الرئيسية / مقالات / آيديولوجية (الأدلجة والأبستملوجيا)!

آيديولوجية (الأدلجة والأبستملوجيا)!

(الفكرة) باليونانية (آيديا)، والعلم أو الخطاب يسمى بلغتهم (لوغوس)، وتُكَوِّنُ الكلمتان دالًّا على (علم الفكرة، أو الأفكار)، ويسمى هذا الدال بالإنجليزية (Ideology)، ومدلوله بعبارة مختصرة: المنظومة الفكرية للإنسان، وقد يكون فردًا أو مجموعة أو مجتمع أو أمة.

تنكشف آيديولوجية الإنسان من خلال تتبع مجموعة مواقفه الأعم من القول والفعل والسلوك وما يتفرع عنها من نبرة الصوت وعموم الأخلاقيات والعلاقات وما نحو ذلك، فهي كلها معلولة لمركب ثقافي ثم فكري غاية في الدقة والتعقيد، وهو ما يسمى بالآيديولوجا.

وبالتالي فـ(الأدلجة) قد تكون إعادة تصنيع أو صياغة –إن صح التعبير- للمنظومة الفكرية، وقد تكون استثارة مقصودة للعمق الثقافي والفكري للإنسان.

إذا اتضح ذلك، فللمنظومة الثقافية والفكرية واقع ارتباطي حتمي بالوجود الذهني المفاهيمي للحقيقة والإيمان والتبرير، ولأن المنظومة الثقافية والفكرية راجعة في حقيقتها لطبيعة المعرفة، فإن الارتباط المشار إليه إنما هو بين المعرفة وهذه المفاهيم الثلاثة.

عندما نتحدث عن الآيديولوجيا أو الأبستمولوجيا أو الأنثروبولوجيا، فإننا في الواقع نتحدث عن علوم ومباحث جليلة جِدًّا، ومنشأ جلالها إنما هو لاتصالها بمخلوق شرَّفه الله تعالى بنور العقل.. إنه الإنسان.

ومن هنا، فإنَّ مثل هذه العلوم ينبغي أن تُقّرَّبَ من العقول بما يجعلها محلًّا لسكن العاطفة العلمية للإنسان، وهذا أمر في غاية الأهمية والخطورة.

كنت في بعض المحاضرات قد سجلتُ اعتِراضًا على تسمية الكتيبات الصغيرة بـ(السندويتشات)، فالعلم لا يمكن أن يكون (سندويتشة) ولو من باب التجوز والتقريب، فهذا –في نظري- تسخيف لا ينبغي على الإطلاق، وكذلك فإنَّ المبالغة في التقريبات بما يُتَفِّه الفكرة المعرفية (أعُدُّهُ) جريمة في حق الإنسان، وقد ظهرتْ في بعض السنوات الفائتة ثقافةٌ من هذا النوع، وأظنها تتخذ المصطلحات تسليةً أو مطيَّةً أو ربَّما تريد بها تنفير وإبعاد الناس عن متعة التتبعات العلمية؛ إذ أن الإكثار من استخدام الكلمات والعبائر المُغْلَقة يؤدي في الغالب إلى تسخيفها في ثقافة المجتمع البعيد عن التخصص.

ثمة خطر آخر قد يلاحظه المتابع لبعض المقالات و(التغريدات) اليومية، وهو استخدام المصطلحات العلمية في غير محلِّها، وربَّما يكون ذلك ممن يُظنُّ فيهم خيرًا، مما يكشف عن حالة من الحفظ دون الفهم والهضم والاستيعاب، ولا يخفى ما في ذلك من تضييع لبوصلة المعرفة في ثقافة المجتمع.

ما أريد قوله في هذه السطور المختصرة، وباختصار:

على الناس أن يُتقنوا التفاعل الإيجابي مع كل ما يطرح وبِحَسَبِهِ، فما يحتاج إلى تتبع، تتبعناه، وما يحتاج إلى تفريع فرَّعنا عليها، وما يحتاج إلى تأصيل أصَّلنا له، وبذلك نضمن التمكن من ناصية الفكرة الصحيحة وإن ضُلِّلتْ بمصطلحات مزيفة، فهذه الأخيرة لا تنطلي على إنسان قد اختار الوعي حاكمًا في حياته ومفتاحًا.

 

السيد محمد علي العلوي

الثاني من ذي الحجة 1435 هجرية

27 سبتمبر 2014 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *