الرئيسية / مقالات / نُرَمِّزُك.. وانطلق

نُرَمِّزُك.. وانطلق

خمسينيٌّ صرف ما لا يقل على العقدين من عمره في قريته من مجلس إلى مجلس وفي المسجد ومع الشباب في الأزقَّة والطرقات، وكان دمث الأخلاق حلو الجانب محبوبًا بين الأهالي والأغراب، وفوق هذا وذاك، فقد كان عالمًا عارفًا ذا بصيرة ونظر، ولكِنَّه لم يكن ليؤثر في مجتمعه الصغير بالرغم من الجهد العظيم الذي كان يُقدِّمه!!


آخر للتو تجاوز العشرين، تارة يلقي كلمة هنا، وتارة هناك، ولكِنَّه إذا قال، اتُّبِع، وإذا هلَّ انشقت له الصفوف..


سَمِعَهُ جِدارُ الصمت فلم يجد عنده شيئًا.. ولكِنَّه، يؤثِّر!


في يوم زار بعضُهم صاحبنا الخمسيني، بدأوا الكلام بالثناء عليه ومدح جهوده (الخيِّرة)، ثُمَّ قالوا له: نُفَكِّرُ في (ترميزك) والدفع بك للقيام بدورك (الإصلاحي) في المجتمع، ولكِن كل جاهزًا، فالغد لن يكون مثل الأمس؛ فأنت بعد (الترميز) سوف يزدحم المصلون خلفك، ولن يجد المتأخر عن (منبرك) مكانًا يجلس فيه.. فكن مستعدًّا.


أجرى مركزٌ للدراسات والبحوث استطلاعًا جماهيريًّا أوليًّا..


لماذا تقبلون على العشريني المتواضع علمًا ومعرفة، وتتهاونون في الاستفادة من الخمسيني الراسخ في العلم والمعرفة؟

لم يجب أحد بجواب منطقي مفهوم..


ولكنَّهم استمروا على ما هم عليه..!

…………………………………..
في تصوري أنَّ المجتمعات بشكل عام تعيش حالة متقدِّمة من فقدان الثقة في النفس بالقدر الذي يمكِّنها من استنطاق الفكرة واستثمارها والاستفادة منها، وهذه الحالة سارية من شخصية المجتمع إلى أفراده، وبالتالي فإنَّ الميزان في الأخذ والتفاعل هو ضمانة الجهة التي تحتضن المُعْطي وتقدِّمه بين الناس.


ولذلك، نجد الحالة الجماهيرية –في الغالب- تابعة للتسويق والدعم الحزبي أو التياري أو ما شابه، وهذا –إن صَحَّ- فهو يكشف عن غيابٍ خطيرٍ للوعي العام، ومن المظاهر الشاهدة –في نظري- احتضان الجماهير للشعارات والبيارق والأيقونات والترويج لها والدفاع عنها باستماتة، وعندما تتوقف لمراجعة معانيها معهم، فإنَّك تصدم بواقع يفصح عن جهل عميق، ولم يكن الترويج والدفاع إلَّا لكون تلك الشعارات والبيارق والأيقونات قادمة من ذلك التيار أو الحزب!


ذبلت الكثير من الجهود، وماتت طوائف من الأفكار والأطروحات والنظريات وبذور الخير، ليس لشيء غير إنَّها لم تُحتضن من حزب أو تيَّار يدفع الناسَ إليها، وفي المقابل انتشرت الكثير من الأفكار المعوقة، والنظريات التافهة والأطروحات الحصرمية، ليس لشيء أكثر من كونها مدعومة!


كم نحن في حاجة إلى الانعتاق من أغلال ضعف الثقة في النفس، هذا الضعف الذي أوقفني على مثقفين كبار لا أشك أيضًا في كونهم مفكرين، ولكنَّهم إذا وصلوا لبعض النقاط العلمية، تجدهم صغارًا ضعافًا أمام انتماءاتهم الحزبية والتيارية، فيتحول حديثهم من الإسناد المنطقي البرهاني الجميل، إلى المغالطات والمشاغبات الركيكة والوهنة!

لماذا؟

للحزب.. للتيار.. للانتماء السلبي..


نعم، الأحزاب مطلوبة، والتيارات كذلك، ولا غنى عن الانتماء، ولكن لكل ذلك حدود وأطر تجعل منها حالة إيجابية تكاملية، ولكنها اليوم على العكس تمامًا، وعلينا أن ننتبه ونعالج الخطأ بحكمة وروية ترفدها روح محبَّة للناس.

 

السيد محمد علي العلوي

27 يونيو 2015

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *