الرئيسية / غير مصنف / الأعْمَى، والحُرِّيَةُ.. والقرآن

الأعْمَى، والحُرِّيَةُ.. والقرآن

143

من جهة الشرع الحنيف، فإنَّ العبدَ هو الإنسانُ المملوك لغيره، فلا يَمْلُكُ ولا يَنْكَحُ ولا يَبيعُ ولا يَشْتَرِي ولا غير ذَلِك ممَّا للحرِّ، إلَّا بإذن مالكه، وقد اشتهر بين علماء المسلمين اهتمام الإسلام بالقضاء على ظاهرة العبودية، وهذا أمرٌ، وبالرغم من اشتهاره إلَّا أنَّ ما أُرجِّحه هو أنَّ الإسلام لم يُحَارِبِ العبُودِيَّةَ، ولا يُشَجِّعُ عليها؛ إذ أنَّ المسألة ترجع في مساحة كبيرة من فلسفتها إلى النفس الفردية والاجتماعية وانعكاساتها على الثقافة والسلوك.

جاء الإسلامُ لتحريرِ الناسِ من عبودية النفس للتخلف بمختلف أنواعه ومستوياته، والتي منها الارتهان النفسي للغير، ولكنَّ التحرير الذي يؤسِّس له الإسلام يستند محوريًا على الإصلاح الثقافي بما يُنتِّجُ فِكرًا صحيحًا، ومن بعد ذلك تأتي مرحلة التحرير من عبوديات أخرى مثل عبودية الرِق، وهي التي عُرِّفت في مطلع المقال.

من المهم أنْ نُشيرَ هنا إلى أنَّ تحرير العبد المُرتَهن نفسيًا وذهنيًا لغيره أمرٌ في غاية الخطورة على نفسِ العَبد المُحرَّر وعلى المجتمع؛ فالنفسية المُرْتَهَنة تحتاج إلى تأهيل ثقافي، وما لم يتحقَّقُ ذلك فهي أقرب إلى إحداث الكثير من الأضرار التي قد يصعُبُ تداركها.

ومن الأمثلة المُلفِتة، مثال التحولات (الديموقراطية) السريعة من بعد عقود، بل قرون من المصادرات بالاستبداد السلطوي، وفيها غالبًا من تَتَّجه النفسيات (المدمقرطة) للصراعات والنزاعات والخصومات والصراخ.. باسم الديموقراطية وحرية الرأي!

هذا لأنَّ القضية راجعة للنفسية واستعداداتها الثقافية والفكرية، ولذا، فإنَّ التحول (الديموقراطي)، وهذا إن سلمنا بصحتها، يحتاج إلى مراحل جادة من التأهيل والإعداد على مستويات مختلفة، منها النفسي ومنها الأخلاقي ومنها الثقافي.. وغير ذلك..

يقول الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو في روايته (العمى):

“قُلْ لِأعمَى: أنتَ حُرٌّ..

افتحْ له البابَ الذي كان يفصلُه عن العالم، وقُلْ له ثانيةً: اذهبْ، فأنتَ حُرٌّ..

لن يذهب.. سيبقى في مكانه وسط الطريق هو والآخرون، مرعوبين لا يعرفون أين سيذهبون في الواقع”.

هذا الأعمى لا يخاف بسبب تخلُّفٍ وارتهانٍ نفسي، ولكنَّه افتقر للمفاهيم التي تتبلور في ذهنه من خلال نافذة البصر، ومن جهة أخرى هو في حاجةٍ لمرشد يمسك بيده دليلًا حتَّى تتشكل عنده خرائط ذهنية يفهمها.. كأعمى. وإن أُطلِق دون أن يؤخذ بيده لتأهيله وإعداده لحياة الحرية، فالغالب أنَّه في طريقه للإضرار بنفسه والآخرين..

ليس هو إلَّا أعمى.. كفيف، لو أنَّ يدًا رحيمةً مسؤولةً تمسك بيده، لربَّما كان من المبدعين، ككثير غيره من فاقدي حاسَّة البصر، ولكن ماذا نصنع مع:

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)؟

إذا عمي القلبُ فإنَّ صاحبه، في الغالب، لا يدري بعماه، وإن أُعلِم استكبَرَ وأخذته العزَّة بالإثم، ولذا فهو يرى، ولكنَّه يرى الأمور مقلوبة، ولو كان قد اعترف بعمى قلبه لأحجم عن النظر حتَّى يشفى، ولكنَّ المصيبة في ترَكُّبِ جهله وإصراره على المعاندة والمكابرة غرورًا واعتدادًا بالنفس.

أعتقدُ بإمكان الدخول إلى ذهن فاقد البصر بمفاهيم خاصَّة تعوضه ما يرد عليه من نافِذَةِ العين، وهذا جارٍ حتَّى في الألوان لو تمكنَّا من تحقيق معرفة خاصَّة أعلى من مفهوم (اللونية) الذي لا يُدرك إلَّا بمساعدة الباصرة، وبالتالي، فالأعمى يمكن أن يكون في نفس المستوى التحصيلي للمبصر، وهذا لا يعارض أوَّلية أنَّ من فقدَ حِسًّا فَقَدَ عِلمًا؛ حيث إنَّ المعالجة تأتي بعد الفقد الأول فتعوضه.

وكيف كان، فالإشكال الحقيقي والكارثي إنَّما هو في عمى القلب الذي يوصِلُ الإنسان إلى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، وسِمَةُ هؤلاء الانغلاق على الذات أو على دوائر نفسية ضيقة، فلا يسمعون وإن كرَّرت عليهم القول آلاف المرَّات.. في مختلف القضايا دون حصر (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، وهذا ما انتهى بنبي الله نوح (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) إلى أن يبثَّ شكواه إلى الله تعالى..

(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًافَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًاوَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا).

أين ينبغي أن يكون هؤلاء وأمثالهم ممَّن يقع في طولهم مُردَّدًا شِدَّةً وضعفًا؟

لا يمكن تركهم تحت إفساد وفساد ما يسمونه (فِكْرًا) و(تعدُّديَّة) و(حرية رأي)، فهم يُضِلُّون ويفسدون في الأرض، كما قال (عليه السلام): (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًاإِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا).

اللهم إلهي، اجعلنا منَ (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، وجنبنا من تقول فيهم (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)، إنَّك سميع مجيب.

 

السيد محمَّد علي العلوي

13 جمادى الثانية 1438 هجرية

        

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *