، وربما تعارك مع صاحبه من أجل دقائق معدودة، هذا والقراءة تحتاج إلى جلسة وقلم وورقة ورفق بأوراق الكتاب واحتضان له وقرب مما وراء رسمه، ويتكرر هذا مع نفس الكتاب مرة ومرتين وثلاث، إلى أن يكون لكل عالم ومفكر وصاحب أطروحات ونظريات وتحليلات وجُودُه الخاص عند من قرأ له، وهنا يكون القارئ أعقل الناس إذا ما استمر على جمع عقولهم إلى عقله، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “العقل غريزة تزيد بالعلم والتجارب”، وأي طريق إلى ذلك أعظم من الكتاب والورقة والقلم؟

وحقٌّ أن خير جليس في الزمان كتاب..

 

السيد محمد علي العلوي

17 ربيع الثاني 1435 هجرية

17 فبراير 2014 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *