الرئيسية / مقالات / مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 4

مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 4

حاولنا في حلقات ثلاث مضت مناقشةَ مسألة توجيه النقد إلى علماء الدين بشكل عام والمراجع المجتهدين على وجه الخصوص، وكُنَّا قد انتهينا إلى أنَّ النقد ضرورة لأيِّ مجتمع يطلب التقدُّمَ والرقي؛ وذلك لكونه المُبرِزَ للنواقص التي يحتاج الإنسانُ لمعالجتها على طريق التكامل وفي رحلة الظهور الإنساني على الخلق كُلِّه، والذي به يُظهِرُ اللهُ تعالى الإسلامَ على الدين كُلِّه، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)؛ إذ أنَّ الهداية وجودٌ تابِعٌ للكمال الإنساني في مختلف أبعاده، وقد قلنا بأنَّ هذه الغاية متوقِّفة على مستوى الصدق في الكشف عن النواقص ثُمَّ القدرة على معالجتها في ضمن الأطر الموضوعية والعلمية الصحيحة.

في هذا المقال أُحاوِلُ الإقفالَ بحلقة أخيرة أبيِّنُ فيها ما أراه في خصوص الجدلية محلِّ الكلام من حيث مناشئها والعوامل التي تعمل على تأجيجها بشكل مستمر.

انتشرت في السنوات الماضية مقولةٌ يوظِّفُها البعضُ لتغليب رأيه والانتصار لرؤاه، ومُفادُها عدم الحاجة إلى رأي الشرع في هذه المسألة أو تلك؛ والسبب هو عقلائيتها أو كونها من البدهيات ورُبَّما نُسِبَتْ إلى الفطرة، فيقال:

لا نحتاج في هذا الأمر إلى فتوى..

أو: لا نحتاج إلى تدخل الفقيه في مثل هذه المسائل..

في الواقع، لم تكن البشريَّةُ في حاجة إلى أديان سماوية لتسيير أمورها، فقد قامت حضاراتٌ وسجَّل التاريخُ الكثيرَ من الإنجازات المدنية الرائدة قبل الآلاف من السنين، ولم يكن الكثيرُ منها على غيرِ ديانات أرضيَّةٍ ابتُدِعت فاتُّبِعت، كما وأنَّها لم تكن في غربَة عن تنظيماتِ وأنظِمَةِ الحياة الاجتماعية العامَّة، فقد كان للزواج نظام وللدولة نظام وللمعاملات التجارية نظام، وغير ذلك من شؤون الأخلاق والأدب وما نحوها، فما وجه الحاجة إلى الديانات السماوية إذن؟

ما أعتقده هو أنَّ الأديان السماوية إنَّما كانت لتقويم وتقنين أمور الإنسان من بعد توجيهها التوجيه الصحيح؛ ففرقٌ بين أن يبني المجتمع حضارته للدنيا، وبين أن يبنيها لله تعالى وتحقيقًا لغاية الخلافة التي من أجلها أُنزل إلى الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً).

يمتلك الإنسانُ حَقَّ الدفاع عن نفسه، وهو حَقٌّ عقلي لا يَحتَمِلُ أدنى جدل، ولكِنَّ الدينَ جاء ليضعه على سِكَّةِ موازين قِيمِيَّة تُبعِده عن السلوكيات الجائزة لسائِرِ من ثبت له هذا الحق، كالحيوانات بشتَّى صنوفها، ولذلك فإنَّ الإنسانية في حاجة إلى ما يقوِّم أخلاقها تجاه حقوقها.

نعم، فمن حقِّ المجتمع البشري ممارسة التجارة بيعًا وشراءً وتملُّكًا وتصرُّفًا، والأديان تُقِرُّ هذا الحقِّ دون كلام، ولكِنَّها تأتي مقنِّنَةً له بما يُبَعِّد الإنسانية عن شرور الأطماع والاحتكارات وما نحو ذلك..

هل يحتاج المريض لفتوى تجيز له الذهاب إلى الطبيب؟

لا يقول أحدٌ بذلك، ولكِنَّ هذا العلاج عرضةٌ لعناوين أخرى تفتقر إلى رأي الشرع دفعًا لاحتمالات الوقوع في زلَّات أخلاقية وما شابه، فقد وقع من وقع في أمراض معنوية ونفسية وهو يعالج أمراضه العضوية، وهذا فضلًا عن حقوق الجسد في أعضائه وما نحو ذلك مما هو مملوك لله تعالى ولا يجوز التصرُّف فيه إلَّا بإذنه.

ما أعتقده أنَّ بعض المتخصِّصين في مختلف العلوم الطبية والسياسية والاقتصادية وغيرها قد وقع في محذور (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)؛ إذ أنَّ أولئك قد وصلوا إلى حدٍّ ظنُّوا فيه أنفسهم مستغنين بآرائهم ورؤاهم، حتَّى أصبحوا رافضين إلى الحديث عن الرأي الشرعي في مسائلهم العلمية، ويسمُّون ذلك تدخُّلًا!

في الواقع أنَّ الشريعة الإسلامية لا تتدخَّل في أصل العملية الجراحية الطبية، كما وأنَّه لا شأن لها بالرؤية السياسية بما هي اجتهاد بشري، ولكِنَّها تَضَع هذا وغيرَه في ميزان الحكم الشرعي، فالأولى –مثلًا- حَقٌّ طبيعي، ولكِنَّ انكشاف العورة أمام الأجنبي حرام شرعًا، ولذلك يُقدِّم الفقه حلولًا لإجراء نفس العملية في أجواء شرعية سليمة، وهكذا هو الأمر في مختلف الحقول والميادين.

يرى البعض أنَّ الفقيه لا يفهم في الطب، وبالتالي لا يحِقُّ له التدخل في مسائله.

هذه الفكرة خاطِئَةٌ تمامًا، والصحيح أنَّ الفقيه يضع عمل الطبيب في أجواء مُعينة تقتضيها الموازين الشرعية دون تدخُّلٍ في أصل عمله، وهكذا هو مع غيره من مُهَندِّسٍ وسياسي واقتصادي..

بالنسبة لي، فإنَّني على يقين تام بأنَّ الإسلام يمتلك رؤية رائدة ناضجة لنظام الحياة، كما وأنَّه يمتلك القدرة الكافية لإدارة شؤون الإنسان سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتربويًا (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، ولكِنَّني على يقين أيضًا بأنَّ إسلامنا العظيم لا يفرضه نفسه على المستغني عنه، ولكِنَّه يحتفظ بحقِّ التدخل لمنع المخالفة الشرعية.

إن كنتَ طالبًا لدولة مدنية ديموقراطية، فهذا شأنك، ولكِن ليس من حقِّك مخالفة الموازين الشرعية فيها، وهذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا تمامًا، ولكِنَّه ليس كذلك في واقع الأمر، ومن هنا نرى اتِّساعًا في التباعد بين بعض المثقفين من جهة والعلماء من جهة أخرى.

نشأ عن هذا التباعد نوعٌ مِنَ التضاد بين الطرفين، ومن ذلك تكوَّنت حالةُ التصيد وتتبع الزلَّات، فهذا يتَّهِمُ الآخر بالحداثة وما في حُكْمِهَا، والآخر يتَّهمه بالتدخل في ما لا يعنيه، ومن مواقع النزال كان ميدَانُ النَقد..!

يبدو لي واضحًا أنَّ التنازعَ يحطُّ من القِيَم ويدفع إلى استصغار الآخر وتصغيره بين الناس، وفي هذا الحقل يتحرَّك الشيطان بنشاط كبير، فيبتكر لضحاياه أشكالًا من الأسلحة وأسلحة الرَدِّ، وفي دوامة التجاذب تضيع البوصلة ويصعُب تحديد معقد الخطأ..

تنتُّجُ عن هذه الحالة مستويات مرتفعة من التهمة المستترة خلف عناوين النقد وحرية الرأي والتعبير، وهذا ما أراه واضحًا أيضًا، فكلام البعض عن العلماء ومراجع الدين أقرب ما يكون إلى التهمة والاستنقاص والتصغير منه إلى النقد الموضوعي المُتَّزن، ولذلك نشهد استنفارًا من الجهة الأخرى ورفعًا لأسلحة الدفعِ والصدِّ والردعِ، والتي يَحْمِلُهَا الآخرون على التكبر والاستعلاء وما شابه.

في تصوري أنَّ حلًّا لن يُجدي ما لم نعمل على إزالة الأجواء المتوتِّرة، أو لا أقل التخفيف منها، فنحن اليوم في حاجة إلى التكامل الذي يصنعه التقارب عن وعي بين مختلف فئات المجتمع، ولا أتصور وعيًا ما لم يتحقق في عمقنا الثقافي فهمُ التركيبة الإدارية التي أرادها الله تعالى لهذه الأرض، وهو ما يحتاج إلى كثير تجرُّدٍ وتخلصٍ من (الأنا) الضيقة.

 

السيد محمد علي العلوي

5 ديسمبر 2015 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *