الرئيسية / مؤلفات / كتب ننصح بقراءتها / الأُسس الفلسفية للعلمانية

الأُسس الفلسفية للعلمانية

12 - الأُسس الفلسفية للعلمانية

اسم الكتاب:
الأُسس الفلسفية للعلمانية

المؤلف:
عادل ضاهر

الطبعة الثالثة ٢٠١٥م
يقع في ٤٢٩ صفحة

دار الساقي/ بيروت – لبنان
…….

لا بُدَّ لي من الإشارة أوَّلًا للقوة المنطقية التي يُمسك الكاتبُ بناصيتها بشكل يدعو للاحترام، فهو يجيد الربط بشكل دقيق بين نتائج مجموعة من الهيئات القياسية، كما وإنَّه صاحب رؤية خاصة وطرح ظهرت فيه شخصيته الفلسفية بكلِّ وضوح، وهذا أمر قد لفتني بالفعل؛ فكُتُب المتأخرين عادة ما تبرز فيها أُفقية الكاتب من خلال كثرة إرجاعاته واقتباساته، ولكنَّ الأستاذ عادل ضاهر ظهر في طرح عميق قدَّم فيه رؤاه الخاصة بشكل يدعو للاحترام.

أراد المؤلف تقديم العلمانية كنتيجة لمنظومة فكرية تقوم على ثوابت غير قابلة للتغير على الإطلاق، وأسماها بالعلمانية الصلبة في قبال اللينة التي تسوغ نفسها من خلال متغيرات طارئة تتبدل بتبدلها، ولكنَّه في نفس الوقت يشير إلى تجدد الظهور العلماني ولكن بشرط الانسجام مع الثوابت الأصل، وهي:

١/ الاستقلالية المطلقة للعقل، ورفض أيّ نظام كُلُّياني.
٢/ رفض التأسيس على اعتبارات جائزة أو ممكنة.
٣/ البناء على العمق السوسيولوجي.

وللتوسع البياني جعل المؤلف لبحثه اثني عشر عنوانًا كمفتاح لفهم العلمانية التي يعتقد بها، وأمَّا العناوين فهي:

١/ الأسئلة المركزية.
٢/ ما هي العلمانية؟
٣/ في طبيعة المعرفة الدينية.
٤/ المكونات الرئيسية للمعرفة العملية.
٥/ في طبيعة المعرفة العملية.
٦/ الأطروحة الأبستمولوجية (١).
٧/ الأخلاق والدين.
٨/ الأطروحة الأبستمولوجية (٢).
٩/ المعرفة المعيارية وطاعة الله.
١٠/ المعرفة بالعقل والمعرفة بالوحي.
١١/ الإسلام والعلمانية.
١٢/ العلمانية والعقلانية واستقلالية الإنسان.

عندما نراقب المنهج الذي يرتكز عليه البحث، فإنَّنا نقف على براعة الكاتب -كما أشرتُ- في التراكيب المنطقية وصناعة الجدل، ولكنَّ الذي يؤسف له ضعف اهتمامه بمادة القياس؛ فهو يعتمد تمامًا في قراءته للآخر على فهمه الخاص، وفي أحسن الأحوال على قراءات بسيطة، وهذا ما يظهر في مناقشاته لصفات الخالق وقضية الوحي، فهو يرتكز على اعتقاد المؤمنين بالغنى المطلق للخالق، ثُمَّ يواجه هذه العقيدة من خلال قاهرية الزمن، وهذه إمَّا أن تكون مغالطة، وإلَّا فهي مشاغبة، وفي الحالتين هي خلل استراتيجي يهدم البحث تمامًا.

كما وإنَّه يفترض اللا شيء (كاجتماع النقيضين أو دخول الكبير في الصغير، وما شابه) شيئًا ويبني استدلالاته ونقوضاته عليه، وبهذين المغالطتين أو المشاغبتين يصور نقضًا لغنى الخالق!

في خصوص هذا الأمر فإنَّني أرى خطورة هذا الكتاب على من لم يكن متمكنًا على أقل التقديرات من المنطق قياسًا وبرهانًا، ومن نظرية المعرفة ومدارسها، وأقصد هنا التمكن الدرسي البحثي، لا مجرد القراءة والتتبع.

كما وأنَّ القراءة قد لا تستقيم ما لم يكن القارئ واقفًا على المباني العقائدية الإسلامية فلسفيًا، وهذا قد لا يحتاجه المؤمن في حديثه مع المؤمنين، ولكنَّه في غاية الضرورة عند قراءة مثل (الأسس الفلسفية للعلمانية)!

يتابع الكاتبُ فصول بحثه مستندًا على نقوضاته السابقة والتي يثبت بها افتقار الأديان بشكل عام، والإسلام على وجه الخصوص لمقومات قيادة المجتمع المدني دون استبداد كُلُّياني، ومن خلال ما يتوصل إليه فإنَّه يسقط النتيجة كمفهوم على كل نظام يخالف العلمانية، وفي نفس الوقت يرفض رفضًا منطقيًا قويًا في صورته ضعيفًا في مادته، إمكان أن يكون خيارٌ غير العلمانية، وإن حصل ووافقت العلمانية، بل وحتَّى لو تطابقت تمامًا مع التشريعات الإسلامية، فذلك لا يدل على سلامة الإسلام، ولكنَّه فقط يدل على صحة مرجعية الإسلام للعلمانية.. وقس على ذلك..

إذًا، يؤكد الكاتب على أنَّه لا مفاضلة بين العلمانية وغيرها؛ لأنَّ العلمانية لا يمكن إلَّا أن تكون هي الأصل الثابت والمرجع الأوَّل لكلِّ نظرية تريد لنفسها الصلاح.

أُشيِرُ في هذه المراجعة الموجزة إلى أنَّ الإسلام جاء لتنظيم الحياة، فيمضي الصحيح ويعالج الفاسد، ولم يدفع يومًا في اتِّجاه تعطيل العقل أو تجميده في إطار زمني خاص، ولذلك فالإسلام قد أمضى البيع والزواج وغير ذلك من شؤون الحياة، ولكنَّه قنَّن ما يحتاج إلى تقنين، فهو يتوافق مع نظريات سابقة وأطروحات لاحقة ما لم تتعارض وأصوله الثابتة التي تتميز عن أي أصول كونية أخرى بمائز الصدور الذي حاول الأستاذ عادل ضاهر إضعافه بالنقض على الغنى المطلق للخالق وبقصور في فهمه لشيئية ومخلوقية الزمن الذي استعمله في نقضه.

مشكلة أخرى تغلغلت في عمق البحث المطروح، وهي اعتماد الكاتب مركزية العقل البشري في مختلف الانطلاقات الاستدلالية، وهذا خطأ منهجي كبير؛ إذ أنَّ اعتماد العقل مطلقًا قد يكون صحيحًا في مرحلة من مراحل الاستدلال وغير صحيح في أخرى، وهنا أعطي مثالًا مختصرًا:

عندما نثبت بالعقل وجود خالق أوَّل فمن الطبيعي أن يكون الأعلى مطلقًا، ومن هذه النقطة تحديدًا ننزل في مياديننا الاستدلالية من الأعلى إلى الأسفل، ويكون الأصل هو المُفسِّر لما دونه.

لقد وقع الكاتب في خطأ الاستدلال المعكوس، فهو بُفصِّل فهمه للخالق من خلال المخلوق، والصحيح أن يفهم الخالق بما هو خالق من خلال المخلوق ثم يفهم التفاصيل ومعادلات الوجود من خلال عنى الخالق الذي هو ضروري بمجرد الإثبات.

أمران:

١/ من الممكن جدًّا احتضان هذا الكتاب (الأُسس الفلسفية للعلمانية) وإعادة انتاجه بما يؤكد على تفرُّد الإسلام بالشمولية المنطقية زمانًا ومكانًا، فهو مادة علمية رائعة على طريق خدمة الإسلام العظيم، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من معالجات فلسفية قليلة في كمِّها، عميقة في كيفها، فيتغير وجه الكتاب تمامًا.

٢/ يبدو البحث متماسكًا جدًّا، وذلك بفضل الصياغة المنطقية المتينة صورة وهيئة بما غطى بتمكن على الضعف الشديد في مواد قياسه، مما يُشكِّل خطرًا حقيقيًا على أفهام غير الواقفين بثبات على المطالب والمباني العلمية لموضوع البحث.

* لشدَّة إعجابي بالقوة الجدلية للكاتب فإنَّني أعطيه نجمتين، ولو أنَّه قد اهتم بمواد استدلالاته لاستحق الخمس نجوم كاملة.

السيد محمَّد علي العلوي
2 جمادى الثانية 1437 هجرية

12 مارس 2016 ميلادية

 

http://www.goodreads.com/review/show/1547853626

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *