الرئيسية / مقالات / مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 1

مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 1

سوف أُعرِضُ عن ذكر الأسماء؛ لئلَّا تنصرف بعضُ الأذهان للجدل حولها وتترك جوهر المقال، ولكنَّني أشيرُ إجمالًا إلى أنَّ زمنًا لم يخل من تعرُّض علماء الدين فيه إلى هجمات متنوعة المستويات، فمنها ما كان بقيادة أقرانٍ، ومنها ما اندفعت فيه عامة الناس، وأخرى أمَّتها جهاتٌ خارجيةٌ كانت ولا زالت تتربص الدوائر بالإسلام وأهله.

وليس بخاف أنَّ الأنبياء والرسول هم أوَّل من واجه هجمات التسقيط والإهانة والتضعيف حتى مِنْ أصحابهم، ثُمَّ جاء دور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لتتكرر معهم جولات الحرب الاستهدافية السافرة.

قد لا يكون شخصُ النبي أو الإمام أو العالِم أو ما شابه مُهمًّا، ولكنَّه يكون كذلك إذا ما لوحظت آثار تقدُّمه لبناءٍ جماعي جماهيري، أو ما يحمل من أفكار تهدِّد، أو لا أقل تقابل أفكارًا تقود المجتمع أو يُسَيْطَرُ بها عليه، وهنا تشتغِلُ (الأنا) بمختلف أشكالها لتواجه هذه الظاهرة الجديدة التي تعتبرها عدوًّا مباشِرًا؛ فوجود شخص يمتلك ما قد يستميل الجماهير أمر لا يمكن السكوت عنه عند (الأنا) الفاعلة..

ومن هنا تبدأ الحكاية..

يحتاج المقام إلى مقدَّمةٍ احترازية حول حاجتنا إلى النقد والتصحيح دائِمًا، وهو أمر لا ينبغي أن يُستثنى منه أحدٌ غير المعصوم (عليه السلام)، ولكن من المهم الانتباه إلى أنَّ المقال ينبغي أن يناسب المقام، فالخطاب النقدي الموجه إلى السياسي، يختلف عن مثيله الموجه إلى الفقيه، وهكذا ينبغي أن لا نغفل أهمية المقام في مجمل مقالاتنا وحواراتنا، بل وحتَّى فكرنا ونظرنا، فالنقد غير ممنوع، ولكِنَّ لسانه يختلف بحسب مجموعة من الاعتبارات التي تراعيها منظومة الخُلق الوازنة في التعاطيات المجتمعية.

ما أحاول مناقشته في هذه السطور هو الأجوبة المحتملة على السؤال التالي:

هل ما نشهده من خطاب يستهدف مراجع وعلماء الدين هو خطاب نقدي طبيعي، أم لا؟

الجواب الأوَّل: نعم.

الجواب الثاني: لا.

الجواب الثالث: نعم ولكِنَّ الكلام في الأسلوب والصياغة والآلية.

مناقشة الجواب الأوَّل:

عندما يعاني المجتمع من ظاهرة سلبية في بعض أفراده، فإنَّه ينزعج منها على اعتبارها ظاهرة شاذة لا تناسبه، وقد تكون لباسًا معينًا أو سلوكًا عمليًا أو أيَّ شيء لا ترتضيه طبيعة المجتمع ويرفضه عرفه العام، وفي مثل هذه الحالات يبادر نفس المجتمع بمعالجة الظاهرة، ولكِنَّها قد تتفاقم إذا كان العلاج موجَّهًا إلى المفردة الخاطئة في المشكلة.

في الغالب الأعم يتوجه النقد الحاد أو العقاب إلى المُجسد للظاهرة المرفوضة، في حين أنَّه لم يُوجَد من نفسه، فهو بالضرورة نتاجُ واقِعٍ قبله، ربَّما يكون نفس المجتمع، وقد تكون الأسرة، وهذه الأخيرة في خللها ترجع أيضًا إلى دائرة أخرى، وسوف ينتهي الأمر إلى خلل ما في مكان ما في نفس المجتمع.

القاعدة العامة أنَّنا كأفراد صنيعة الثقافة المجتمعية التي عادة ما تكون صارمة بألوان وأشكال مختلفة بين الظاهر والخفي والبارز والمستتر، وكلُّها يعمل مباشرة في صياغة الأفراد كل بحسبه.

عندما نتحدَّث عن مراجع الدين، فنحن في الواقع نتحدَّث عن العالم، وعندما نتحدَّث عن العالم فنحن في الواقع نتحدَّث عن طالب العلوم الدينية، وهكذا سوف نصل في نهاية المطاف إلى المجتمع، فهو الذي أنتَّج وينتِّج أنماط الشخصيات، وحتَّى نغير فلا بُدَّ من إحداث تغييرات ثقافية تُنتِج التغيير الذي ننشده، وإلَّا فالتغييرات التي نراها ليست أكثر من تغييرات تخديرية تنتقل من جهة إلى جهة أخرى فنتوهم نجاحنا.

ثُمَّ إنَّ المجتمع ليس فقط الدائرة الضيقة التي قد نتمكن من التعامل معها، فالمجتمع يعني مجموع الظروف الثقافية من سياسية وأمنية واقتصادية وإعلامية وما نحو ذلك مما يعملُ بقوة لا نظير لها في صياغة الشخصيات الفردية مثلي ومثلك، والشخصيات المجتمعية مثل هذا الكيان السياسي أو ذاك الديني..

أعتقد بأنَّ من المشاكل المعطلة عن الحلول قراءة المفردة دون التفات إلى سياقها الظرفي، فصاحب الخطاب الذي يسمى اليوم (نقدًا) ينظر إلى نفس ما لا يعجبه، ثُمَّ يقول: يجب عليه كذا، ويجب أن ينتهي عن كذا!

هذا خطاب قاصر جِدًّا ولا علاقة له بالنقد لا من بعيد ولا من قريب، ومن خلفه ما أنتَّجه أيضًا، وهو ما نناقشه في المقال القادم إن شاء الله تعالى

 

السيد محمد علي العلوي

14 نوفمبر 2015 ميلادية

2 صفر 1437 هجريَّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *