الرئيسية / مقالات / الديموقراطية والسياسة.. وحَيرَةُ الجماهير

الديموقراطية والسياسة.. وحَيرَةُ الجماهير

22 August 2015

أيُّ قيادَةٍ سياسيَّةٍ فإنَّها لا تتحرَّك في مشروع لها إلَّا من بعد الاتِّكاء بظهرها وأذرعها على صدر الجماهير، فهو الصدر الحاضن والقوَّة التي لا تزول، ولا يكون الاتِّكاء إلَّا برفع شعارات ترسم الجماهير قيادةً تَتَّبِعُها القوى السياسية بمختلف أطيافها!

يتحدَّثون عن أنَّ (الشعب مصدر السلطات)، وأنَّه (صاحب القرار)، و(لا شرعيَّة) لأحدٍ إلَّا به وبإمضائه..

خطاب جماهيري بامتياز تام، تندَّفع في أجوائه الجماهير مؤيِّدةً لمن يُحسِنه ويتقن فنونه، وتغوص فيه حتَّى تكون تلك الخطابات والشعارات مُصحِّحًا لمجمل ما تقوم به تلك القوى المُتَّبعة، فتتحول قواعد البشر إلى مشروع (تصويب) متحرِّك كما هو (التصويب) في الفِقه عند بعض المذاهب الإسلامية!

على أيَّة حال، فالقوى السياسية أصبحت رقمًا في الساحة، ولها حسابات رسميَّة خاصَّة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي يعلوها شعار خاصٌّ (Logo)، ومع كلِّ حدَثٍ تتواجد في الساحة ببيانات مطبوعة على أوراقها الرسميَّة ومُحكَمَة بختم مميز..

تتناقل الجماهير أخبارَ تلك القوى السياسية على اعتبارها الممثِّلة لتطلُّعاتِها الواعية، وبالطبع هي واعية، فقد قيل قبل أيَّام عنها أنَّها (مصدر السلطات)، و(صاحبة القرار)، و(منبَّع الشرعية)، وأنَّها القيادة، وبالتالي فهي بالطَّبع واعية وتطلُّعاتها مثلها واعية..

مضت الأيَّام وأخذ كلُّ طرفٍ مكانه في معادلة العمل السياسي، وإذا بـ(مصدر السلطات)، و(صاحب القرار)، و(منبَّع الشرعية)، يُصبِحُ بين ليلةٍ وضحاها (عوام)!! (عوام) لا يفهون في السياسة ولا يتمكَّنون من استذواق عقلية (اللعبة)، وعليه، فمن الخطأ تعريفهم بمفاصل الفكرة، فضلًا عن تمكينهم إيَّاها، ولكَنَّ هذا لا يُقال لهم؛ إذ أنَّ الحين قادم، وسوف تتجدَّد الحاجة للخطاب الأوَّل!

تبدو لي كلُّها كلعبة كرة القدم التي لا تحلو مبارياتها إلَّا بالجماهير، ولا تحلو الجماهير إلَّا بالتشجيع والصياح والتفاعل، وربَّما القبول بحالات (السكتة القلبية) عندما يستلزم الأمر..!

ولكِنَّ هذه الجماهير شيء وما يحدث في الملعب شيء آخر، فهم بالنسبة للاعبين (عوام) لا ينبغي لهم تجاوز الفهم العام (ضربة مباشرة.. ضربة غير مباشرة.. ضربة جزاء.. تسلُّل.. هدف.. وما نحو ذلك)، وأمَّا ما لا يقال، فهو من الأسرار التي تُفسِدُها معرفة الجماهير.

في الملاعب لا تُرفَعُ الجماهير بالشعارات والخطابات الجماهيرية، فهي تعرف حجمها وتقبل به وتستمتع بمتابعة المباراة، وهذا جيِّد إلى حدٍّ ما، ولا ينبغي هنا ذكر (المافيا) ويدها الطولى في مجمل المسابقات الرياضية!!

على أيَّة حال.. في السياسة يختلف الأمر..

في السياسة، تتعرَّض الجماهير إلى (نفخ) في الظاهر، و(سلخٍ) في الباطن، فهم في الحقيقة التي يراها (السياسويون) (عوام) لا يفهمون.

الجماهير في حَيرَة، فهل هم (مصدر السلطات) أم مجرَّد (عوام)؟

لماذا يسمحُ الإنسانُ لنفسه أن يكون وقودًا لرؤى غيره؟

دعوني أقولها..

لو ارتقت الجماهير بثقافاتها ومعارفها وعلومها، لما وجد لا (الساسويون) ولا غيرهم محطَّ قدمٍ لهم بينهم، ما لم يحترموا عقول الناس حقَّ احترام وتقدير، وهذا لا يكون إلَّا بقرار جماهيري يبدأ برفض القبول بالدونية، وإن غُلِّفت بآيات الاحترام و(النفخ).

لو أنَّنا نخرج قليلًا عن الإطار السياسي، فإنَّه سرعان ما سوف يتَّضح لنا استنساخ نفس الحالة في مختلف الميادين.. فقط افتح النافذة وانظر..

قد يقال:

لا بدَّ من التخصُّص، وليس من المنطقي فتح الباب أمام الجميع للإفتاء!

أقول: هذا صحيح تمامًا، ولا أعني من كلامي ما تذهبون إلى ردِّه، ولكنني أطلب من المتصدِّين سواء في ميدان السياسة أو الدين أو الاقتصاد، أو غير ذلك، الوضوح في الخطاب..

ننتظر من السياسي أن يقول:

أنت أيُّها الشعب لست مصدرًا للسلطات، ولكنَّك ظهرٌ وشرعيَّةٌ لي، وأنا مصدر السلطات بتمثيلي إيَّاك، وهذا برنامجي السياسي بكلِّ وضوح، وما أن أنجح بفضل دعمك فإنني لن أخبرك بكل شيء، ولن أكون واضحًا معك بالقدر الذي تتصوَّره، فما أطلبه منك هو الثِقة لفترة تعقبها محاسبة.

المشكلة أنَّ الخطاب السياسي يُظهر الجماهير وكأنَّها الصانعة للقرار، وليست القوى السياسية أكثر من منفِّذة له، والواقع أنَّ الجماهير تدفع القرار الذي اتخذته تلك القوى.. لا أكثر..!

(jocker)  يستعمله المتصدُّون وقت الحاجة، واستعماله يعني التضحية به لجمع نقاط أكبر..

أذكر حلقات (telematch) وفنون استعمال الـ(jocker)  فيها.. واقع مؤسف..

السيد محمد علي العلوي

22 أغسطس 2015 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *