الرئيسية / مقالات / من مِنَّا يأمن لحظةَ ضعفٍ يسقط فيها؟

من مِنَّا يأمن لحظةَ ضعفٍ يسقط فيها؟

2222

كيف كان المعصومُ.. معصومًا؟

العِصمَةُ -بحسب ما أرى- هي:

الكمال في القوى الإنسانية الأربع، وهي: العقل النظري، والعقل العملي، والانقياد النفسي للعقلين، والفعل، فلا يبقى منفذٌ لناقض مطلقًا. فهي: القطع اليقيني في قوى العقلين والفعل مع انقياد تام من النفس.

أمَّا العقل النظري فهو القائل بما ينبغي أن (يُعلم)، في حين أنَّ العملي هو القائل بما ينبغي أن (يُعمل)، وتنقاد النفس البشرية لقولي العِلم والعمل، فيُقدِم الفاعل على الفعل المعصوم إذا كانت القوى كاملة، وما لم تكن كاملة فإنَّ الإنسان حينها معرَّض للخطأ.

ما هو منشأ الخطأ؟

هنا حالتان:

الأولى: أن يفعل الإنسان دون إحاطة بما ينبغي له الإحاطة به قبل الفعل.

الثاني: أن يدَّعي الإحاطة وهو ليس كذلك.

وفي الحالتين يرجع منشأ الخطأ لغلبة النفس في لحظةٍ تكون فيها مدسوسةً بنفاذٍ شيطاني يفقدُ معه الإنسانُ بصيرتَه فيقع في الخطأ.

تحت عنوان العصمة والخطأ يتردَّدُ أفراد الإنسان بين طرفي السعادة والشقاء، فهناك من يصل إلى أعلى درجات العصمة المُمكِنة، وفي قباله من يصل إلى أعلى درجات الإجرام، وكلامنا في هذه السطور حول السعيد الذي تشقيه بعض الذنوب.

تنتشر بعض الأخبار عن شخص وقع في شِراك الفعل الفاحش، وبسبب ضغط الخبر، وربَّما تلون صِيَغه والتعليقات عليه، فإنَّ هذا الشخص يُحصَرُ في هذه الشائنة، ولا يُنظر إليه إلَّا من خلالها، مع أنَّه في الواقع إنسان مؤمِنٌ صادِقٌ طيبٌ، ولكنَّ لحظةَ ضعفٍ دخل فيها الشيطان فأوقعه في شرٍّ من أعماله!

قبل أيام ذكر أحدُ الأحِبَّة حالةً وطلب مني إبداء الرأي فيها. قال:

ماذا لو تزوجتُ مِن فَتَاةٍ وبعد الزواج اكتشفتُ أنَّها ثيِّب؟

قلتُ: إن كانت قد أخطأت، وحتَّى مع عِظم شائنتها، إلَّا أنَّ المهم في المقام حالها الآن، فهل كان الخطأ في لحظة ضعف تبعها ندم حقيقي؟

إذا كان الأمر كذلك فأنت أمام خيارين:

الأول: تغض الطرف وتتجاوز صادقًا، وتعيش حياتك معها بشرط أن لا ترجع، ولا حتَّى بخيالك، إلى تلك الشائنة مهما كانت الظروف.

الثاني: أن لا تكون قادرًا على التجاوز، ونصيحتي في هذه الحالة أن تتفق معها على استمرار الزواج لشهر أو شهرين قبل الانفصال وإرجاع السبب إلى عدم قدرتكما على التفاهم، ولكن احذر ثُمَّ احذر ثُمَّ احذر أن تفضحها، فهي مخطئة بلا شك، ولكن دعاءك لها بالتوبة والمغفرة قد يكون شفيعًا لك عند الله فيرد به عنك شائنة ربَّما كانت أشد من الفاحشة التي سَتَرْتَهَا.

من مِنَّا يضمن نفسه؟ وهل الشيطان يتعب من محاولات الإيقاع بالعباد في أوحال المعاصي والذنوب وقد أوقع قبلهم آدم (عليه السلام)؟

ينبغي أن لا نغتَرَّ بعبادتنا ونباهتنا، فلحظة الضعف ليست إلَّا لحظة، يدخل منها الشيطان بسرعة تفوق سرعة الضوء بمئات المرات، فيأخذ بتلابيب النفس ويَدُسُّها في وحل المعصية.. ثُمَّ يولي مدبِرًا، ولا يبقى للعاصي حينها غير الندم والعض على يديه آسفًا!

إنَّه وبالرغم من الأسف والندم إلَّا أنَّ الوقوع في الذوب ثانيًا وثالثًا وعاشرًا غير مأمون، وكلُّه راجِعٌ إلى المقدار الذي يُحَقِّقُ فيه الفرد في نفسه كمال القوى الأربع التي ذكرتُها في صدر المقال.

ثَمَّة مشكلة جادَّة ترافق الذنوب، وهي مشكلة تشَكُّل الظروف التي تدفع لارتكاب الذنوب ثانيةً، وهذا إذا كانت مثل الرمال المتحركة التي لا يرفع الإنسان قدمًا من أحد جوانبها حتَّى غرقت الأخرى في جانب آخر إلى أن تبتلعه بكامله، وهذا ممَّا ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار في علاقاتنا الاجتماعية بشكل عام.. الذنوب مثل الأخطبوط، تحاصر المذنب وتتضاعف عليه ضاغطة مُعَقَّدة مُعَقِّدة..

فلنطرح السؤال التالي:

هل يمكن للمؤمن تجنب لحظات الضعف التي يستغلها الشيطان في الإيقاع به؟

الجواب:

نعم، هذا ممكن، بل هو ما يبعث عليه الشارع المقدَّس. فلنلاحظ وصية الله تعالى للمؤمنين، إذ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

قال تعالى (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، فضلًا عن اتباع الشيطان، وفي العادة لا تكون خطوات الشيطان خطوات حرام، ولكنَّها تنتهي إلى الحرام. ولا يقولن مغرورٌ: أتَّبِع خطوات الشيطان، ولكن عند مِفصل الوقوع أنجو بنفسي، فإنَّ هذا لا يبعد أن يقع تحت قانون الاستدراج، وهو قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ).

وقال تبارك ذكره (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا)، فكيف لمؤمن بعد هذه الآية الصريحة أن يُشعر نفسه الأمن من الوقوع في المعاصي والذنوب الفاضحة؟

عن إسحاق بن عمَّار قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): “يا معشرَ من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنَّه من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته”.

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): “من أذاع فاحشةً كان كمبتدئها، ومن عَيَّرَ مؤمِنًا بشيءٍ لم يَمت حتَّى يركبه”.

وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: “أقرب ما يكون العبدُ إلى الكفر أن يُواخي الرجلَ على الدين فيُحصِي عليه عثراته وزلاته ليُعَنِّفه بها يومًا ما”.

هذا جانبٌ من أمر أهل البيت (عليهم السلام)، وأمرهم أمر قائمهم (عليه السلام)، وإذا ماتت مِثلُ هذه القيم في مجتمعنا، فهو موت لأهل البيت (عليهم السلام) في نفوسنا، وموتهم موت قائمهم.. وهل يكون ذلك؟

سأل الصقر بن أبي دلف الإمامَ الجواد (عليه السلام):

“يا ابن رسول الله، لِمَ سُمِّيَ القائم؟

قال: لأنَّه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته.

فقلتُ له: ولِمَ سُمِّيَ المنتظر؟

قال: لأنَّ له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، ويُنْكِره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المُسَلِّمُون”.

وقد قال العلي القدير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

وقال جلَّ في علاه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

فلننشغل بإصلاح أنفسنا، وليكن الدعاء منَّا لبعضنا البعض مستمرًا بالخير والمغفرة والستر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *