الرئيسية / مقالات / مالكم وللناس؟! المؤمنون والبناء الداخلي

مالكم وللناس؟! المؤمنون والبناء الداخلي

111

تحضرُ مفاهيم التبليغ بقوة في نصوص الكتاب العزيز، وأولها آية الخلافة الإلهية في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)؛ من جهة مفهوم الخلافة ومسؤولية الخليفة، إذ أنَّ الغاية الابتلائية هي (وَيكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)، ولا منطقة حالٍ بين هذا الحق الحقيق وأي مقابل له، ولذا دار الأمر في عناوينه القياسية الكبرى بوضوح بين الحقِّ والباطل، وهذا ما يبينه إمامنا الصادق (عليه السلام) في جوابه على سؤال:

ما العقل؟

إذ قال: ما عُبِدَ به الرحمنُ واكْتُسِبَ به الجنانُ.

فقيل له: فالذي كان في معاوية؟

فقال (عليه السلام): تِلكَ النَكْرَاءُ وتِلكَ الشَيطَنَةُ، وهي شَبيهَةٌ بالعَقلِ وَليست بِعَقلٍ

وهذا يشير إلى الوجوب العلمي في أهمية استعمال الألفاظ في معانيها الصحيحة، وفي حال إرادة المجاز أو التسامح أو التنَزُّل فتحسن الإشارة كي لا تختلط الأمور فتُسمَّى منظومة الحقِّ فكرًا ونظريات الضلال (فِكرًا) مقابل. هذه قضايا دقيقة ينبغي أن نكون فيها جادين ما استطعنا، فَنَسْلَم من أن نؤسِّس لظلم جديد فوق ظلم متجدد.

وهكذا تستمر الآيات الكريمة حاثة على وجوب استنفار الطاقات والأدوات، وتوظيفها بقوة للتبليغ الذي من أجله بعث الله تعالى الأنبياء والرسل وأعقبهم بأوصياء وأمناء (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‌)، ولكنَّ الذي ينبغي الالتفات إليه هو أنَّ بعض الأوامر الإلهية لا تصحُّ تعديتها عن المعصوم (عليه السلام)، ويُعلمُ ذلك من قرائن مختلفة، منها الإفادة النصية.

عن ثابت بن سعيد، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):

“يا ثابت، مالكم وللناس، كُفُّوا عن الناس ولا تدعوا أحدًا إلى أمرِكم، فوالله لو أنَّ أهلَ السماوات وأهلَ الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدًا يُريد اللهُ ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه، ولو أنَّ أهلَ السماوات وأهلَ الأرضين اجتمعوا على أن يُضِلُّوا عبدًا يُريدُ اللهُ هدايته ما استطاعوا أن يُضِلُّوه. كُفُّوا عن الناس ولا يقولُ أحدٌ: عَمِّي وأخي وابن عَمِّي وجاري، فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بِعَبدٍ خيرًا طَيَّبَ روحَه، فلا يسمعُ معروفًا إلَّا عرفه، ولا مُنْكَرًا إلَّا أنكره، ثُمَّ يقذِفُ اللهُ في قَلبِهِ كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أمْرَهُ”.

وعن فُضَيل بِنِ يَسَار، قال: “قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): ندعو الناسَ إلى هذا الامر؟

فقال: لا يا فُضيل، إنَّ الله إذا أراد بِعبدٍ خَيرًا أمَرَ مَلَكًا فأخَذَ بِعُنُقِهِ فأدخَلَه في هذا الأمرِ طَائِعًا أو كَارِهًا”.

ولا تذهبَنَّ بذي نباهةٍ الأوهام فيظنَّ في الله تعالى الإجبار وسلب المخلوق الاختيار، وإن تراود الشيطانُ بعضَ النفوس فإنِّي أُحيله لبحث (المسؤول في النية والفعل والمفعول)[1].

بضم هذه الطائفة من النصوص إلى طائفةٍ على موضوعية (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، و(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ‌)، ومن الأحاديث ما عن الأصبغ بن نباتة، قال:

“أتيتُ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) فوجدتُه مُتَفَكِّرًا ينكُتُ في الأرضِ، فقلتُ، يا أميرَ المؤمنين، مالي أراك مُتَفَكِّرًا تنكت في الأرض، أرغبة منك فيها؟

فقال: لا واللهِ ما رغبت فيها ولا في الدنيا يومًا قَطُّ، ولكِنِّي فَكَّرتُ في مولودٍ يَكُونُ مِن ظَهرِي، الحادي عَشَرَ من ولدِي، هو المهديُّ الذي يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت جورًا وظلمًا، تكون له غيبةٌ وحَيرَةٌ، يَضلُّ فيها أقوامٌ ويهتَدي فيها آخرون“.

يظهر أنَّ وظيفة المؤمنين في زمن الغيبة تدور حول مِحور المحافظ على النفس في فلك (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، بشرط أن تكون محافظة لله تعالى في دولته الموعودة على يد قائدنا الحجَّة بن الحسن (أرواحنا فداه)، لا لغيره مطلقًا.

عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

“اجعلوا أمرَكم لله، ولا تجعلوه للناس؛ فإنَّه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله. ولا تُخاصِمُوا الناسَ لدينكم؛ فإنَّ المُخَاصَمَةَ مُمْرِضَةٌ للقلب. إنَّ الله تعالى قال لنبيه (صلَّى الله عليه وآله): (إنَّك لا تهدي من أحببت ولكنَّ الله يهدي من يشاء) وقال: (أفأنت تُكرِه الناسَ حتَّى يكونوا مؤمنين).

ذروا الناس، فإنَّ الناسَ أخذوا عن الناس، وإنَّكم أخذتم عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). إنِّي سمعتُ أبي (عليه السلام) يقول: إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ إذا كتب على عبدٍ أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره”.

كنتُ قد طرحتُ منذ سنين فكرةً أسميتها (الانغلاق المرحلي)، تقوم على نظرية قوة البناء الداخلي استعدادًا لمراحل الظهور الإسلامي المقرَّر تكوينًا (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، ولهذه الغاية المُقدَّسة مقدِّمات ضرورية، منها التركيز على الداخل الإيماني ومتابعة أحواله، وعدم المبالغة في الانشغال بغير ذلك.

نعم، نحتاج إلى تصدِّيات قوية ضد تيارات الانحراف والتضليل، لكن من منطلق التصدي الداخلي للجسم الواحد ضد الأمراض، ومن أخطرها اليوم تيارات الحداثة والعلمانية والشيوعية المتنكرة، والنسبية المنفصلة (استراتيجيًا) عن الحداثة والعلمانية حتَّى لبست ثوب الإسلام للفتك بالمسلين!

أمَّا مواصلة الوظيفية التبليغية العامَّة، فسوف يأتي يومها قريبًا إن شاء الله تعالى تحت راية الحق الباقية بيد صاحبها، وهو النور المُنزل.

عن أبي خالد الكابلي قال: سألتُ أبا جعفرٍ (عليه السلام) عن قول الله عزَّ وجلَّ: (فآمِنُوا بالله ورسوله والنورِ الذي أنزلنا).

فقال: “يا أبا خالد، النورُ واللهِ الأئِمَّةُ من آلِ مُحمَّدٍ (صلَّى اللهُ عليه وآله) إلى يوم القيامة، وهم واللهِ نُورُ اللهِ الذي أنزل، وهم واللهِ نورُ اللهِ في السماوات وفي الأرض. واللهِ يا أبا خالد لَنُورُ الإمامِ في قلوب المؤمنين أَنوَرُ مِنَ الشَمسِ المُضيئة بالنهار، وهم واللهِ يُنَورُونَ قُلوبَ المؤمنين، ويحجبُ اللهُ عزَّ وجَلَّ نُورَهم عَمَّنْ يشاء فَتُضِللهم قلوبُهم. والله يا أبا خالد، لا يُحِبُّنا عَبْدٌ ويتولانا حتَّى يُطَهرَ اللهُ قلبَه، ولا يُطَهر اللهُ قلبَ عَبْدٍ حتَّى يُسَلِّمَ لَنَا ويكون سِلمًا لنا، فإذا كان سِلمًا لنَا سَلَّمَهُ اللهُ من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر”.

فلنكف عن تقمص وظائف الولاة الأطهار وقياس الأمور على مذاقاتنا الثقافية القريبة إلى حَدٍّ خطير من عناوين الاستحسان والتفسير بالرأي، وهذا ما سوف أعمل على توضيحيه مفصَّلًا في بحث خاص إن شاء الله تعالى.

 

السيد محمَّد علي العلوي

11 جمادى الثانية 1438 هجرية

[1] – http://main.alghadeer-voice.com/archives/4286

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *