الرئيسية / مقالات / نمطُ حياةٍ.. والحياةُ

نمطُ حياةٍ.. والحياةُ

نمط

نتحدَّث ونكتبُ ونتراسل في حوارات ومناقشات، ليس للتعبير عن الرأي فقط، ولكن لتنمية الرؤى والمساهمة في التغيير بعنوانه العام، فنحو الطيب بالطيب، ونحو الخبيث بالخبيث..

نتحرَّك في علاقاتنا الاجتماعية بناءً وهدمًا وتجميدًا، لنفس تلك الغاية التي نتحدَّثُ ونكتبُ ونتراسلُ ونتناقش من أجلها، فالإنسان مُحِبٌّ للإنسانية ورقيها واستقرار نبضات قلبها استقرار هناء وراحة بال، ولذا، فهو يحرص على تعريض نفسه دائمًا لما يشذبها ويصحح شكلها ومسارها، لا لأجلها فقط، ولكن لأجلها كونها.. إنسانًا..

من أهم ما يواجهُهُ إنسانُ الإنسانِ في مسيره، أنواع وألوان التجارب والخبرات التي يكتسبها في محطَّات ومنعطفات حياته، ومنها الصغائر تتراكم، ومنها الكبائر تسيطر وتتحكَّم، فتتشكل في الإنسان أنماط حياتية خاصة، وهو في نظره إليها، إمَّا أن يُعرِّضها للتشذيب والضبط، أو أن يجعلها حاكمة على حياته وحياة غيره، وإن كان الأوَّل، فهو إنسان البناء والانفتاح على مساحات الخير وآفاق الجمال، وإن كان الثاني، فهو في الغالب يدمِّر نفسه، ويحطِّم من يقترب منه، سواء عن قصد أو عن غير قصد؛ وذاك لأنَّه استسلم لنمطٍ شكَّلتُه تجاربه، فإمَّا أن يخضع له الجميع، وإلَّا فلا شيء غير هدم يتلوه هدم.

تردُ هنا مشكلة يتصورها البعضُ عويصةً مُعقَّدة، والواقع أنَّها سهلة غاية السهولة، وهي في تقرير مقياس التشذيب، وأي الأنماط هو الصحيح وأيُّها الخاطئ!

ما هو الأصل في العلاقات؟

الأصل هو الثقة والأمان والحب والتعاون وكل ما يدخل تحت العنوان الأكبر للحُسن، وبالتالي فالتشذيب يكون على وفق هذه المعايير الأصيلة.

قد يقال: ليس من العقل إطلاق الثقة وما في حكمها، ونحن نعيش زمنًا سمته الخداع والغش والتدليس.

أجيب: هذا صحيح، ولكنَّ الحكمة تقتضي توفُّر الإنسان على الاستعداد التام للانسجام مع الأصول متى ما ظهرت، وليس من الحكمة في شيء تضييع الخير بسبب أنماط قد شكَّلتها تجارب غير ناجحة.. أو مؤلمة.

لفتة سريعة خاطفة:

اضطُر الإمام الحسين (عليه السلام) إلى احتضان حوافر الخيل بصدره، ومصافحة الرماح بقلبه، وسقاية السيوف بنحره.. ليقول للناس: أنا الحسين!!

وأسفُ على الإنسانية..

ما صدَّقوه!

لماذا نفرض أخطاءنا وسلبياتنا على شخصياتنا، فنؤذي بها الآخرين من حيث نعلم، ومن حيث لا نعلم؟

يحتاج الإنسان إلى وقفات مراجعة، ولكن ليس من نوع المراجعات الرياضية الخاضعة إلى موازين الزائد والناقص والضرب والقسمة، بل مراجعةُ عاطفةٍ يلين بها العقل، وعقل يستقيم به القلب، فتكون مراجعة الإنسان لإنسانه.

كلُّنا مررنا بتجارب مريرة وخبرات صعبة، وكلُّها ينبغي أن تدخل في جمال منظومة الخير الإنسانية لتخرجها لنا دروسًا طيِّبة نتعلَّم منها ونبني عليها، فهذه التجارب من الخطأ ان يُفكِّكها نفسُ الإنسان الخاضع لها؛ فتفكيكاته لن تبتعد كثيرًا عن طبيعة ردود الأفعال الحادَّة، إمَّا مجانسة أو مفارقة، وكلاهما خطأ.

فلنقترب من بعضنا البعض، ولنتعلم صناعة الأمن النفسي في وسط غابات من الخوف، وهذه لا يُتقنها غير.. العناق.. 

السيد محمد علي العلوي

30 أكتوبر 2016 ميلادية

28 محرم 1438 هجرية  

تعليق واحد

  1. اصبت سماحة السيد و المقال ينبض بالصدق و العطاء و الحكمة

    نعاني في هذا الزمن ان الحوار جدال فقط و البعض ليس له قابلية لتغيير فكرته فقط يبني على ظنون و افكار في شخصه هو ليس لها واقع و لكن بحسب نظرته هو يريد ان يرى الاخرين كما يرى… لا نجد من يحمل محامل الخير فقط محامل السوء و الظن…
    لما لا نضع انفسنا في كل موقف نطلب من الناس ان يكونوا فيها…
    متى نكون كما ننادي بالحسين و اهل البيت و تصرفاتنا لا تشبههم في شيء فقط نتكلم دون عمل

    لكم جزيل الشكر على عطاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *