الرئيسية / مقالات / القراءة والكثرة.. والفكر

القراءة والكثرة.. والفكر

ليست الكثرة مذمومة دائمًا؛ إذ أنَّه لا فرق بينها وبين القلَّة ما لم تُعتبر حيثية أخرى في الأمر، فالكثرة العسكرية أداةُ حسمٍ رئيسيَّةٍ في ميدانِ القِتال، ولكنَّ العقل الراجح يُغيِّرُ المجتمعَ البشري وإن كان مفردًا، ومن جِهةٍ أخرى يذمُّ اللهُ تعالى الكثرةَ عندما يكونُ الحديثُ عن الحقِّ واتِّباعه (لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، وهكذا فإنَّ المدارَ مدار البُعد والحيثية المأخوذة في القضية.

لو أنَّنا ننظر إلى وعاء الإنسان لوجدناه قابلًا لتلقي ألوانًا متكاثرة متعاظمة من العناوين فنونًا وعلومًا وما نحو ذلك؛ فحاله حال المكتبة التي تستريحُ أعدادٌ من الكُتُبِ على رفوفها، وكلَّما توسَّعتْ وازدادتْ رفوفُها عددًا، كلَّما تمكَّنتْ من احتضان كتبٍ أكثر، وهو كذلك، فباتساع مزاجه تتسع قدرتُه على اختزان عددٍ أكبر من الكُتُبِ والمعلومات والأرقام والأسماء والتواريخ، وقد يتحرَّكُ متقدِّمًا فيتمكَّنُ من الاستشهاد، وربَّما الإرجاع، وبذلك يتميَّزُ عن المكتبة ورفوفها.

هذا، ولكنَّه لن يتميز عن حمامةٍ تغادر بيتها مبتعدةً  لساعات ثُمَّ أنَّها تعود إليه على هدي دون عناء، فهي بهذا القدر تُدرِكُ جزئية معينة، وهي أنَّ هذا المحل محل راحتها، ولكِنَّها لن تتمكَّن من النظر في أفراد أخرى متشابهة لتستل منها مفهومًا عامًا مثل (مفهوم) الراحة، ولأنَّها عاجزة عن ذلك تكوينًا، فنحن لا نتوقَّع منها رؤى مترتبة على (مفهوم) الراحة.. وكذلك هو، يكتنز في ذهنه مجموعةً كبيرةً من الجزئيات، ولكِنَّه لن يستقل بمفاهيم خاصة يستخلصها من حيثيات وجهات متماثلة في أفراد متعددة، وسيبقى يكرِّرُ العناوين والأسماء والأرقام مشدودًا إليها وحسب!

حينما تقرأ.. تستمع.. تحاور، ومهما كان الطرف الآخر عظيمًا عاليَ الفكر، فأنت لن تكون شيئًا ما لم تُكَوِّن الكليات في ذهنك باستلالها من الجزئيات والأفراد المتفرِّقة، وبما يؤهلك إلى أن تبرز في نفسك بشخصية مستقلة قادرة على تأسيسات جديدة وبناءات تطويرية، وهذا لا يأتي بمجرد القراءة والمحاورة، فالأمر راجع إلى منهجية أو مناهج علمية أنتَّجت أفلاطون ومن قبله سقراط وثالثهما أرسطو.. هي راجعة إلى منهجية أو مناهج علمية قدَّمتْ للبشرية الفارابي وابنَ رُشدٍ وابنَ سينا وهيغل وشُبَّانَه.. هي هي التي نعيش غيثها النازل عن أعاظم من أمثال الكليني والطوسي والصدوق والمفيد والمرتضى وابن إدريس ومحقِّق الحلَّة ومن بعده علَّامتها والشهيدين وحرِّ الوسائل ومجلسي البحار وبحراني الحدائق..

عندَّما نعي المعاني، ونمسك بنواصي المفاهيم والمباني، حينها لن تتأخر الكتبُ عن مجالستنا والاستمتاع بنظراتنا، وسوف تعلمُ جيِّدًا بأنَّها تستلقي بين يدي مفكِّر يجيد البسطَ والفكَّ والتركيبَ، وفرضَ شخصيتِه على مجموعةٍ مِنَ الرؤى لم تكن هي إلَّا شيئًا منها.

نفتقر اليوم إلى مثل هذه الحالات الطليعية الجميلة، وذلك لأسباب عدَّة، منها انتشار لمفهوم النقد بشكل مغلوط!

كثيرٌ من القرَّاء ينطلقون مع الكتب بعقلية ناقدة أوَّلًا وبالذات، وهذه حالة لا تستقيم مع منهجية التحصيل العلمي القاضية بضرورة الموازنة المطلقة بين النقد والأخذ دون ترجيحٍ في غير الموارد الصحيحة، وما يُعقِّد الأمر أنَّ نسبةً كبيرة تمارس النقد دون معرفة ببنائه العلمي، فهو عندهم عبارة عن قوة التغليط لا أكثر!

نلاحظ حالات تحتاج إلى دراسة جادَّة، ومنها الإعلان عن الانتماء لمدرسة فكرية ما، وبهذا الانتماء يبدأ تكرار ما قيل على ألسنة قادرة على الإرجاع والاستشهاد بعد أن اكتُنِزَ في نفس مُحرِّكِها كَمٌّ من الأسماء والعناوين والأرقام وما نحوها، وبالرغم من البُعد اللساني المتقدم، إلَّا أنَّها لا تصمد كشخصية مفكِّرة أمام محاورة علمية وازنة، وهذه من الحالات التي أراها خطيرة، فهي تؤثِّرُ في المتطلعين تأثيرًا يبدو طليعيًا باهيًا، ولكنَّه في الواقع قد يكون تفريغيًا مُعميًا!

نحتاج إلى الإكثار من القراءة بحثًا عن تراكم متزايد، ولكِنَّ هذا لا يُؤمَن ضررُه ما لم يُقوَّم بحسٍّ عِلمي معرفي يتَّسم بالثقل والاستقلال الشامخ على ثوابت واضحة تنطلق منها النفس المُدرِكة في بناءاتها بشكل عام، وليس الأمر أكثر من يقين على يقين، وإلَّا فهو غير الذي يريده الإنسان..

كلمة أخيرة:

كنتُ ولا زلتُ أقول.. ينبغي أن ندرسَ العِلمَ انطلاقًا من الكتاب، لا أن ندرسَ العلمَ في الكتاب.

السيد محمد علي العلوي

23 يناير 2016 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *