الرئيسية / مقالات / التغيير بين مقبرية المحور وأفق التأصيل

التغيير بين مقبرية المحور وأفق التأصيل

يضج القرآن الكريم بآيات عظيمة تحث على التدبر والتفكر في الكون وأحداث الدنيا ووقائع الحياة، فهي المادة الخام لأي إبداع فكري يحمل رايته الإنسان، وكلما اشتدت قوة التفاعل التدبري بين الخارج الواقعي والذهني الاعتباري كلما تشكلت صور جديدة تُألفها شلالاتٌ من الصور التي تتدفق بلا توقف في لا وعي الإنسان، فإن كان واعيًا من ذوي الألباب استحضرها في وعيه محكومة بقوانين التأليف الصحيح لتبدأ عملية الإبداع وبالتالي الحراك الفكري الخَلاَّق.

إن لحركة الفكر هذه ضوابط وقواعد في غاية الدقة بحيث أنها ما إن تُخرق ولو كان الخرق خفيًا حتى يصاب العطاء الفكري بأعطاب يصعب علاجها، ومن القواعد المهمة في العملية الفكرية أن يكون المُكتسَبُ من الواقع الخارجي فكرًا حرًا مجردًا لا يرتبط في وجوده بإنسان أو مؤسسة أو حزب او ماشابه، فعندما تلتقط صورًا من الخارج ينبغي أن تكون هذه الصور محض فكرة أو نظرية او ثقافة، واقترانها بشخصية مادية أو معنوية يعني تعكر مزاجها وبالتالي سرعة زوالها بعد أن تُحدث تشوهات عميقة في داخل الذهن البشري على المستويين الواعي واللا واعي، وهذا قانون عام يشمل كل صورة مكتسبة حق كانت أم باطل.

أقرب القضية بمثالين..

الأول: نلاحظ أن ما نسميه اليوم بالغزو الثقافي الغربي للعالم ينتشر ثقافةً تتموضع في أصل الفكر العام فتتحول بشكل انسيابي جدًا إلى حالة طبيعية تُستهجن وتُستغرب معارضتها أو حتى نقدها، ولو أنك بحثت عن الجهة المصدرة لهذه الثقافات الجديدة فإنك لن تجد غير إجابات عامة عائمة غير مضبوطة، فهي في نهاية المطاف تستهدف شخصية المجتمع الذي تغزوه حتى يكون هو المتأثر بها اولًا والمصدر لها ثانيًا والمدافع عنها ثالثًا، ومن مميزات هذا النمط التغييري أنه لا يكترث بالمعارضات فلا يعمد لضرب أحد ضربًا مباشرًا كما وأنه لا يعادي أحدًا حتى لو كثر معادوه؛ والسبب أنه لا يشتغل بغير الانتشار الرأسي والأفقي في أصل الثقافة التي يغزوها والفكر الذي يعمل للسيطرة عليه، ولأنه لا يقترن في انتشاره بجهة مشخصة واضحة فإنه يبقى روحًا وإن زال صورة.

الثاني: عندما نراقب الأطروحات الفكرية والمحاولات التغييرية التي تطرح عندنا في الشرق خصوصًا فإننا نسجل عليها إصرارًا من ناسها على ربطها بشخصية فردية أو حزبية حتى أن الفكرة لا يصح ذكرها إلا بذكر صاحبها، ولا يستقيم التعامل معها إلا بموالاة مبتدعها، وبذلك يكون الابتعاد عنها أجدى وأسلم وإن كانت فكرة رائدة متألقة؛ والسبب أن المتمحورين حولها لا يَأمنون إلا بتصفية كل من يخالفهم في رمزهم الذي جعلوه قطب الفكرة وروحها، ونتيجة ذلك أن يكون التغيير الذي تحدثه تغييرًا قسريًا وهو سرعان ما يزول ويذهب ولكن بعد أن يخلف تشوهات يصعب ويصعب ويصعب إصلاحها.

فلنرجع إلى تاريخنا الثقافي قليلًا ونرى كيف أن أئمة معصومين يقومون بدور الخلافة الإلهية على هذه الأرض أسسوا للفكرة فاستقام أمرها حتى عند من لا يؤمن بولايتهم، ولذلك بقي التشيع بالرغم من كم الحروب الطاحنة التي أعلنها الظالمون عليه في كل زمان ومكان، بقي التشيع لأنه ثقافة لا يراها العاقل غير حق حقيق حتى لو جرد العالم من المعصومين مطلقًا، وفي مقابل هذه الحركة الناضجة نرى كيف أن حزب الشيطان لا يتمكن من الاستمرار إلا بطحن من يقف أمامه كائن من كان، وهذا الذي ظهر ديدنًا في الأمويين والعباسيين ومن خلفهم من أئمة الباطل.

نحتاج اليوم إلى إجابة واضحة على السؤال التالي:

هل نريد التغيير الإيجابي القويم دون النظر إلى اسم أو صفة؟ أم أننا نريد التصفيق حول اسم يطرح فكرة أو نظرية أو يطلق نداء، سواء تحقق التغيير أو ماع وتفسخ؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي لنا التنبه إلى استحالة الجمع بين طلب الفكرة ولصقها لصقًا لازمًا باسم طارحها، فقد قدمت بأن الفكر يريد صورًا معرفية مجردة، وما أن يتغير عنوان تجردها حتى سرعان ما تدخل بالناس في متاهات الصراعات والتورمات الثقافية.

إننا في الواقع نحتاج إلى فكر ينتشلنا مما نحن فيه من أزمات تذل عزيزنا وترفع أذلة الباطل على رؤوسنا، وهذا يحتاج منا إلى فهم دقيق لمعادلات التغيير وموزاين النهوض، كما وينبغي لنا أن نفهم جيدًا بأن أي تغيير صحيح لا يمكن له أن يتم، وإن تم فيستحيل استمراره إذا حُبس في زنزانة اسم لشخص كان أو لحزب، فالفكر النفسي لا يخفى عليه دقيق أبدًا، وتعلق الفكرة باسم يأخذه الفكر صورة واحدة لا يتمكن من تفكيكها، فهي انعكست فيه هكذا وحضرت عنده واحدة، ولذلك فإنه يعمد إلى المبالغة في تأبين صاحبها إذا مات، ليس تعظيمًا لشخصه أو فكره، ولكن خوفًا من انهيار الفكرة في داخله، ومع مرور الزمن يتحول الاسم إلى شبح، والاسماء إلى أشباح وإذا بفكرنا العام يظهر إلى العالم في قالب لا معالم له من الخرافات والوهميات التي ينزلها منزلة الثوابت والقناعات، وفي لحظة من لحظات الزمن نكتشف أن أصل الفكرة قد غاب وأساسها قد مزقته أنياب الأرَض.

إما إذا استقبل الفكر الفكرة مجردة فهو الفكر الحر الذي يعمل مهاراته النقية في تحريكها وتقليبها بين الأفكار قاصدًا الإبداع مريدًا للتغيير التصاعدي دون خوف من ضربة قد يوجهها مرموز أو طعنة يسدد سكينها مغموز، وهذا ما نفتقر إليه في ظل التلميع الغريب الذي مارسه بعضٌ مريب لعناوين أكثر ريبة من قبيل عنوان (الخط الأحمر) وعنوان (كله إلا….) في حين أنها كلها تقبع ذليلة تحت عنوانها الأصل وهو عنوان الإمعية الجهلاء..!!

طريق النجاة واضح يقدمه لنا قرآن عظيم وعترة طاهرة، كما وتدفعه العلوم من قبيل علمي النفس والاجتماع في عقول العقلاء، وملخص الكلام أنني لا أرفض وجود الرمز ولا أوجه لكسر القيادات، ولكنني أصر على ضرورة الفصل وعدم الربط بين الفكرة وطارحها خصوصًا إذا كانت فكرة صالحة رائدة، وأدعو بكل قوة إلى العمل الجاد على تحويل الأفكار الإبداعية إلى حالة ثقافية تُأصل في المجتمع من خلال الكتابة والنشر والمنتديات والمؤتمرات وما نحو ذلك، وهذا هو فقط الذي يضمن بقاء الروح فيها مهما تقادم عليها الزمن ومهما غيب الموت اجسادًا.. هذا إن كنا صادقين في حراكنا الفكري، ونحن كذلك إن شاء الله تعالى.

 

السيد محمد علي العلوي

8 صفر 1432 هجرية

13 يناير 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *