الرئيسية / مقالات / عقيدة التوحيد والأصول الفكرية الثلاثة

عقيدة التوحيد والأصول الفكرية الثلاثة

زمكان

برز منذ أكثر من خمسة قرون مذهبٌ فِكري توصَّل إلى أنَّ الحديثَ عن إصابة الإنسان للحقائق حديثٌ غير مُجدي على الإطلاق؛ والوجه في ذلك أنَّ نظرة الإنسان إلى الأشياء محكومة بعموم تجارِبه الخاصة، والكلام عن (التجرُّد) في النظرِ لا يتجاوز كونه كلامًا لن يتحول يومًا إلى واقع!

وقد أفرط بعضهم في البناء على هذه الرؤية، فذهبوا إلى اعتبارية كل المحمولات في القضايا التي يركبها الذهن البشري، فلا كيف كم ولا أين ولا نسبة ولا إضافة ولا أي شيء من العوارض على الإطلاق، أي أنَّ لون الشجرة -مثلًا- راجِعٌ لمخزون معلوماتي خُلِق أو وجِد في الإنسان، ولا علاقة له بالحقائق الخارجية. بمعنى أنَّ الشجرة لا لون لها ولا طول ولا عرض ولا ارتفاع، فلا كثافة ولا أي شيءٍ أبدًا، ولكنَّ هذه الأحكام من انتاجات الذهن البشري بعد علمه ما تعرض عليه.

أقول: لا يتصور القارئ الكريم أنَّ هذه الرؤية ضحلة أو ما شابه، بل هي رؤية عميقة غاية العمق، ولكنَّها في حاجة إلى تنقيح ومعالجة تستند إلى ثوابت علمية أصيلة، وهذه الأخيرة لها مصدر واحد فقط، هو القرآن الكريم والعترة الطاهرة، لا كما يعتقد المسلمون، ولكن كما هي الحقيقة الحقة التي لا تقبل أدنى مجادلة، وهذا ما سوف يأتي بيانه في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

وكيف كان، فإنَّ سلطةَ التجارب الخاصة والعامَّة على النظر والفكر سلطةٌ لا يمكن إنكارها، ومن أبرزِ صورها السؤال عن الخالق من منطلقات إسقاطية بشرية، فيقال -مثلًا-:

هل هو جسم؟ هل نراه؟ هل هو شيء؟ هل له ماهية؟

هذه الأسئلة وما نحوها ذات طبيعة واحدة، هي العجز عن الانعتاق من قياس الخالق على المخلوق، وليس الأمر بالسوء الذي قد يتصوره البعض؛ إذ أنَّ عدم القيام الفكري على بيانات علمية عقدية صحيحة ينتهي في الغالب إلى مثل هذه الأسئلة، وعندما لا تفي المقام إجابات صحيحة، يكون السائل -غالبًا- في مرمى المذاهب والتيارات التشكيكية.

أحاول في هذا المقال التأصيل لثلاثة مرتكزات معرفية:

  • الأول: تحديد المفاهيم:

هذا أمر مهمٌّ دائمًا، وتشتد أهميته عندما يكون الحديث عن الخالق تبارك ذكره؛ والسبب في ذلك قيام البرهان على تنزهه جلَّ في علاه، وبالتالي فهو بالضرورة خلاف كل ما وقع في الوهم، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للوقوف على حدود المفاهيم المطروحة، فلو قيل مثلًا:

هل الله شيء؟

كان من الضروري السؤال: ما هو مفهوم (الشيء)؟ هل تثبت (الشيئية) لكل (موجود)، فتكون غيره على مستوى المفهوم ولكنَّها متَّحِدَة معه مصداقًا؟ أو أنَّ بين (الشيئية) و(الموجود) ترادف، فهما لفظان لمعنى واحد؟

الجواب الأوَّلي:

إذا كان المقصود من (شيء) مجرَّد الوجود دون ترتيب أي أحكام على الإطلاق، فالله تعالى (شيء)؛ والسبب في منع ترتيب الأحكام، هو أنَّها راجعة دائمًا إلى كون الشيء مما تُدرِكه الحواس الخمس وما ينتزعه الذهن مما تُدرِكه الحواس الخمس، وبالتالي فهي لن تخرج عن حدود المظروف مكانًا وزمانًا، والحال أنَّ الله جلَّ وعزَّ قاهِرٌ غير مقهور.

عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): “ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله عزَّ وجلَّ، شيءٌ هو أم لا؟

قال: فقلتُ له: قد أثبت الله عزَّ وجلَّ نفسَه شيئًا حيثُ يقول: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، فأقول: إنَّه شيءٌ لا كالأشياء؛ إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه.

قال لي: صدقتَ وأصبتَ. ثُمَّ قال لي الرضا (عليه السلام): للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأنَّ الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة: إثباتٌ بلا تشبيه”[1].

  • الثاني: فهم العلاقة بين الموضوع وترتب الأحكام عليه:

عندما يرى الإنسانٌ نارًا في الخارج، فهو يعلم تمامًا بترتب الحرق على ملامستها؛ إذ أنَّه ممَّا يترتب عليها، ولكن حارقية النار كوجود علمي ذهني مختلف عمَّا هو عليه في الخارج.

الآن: هل يمكن لنارٍ أن لا تكون حارِقَة؟

ينبغي الالتفات إلى أنَّ الحارقية للنار من خواصِّ وجودها في هذه النشأة الخارجية، ولكن النار نفسها لها معنى علمي أعلى، والحارقية لها في تلك النشأة العلمية قد تكون مغايرة من جهة الأثر عمَّا هي عليه في نشأة الدنيا (الأرض). ومثال ذلك -على نحو التقريب- الوجود العلمي للمصنوع في ذهن الإنسان قبل تحقُّقه في الخارج.

وبالتالي، ينبغي للفكر أن يتخلَّص من الإسقاطات غير الموضوعية، وهذا بعيد المنال ما لم يفهم الإنسان عدم انحصاره العِلمي في هذا الوجود الدنيوي، وهو أيضًا متعذر ما لم يعي تمامًا سعته الفكرية عن النوافذ الحسِّية الخمس.

  • الثالث: عجز الألفاظ عن تفصيل الحقائق العالية:

يتمكن الفِكْرُ من تحقيق انطلاقات معرفية هائلة في مختلف أبعاد هذا الوجود المظروف للمكان والزمان، ولكنَّه عاجز تمامًا عن تجاوز الظرفين[2]، والحال أنَّ الألفاظ والتعابير البشرية فرعُ الإدراك والتعقل والفكر، فهي لن تخرج بحال من الأحوال عن إطار الظرفين؛ وذلك لاستحالة خروج أصلها من جهة النشأة.

من هنا ينبغي الالتفات جيدًا إلى أنَّ التعبير عن الله تعالى بـ(الموجود) لا يلازمه القول بترتب الآثار عليه كترتبها على الموجود المخلوق الذي قد لا يكون موجود، والمُعبَّر عنه بـ(ممكن الوجود).

نطلق على ذلك مصطلح: ضيق العبارة. أي أنَّ العبارة البشرية ضيقة عن التعبير الملائم للحقيقة العالية القاهرة للمكان والزمان.

ولذا، فإنَّ الأساس في البحوث العقدية هو الإثبات البرهاني للحقيقة العالية بما هي هي، ودون التجاوز لإثبات أي تفاصيل؛ لدخول هذه الأخيرة في مجال مرحلة دنيا من مراحل البرهان، وهي مرحلة منظومة العلل والمعلولات كما مرَّ بيانه في المقالات السابقة.

تتحرَّك في نفوس البعض تساؤلات حول أفعال الله تعالى وكيف يخلق ولماذا خلق وكيف يرزق ويغض ويسخط، وما نحو ذلك ممَّا لا يُتصور خارج ظرفي المكان والزمان، ونجيب -إن شاء الله تعالى- على هذه التساؤلات في المقال القادم إن شاء الله تعالى، وذلك من خلال تحليل جواب الإمام الصادق (عليه السلام) على سؤال السائل، وكان كالتالي:

قال السائل: “فيعاني الأشياء بنفسه (يقصد الله تعالى)؟

قال أبو عبد الله (عليه السلام): هو أجَلُّ من أن يعاني الأشياء بمباشرةٍ ومعالجةٍ؛ لأنَّ ذلك صفة المخلوق الذي لا يجيء الأشياء له إلا بالمباشرة والمعالجة، وهو تعالى نافذ الإرادة المشية، فَعَّالٌ لما يشاء.

قال السائل: فله رضى وسخط؟

قال أبو عبد الله (عليه السلام): نعم، وليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين، وذلك أنَّ الرضا والسخط دخَّال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، وذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى العزيز الرحيم لا حاجة به إلى شيء ممَّا خلق، وخلقه جميعًا محتاجون إليه، وإنَّما خلق الأشياء من غير حاجة ولا سبب اختراعًا وابتداعًا”[3].

وأكرِّر رجائي، أن يتفضَّل القارئ الكريم بقراءة بحث (المسؤول)[4]، لما فيه من تفصيل لما نحن بصدده. مع بالغ الشكر والتقدير.

 

السيد محمَّد علي العلوي

16 شعبان 1438 هجرية

[1] – التوحيد – الشيخ الصدوق – ص 107
[2] – قلتُ (الظرفين) لتحقق الفرق ذهنًا، وإن اتحدا في الخارج، ففي الخارج لا انفصال بين المكان والزمان كما هو واضح.
[3] – التوحيد – الشيخ الصدوق – ص 247 – 248
[4] – الرابط لتحميل الكتاب: http://main.alghadeer-voice.com/archives/4286

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *