الرئيسية / مقالات / مقولةُ: الإسلام السياسي

مقولةُ: الإسلام السياسي

مقدَّمتان:

الأولى: ليست الألفاظ إلَّا مجموعة حروفٍ تواضَعَ الناس على تراكيب معيَّنةٍ لها، ثُمَّ يُستعمل كلّ مركَّبٍ حرفي للدلالة على معنى ينتَّقِلُ إليه الذهن بمجرد سماع اللفظ (الكلمة).

من هنا نفهم أنَّ قيمة الكلمة إنَّما هي ببركة إضافتها للمعنى الذي وضعت للدلالة عليه، وإلَّا فهي بما هي تركيب حرفي، لا تتجاوز كونها أنغامًّا صوتية تصدر عن الإنسان.

هذا بحسب بعض النظريات، ولا أختلف معها في النتيجة، بالرغم من أنَّ العلاقة التي أراها هي علاقة عضوية بين الألفاظ ومعانيها، وأعتقد بأنَّ لكُلِّ معنى مجموعة من الدوالِّ اللفظية، لا يتمكن الإنسانُ من الخروج عنها إلى غيرها، وعندي على هذه النظرية استدلالات خاصَّة ليس المقام مقامها.

تريد هذه المقدَّمة التأسيس إلى أنَّ الكلمة ليست مجرَّد صوتٍ يُحدِثه اللسان للدلالة على معنى يريد إخطاره في ذهن السامع، وبالتالي لو أنَّ هذا الأخير فهِم المعنى بغير هذه الكلمة، كان المطلوب قد تحقَّق..!

هذا خطير جِدًّا، فقد نتمكن من مناقشة إمكان القبول بتبرير الغاية للوسيلة في بعض المواطن، ولكنَّني أرفض بشدَّة التنازل عن الدال اللفظي؛ وذلك لاعتقادي الكبير بالعضويَّةِ بين الألفاظ ومعانيها، وقد تُفتَحُ الأذهان على هذا البحث المهم من خلال تأمل (الأسماء) في قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)؛ ما أراه هو أنَّ كلَّ الأسماء ترجع إلى تلك الأسماء التي عُلمها آدمُ (عليه السلام).

قد يقال:

إذا كنتَ رافضًا لإمكان استعمال اللفظ للدلالة على معنى لا يرتبط به ارتباطًا عضويًا، فما هو المبرر لاعتراضك على استعمال الألفاظ في غير المعاني التي وضعت لها؟

أوليس هذا غير ممكن بحسب الدعوى؟

الجواب:

عندما نستعمل لفظًا في غير محلِّه، فالاستعمال بما هو استعمال ممكن، ولكنَّه ولفقدان الرابطة العضوية يعمل مباشرة على إحداث انحرافات ثقافية خطيرة، والمحل الأبرز لخطورتها هو خفاء الخطر وعدم الالتفات إلى الانحراف مهما كان عظيمًا، وأكثر من ذلك أن المجتمع يتحوَّل للدفاع عن انحرافه الثقافي ومناشئه، وباستماتة غريبة، ولذلك أتجنَّب ذكر الشواهد؛ حفاظًا على موضوعية المقال من الحرفِ عن مساره (بفعل فاعل).

من هنا، وانطلاقًا من هذه الرؤية، أعتقد بضرورة التركيز على المفاهيم وما يدل عليها من تراكيب لغوية، والنظر في مصادرها وأصولها وما يقع في طريق إرجاعها، ولذلك أجدني مهتمًّا بمناقشة الكلمات والنظر في أبعادها الدلالية.

الثانية: قامت النظرية الرأسمالية على فكرة (اقتصاد السوق)، وهو النظام الاقتصادي لليبرالية الكلاسيكية التي تكون الليبرالية الاقتصادية مكوِّنًا عضويًا فيها، ومعنى ذلك أن تُترك إدارة السوق للسوق، ولا يُسمح للدولة بالتَّدخل للحدِّ أو لتأطير الحركة التجارية فيه.

لم يتمكَّن الأخطبوط السياسي من تحمُّل الفرز الحادِّ الذي يُحدِثُه السوقُ في المجتمع، والأمر راجع إلى عجزهم عن إيقاف الجشع والطمع الملازم لعملية دوران المال ونموه، وهذا هو المُنتِّجُ إلى واقع السيد والعبد في ثوب جديد تُفصِّله الرأسمالية بمِقصِّ (اقتصاد السوق).

للحدِّ من هذه المشكلة التي يراها أخطبوط السياسة مُدَمِّرة، تدخَّلَ عِلمُ الاجتماع ببحثٍ قدَّمه حلًّا لمشكلة (اقتصاد السوق)، أسماه (الاقتصاد السياسي)، ومُلخَّصه تحكيم المصلحة السياسية العليا، والأداة لتحقيق ذلك هي ترك السوق (حرًّا) بما يتوافق مع المصلحة السياسية العليا، ومن جهة أخرى (توجيه) السوق بِحسَبِها.

من هنا نُدرِكُ أنَّ (الاقتصاد السياسي) جاء في قبال (اقتصاد السوق)، وهذا مُمكِنٌ بحسب طبيعة المفهومين؛ حيثُ إنَّ الاقتصادَ شيءٌ والسياسةَ شيءٌ آخر، ويمكن دمجُهُما في عنوان أكبر، كما يمكن الفصل بينهما تمامًا.

مقولة: الإسلام السياسي:

لاحظنا هناك تدخُّل السياسة للسيطرة على العناوين (الاقتصادية)، وهذا ما هو معروف من معنى (الاقتصاد السياسي)، ولكِنَّ الحديث اليوم عن (الإسلام السياسي)، ولسنا في حاجة إلى جهد كبير حتى ندرك حقيقة الانتقال الذهني عندما يُسمع هذا اللفظ، وهو الانتقال إلى تدخل (الإسلام) للسيطرة على العناوين (السياسية)، وهم يذكرون هذا الدال اعتراضًا على أن تكون السياسة تحت تدخُّلات (الإسلام).

نعم، قد يقبلون بأيِّ تدخُّل في (السياسة)، ولكِنَّهم لا يتمكَّنون من تحقيق أدنى تجاوب مع عنوان (الإسلام) في المعادلة السياسية، وذلك بدعوى أنَّ الإسلام عاجز عن الفهم السياسي، أو عن أن يكون عامِلَ تقدُّم في الحركة السياسية!

هنا أتساءل:

أين هو النجاح السياسي الذي تبحثون عنه بعيدًا عن الإسلام؟

هل حقَّقت السياسة العالمية بسلطتِها (هنا) ما حقَّقته وبمقاسات معيَّنة في بعض دولها (هناك)؟

من أشاع الديموقراطية (التي تطالبون بها) هناك، لماذا يعمل (بخلافها تمامًا) هنا؟

بل كيف يتعامل في عقر داره مع المعارضة السياسيَّة إذا زادت عن الحدِّ الذي رسمها (هو) لها؟

فلنبحث عن نسبة المحللين السياسيين الذين يرون ظلمَ وجورَ الإدارة السياسية العالمية وازدواجية معاييرها وما نحو ذلك من سيِّءِ الأمور وأسوَئِها.

وحتى لو تجاوزنا الانتهاكات العظيمة من رواد (الديموقراطية) في تعاملاتهم مع دول العالم، كما كان مع جواتيمالا عام (1952) عندما اصطنع ودعم الأمريكيون فيها، وبإدارة كارتر انقلابًا عسكريًا قوَّض كلَّ جميلٍ جاء به التغيير السياسي المحلِّي منذ (1944)، والحجَّة في ذلك: إنَّ ما يحدث في جواتيمالا يخالف المصالح الأمريكية!

وكما صنع كندي في (1964) مع البرازيليين عندما أحدث انقلابًا عسكريًا هناك قضى به التجربة الديموقراطية.

وأمَّا طاغية نيكاراجوا (اناستاسيو سوموزا) فهو تحت العناية الأمريكية؛ لأنَّه يخدم مصانعها!

لو تجاوزنا كلَّ ذلك، وأخذنا نظرة سريعة في تاريخ الرقي الديموقراطي لتمثال الحرية، فهناك مزرعة قد غطَّتها ألسنة اللهب التي أضرم نارها أمرٌ من مكتب التحقيقات الفيدرالي..

إنَّها مزرعة الفرع الداوودي التي شهدت مقتل قرابة الثمانين (إنسانًا) رُبعهم من الأطفال!

لماذا؟              

هناك شخص يحمل عقائد فاسدة ويدَّعي النبوة، كان على رأس مجموعة آمنت كما آمن بأفكار دينية قد طلَّت برأسها في العام (1935) تقريبًا، وعندما حمل هو الراية أُحرق في مزرعة الجماعة عام (1993)!

لا تهمُّني ظروف القضية الآن، ولكِنَّني أذكر حجم الإنسانية التي يعيشها أكابر دعاة الديموقراطية، وخصوصًا إذا ما تعلق الأمر بوجودهم السياسي، ويبدو أنَّ (ديفيد كوريش) قد مسَّ هذا الخطَّ (الأحمر)!

وهذا مع الإغماض عن حجم صناعة المخدِّرات وتصدير الدعارة ثقافةً ومادةً، وغيرها من مُدَمِّرات للإنسانية بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى..

كل هذا مقبول، وكلُّه جميل، وكلُّه ديموقراطية، وكلُّه رُقِي وتقدم وعدالة، ولكِنَّ الحديث إذا جاء عن الإسلام، فإنَّهم لا يذكرون غير التطرف والطائفية!!

باتت كلمة (الطائفية) ملتصقة تمامًا بـ(الدين)، هذا وهي لم توضع لخصوص هذه الدائرة، فالطائفية هي العمل بحسب الانتماء للطائفة، دينية كانت أو اجتماعية أو فكرية، وقد يقال عن (الحقوقي) أنَّه طائفي إذا ما صادر الآخرين لمصلحة ما يؤمن به، فالطائفية قائمة عند بعض السياسيين والحقوقيين والاقتصاديين وغيرهم، أكثر مما هي عليه في دائرة (المتديِّنين)، بل أنَّ الأكثر يمارسون أقسى درجات الطائفية عندما يتَّهِمون المتدينين بالطائفية!

إنَّهم يرفضون ما يرونه تدخُّلًا من (الإسلام) في (السياسة)، ولكِنَّهم يسوِّغون لأنفسهم اقتحام وانتهاك ما يشاؤون من (الإسلام) بعقلياتهم (السياسية)، وهذا من أكثر الازدواجيات وضوحًا.

عن ماذا يبحث الناس، نُخَبًا ودون النخب؟

أهي مسألة تدوير نيابي على طريق تحقيق العدالة الاجتماعية؟

وهل تحتاج العدالة الاجتماعية إلى مطالبة في دولة (مدنيَّة) وربَّما (ليبراليَّة).. (علمانيَّة)؟

راجعوا (الإسلام) وانظروا في قواعده السياسية من ألفها إلى يائها، وقابلوا مقابلة علمية بينها وبين دساتير وأنظمة العالم من ألفها إلى يائها، ثمَّ بيِّنوا رفضكم للإسلام حاكِمًا، ولكِن لا يليق بأمثالكم من السياسيين الواعين الفاهمين استيراد مُصطَلَحٍ ملؤه مخالفات علمية، وإسقاطه على (الإسلام) لتعلنوا بعد ذلك رفضكم لما أسميتموه (الإسلام السياسي)!

تعالوا إلى نهاية المطاف وارفضوا (الإسلام) حاكمًا، وهذا شأنكم، ولكِنَّه من المعيب أن تتحسَّس قاماتُ مثل قاماتكم من أيِّ طرح سياسي يعلوه اسم (الإسلام)، وفي نفس الوقت تحملون كامل الاستعداد لتبرير أيِّ تراجع قيمي بتبريرات (الحِنكة السياسية) و(فنِّ الممكن).

قد يكون السياسي على دراية كبرى بمختلف الدساتير وأنظِمة الحكم العالمية، كما وأنَّه يمتلك القدرة الكافية لمناقشتها وتحليلها وما نحو ذلك، ولكِنَّه لا يرى أهميَّة لمطالعة كتابٍ وازن في (سياسة الإسلام)، ومع ذلك، يرفضه ويذم ما لقِّم لفظه، وهو (الإسلام السياسي)!

قد يرى البعض بساطة الأمر، فأحيله إلى المقدمتين، قبل وبعد التحذير من قبول التعاطي مع مثل هذه المفردات الخارجة تخصُّصًا عن أدنى موازين النظر العلمي.

قد تصلون إلى نتيجة مضحكة، وهي أنَّ القضيَّة كل القضية، لن تخرج عن كون الإسلام نظامًا ينادي بالقيم وحدودها، وهناك من لا يرى في التعرِّي – مثلًا – انتِّهاكًا للقيم الإنسانية، ولذلك رفض (الإسلام)، ثمَّ توغَّل في عمق مجتمع المتديِّنين وحصرهم في ثقافة واحدة، هي ثقافة رفض ما أسماه (الإسلام السياسي)، وجعل هذا الرفض في نظرهم تديُّنًا (إسلاميًّا)..

ولا ينقضي العجبُ!

 

السيد محمد علي العلوي

29 أغسطس 2015 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *