الرئيسية / مقالات / عليٌّ (عليه السلام) وعمق (المعية)

عليٌّ (عليه السلام) وعمق (المعية)

عن أبي ثابتٍ مولى أبي ذر (رحمه الله)، قال:

“شهدتُ مع عليٍّ (عليه السلام) يومَ الجَمَلِ، فلمَّا رأيتُ عائِشَةً واقفة دخلني من الشَكِّ بعض ما يدخلُ الناسَ، فلمَّا زالت الشمسُ كشفَ اللهُ ذلك عنِّي، فقاتلتُ مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثُمَّ أتيتُ بعد ذلك أمَّ سَلَمَةٍ زوج النبي (صلَّى اللهُ عليه وآله ورحمها)، فقصصتُ عليها قِصَّتِي، فقالت:

كيف صنعتَ حين طارتِ القلوبُ مطائرها؟

قال: قلتُ: إلى أحسنِ ذلك، والحمدُ لله، كشفَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) ذلك عنِّي عند زوال الشمس، فقاتلتُ مع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قِتَالًا شَديدًا.

فقالت: أحسنتَ. سمعتُ رسولَ الله (صلَّى اللهُ عليه وآله) يقولُ: عليٌّ مع القرآن والقرآنُ معه، لا يفترقانِ حتَّى يَرِدَا عليَّ الحوض”.

وعن أبي سعيد التيمي، قال: سمعتُ أبا ثابتٍ مولى أبي ذر (رحمه الله) يقول: سمعتُ أمَّ سَلَمَةٍ (رضي الله عنها) تقول: سمعتُ رسولَ الله (صلَّى اللهُ عليه وآله) في مَرضِهِ الذي قُبِضَ فيه يقول وقد امتلأت الحجرةُ من أصحابه:

“أيُّها الناس، يوشك أن أُقبَضُ قبضًا سريعًا فيُنطَلقُ بي، وقد قَدَّمْتُ إليكم القولَ مَعذِرَةً إليكم، ألا إنِّي مُخَلِّفٌ فيكم كتابَ الله (عزَّ وجلَّ) وعترتي أهل بيتي. ثُمَّ أخذَ بيدِ عَليٍّ (عليه السلام) فرفعها فقال: هذا عليٌّ مع القرآن والقرآنُ مع علي، خليفتان بصيران لا يفترقان حتَّى يَرِدَا عليَّ الحوض، فأسْألهُمَا ماذا خلفتُ فيهما”.

إلى أيِّ مدى من المعرفة أراد رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) أن يأخذنا بكلمة (مَعَ) وتكرارها؟

يظهر أنَّ المصاحبة بين علي والقرآن، والقرآن وعلي، مصاحبة زمانية، وهذا ما يدل عليه قوله (صلَّى الله عليه وآله): “حتَّى يرِدا عليَّ الحوض”، أي: يبقيان مع بعضهما البعض حتَّى يوم الورود، فيردا عليَّ الحوض في حال المعية (معًا).

ولكنَّ الزمان والمكان حيثيتان لنفس الكون، فلا يكون زمانٌ بلا مكان، ولا مكانٌ بلا زمان. وبعبارة أخرى: الزمان يعني: الانتقال من نقطة إلى أخرى، ونفسُ هذا الانتقال لا يكون إلَّا في زمان، والاثنان محلُّهما الكون. فإذا ثبتت المصاحبة الزمانية بين عليٍّ (عليه السلام) والقرآن، ثبت كونهما مجتمعين في مكان واحدٍ دائمًا، وإلَّا انفرطت المصاحبة من رأس.

الآن:

هل هذه المصاحبة مادية، بمعنى أنَّ عليًّا يحمل القرآن معه أينما ذهب وحلَّ؟

إنَّه وبالإضافة إلى البُعد الواقعي لهذا الفرض، فإنَّ تأكيد المعية بتقديم القرآن كفاعل لها ينفيه من رأس.

يأتي الاسم (مع) بمعنى المصاحبة العادية التي لا يظهر فيها زيادة عن مجرَّد الكون الاتفاقي، كما لو دخل اثنان (معًا) أو دخلا (مع) بعضهما البعض، وإن كان في غير الحال ظهور في الصحبة المقصودة، إلَّا أنَّه ليس بالظهور القوي الذي يُركَنُ إليه؛ إذ أنَّ المتفق دخولهما (معًا) يصحُّ أن يقال عنهما: دخل فلانٌ (مع) فلان.

وفي حالة أخرى يأتي بمعنى المساندة والتأييد، كما في قوله تعالى (وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، وهذا المعنى -في نظري- هو المتعين؛ للتأكيد بتكرار (مَعَ)؛ حيث إنَّ القرآنَ كلامٌ مكتوبٌ، قوته في دلالاته وما يحمل من مضامين، وهذا لا يُتصور فيه غير المساندة والتأييد المعنويين بحسب الظاهر، وبالقوة والأثر التكوينيين إذا ما نظرنا في الأمر بعمق.

المُتحصل أنَّ المعيةَ بين الإمامِ عليٍّ (عليه السلام) والقرآنِ الكريمِ معيةُ مُسانَدَةٍ وتأييدٍ في كلِّ موطنٍ وواقعةٍ مطلقًا، فما يقوله أو يفعله أو يقرِّه أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤيَّدٌ من القرآن الكريم ظاهرًا أو تأويلًا، وما في القرآن الكريم مؤيَّدٌ من أمير المؤمنين (عليه السلام) قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وإن خالف ظاهرًا فهو موافقٌ تأويلًا كما في أحاول التقية وما تقتضيه الظروف، بل حتَّى في مثل ذلك يقوم التأييد بلا تخلف، وهذا ما تقتضيه المعية والتأكيد عليها.

ينبغي المبالغة في الإشارة إلى أنَّ تكرار (مَعَ) وتقديم عليٍّ (عليه السلام) فاعِلًا للمعية تارة، والقرآن فاعلًا لها تارة أخرى يوجِّه إلى قيام نفسي بين علي (عليه السلام) والقرآن الكريم، فعندما نقول: عليّ، فهو القرآن، وعندما نقول: القرآن، فهو علي. وهذا أمر في غاية الأهمية والدقة. فلنتأمل جيدًا..

قال تعالى:

(لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)

إذا استوعبت القلوب محلَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الآيات العظيمة، فإنَّها تعي تنجزًا قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وقوله تبارك ذكره: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ).

فلنلاحظ جيًدا:

إنَّه لو لا محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) لما عُرِف اللهُ تعالى كما أراد ان يُعرف، ولما عُرِفت مقاصده جلَّ في علاه، فامتحان التوحيد في النبي الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله).

وإنَّه لو لا عليٌّ (عليه السلام) لما عُرِف محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) كما أراد الله تعالى أن يُعرف، ولما عُرِفت مقاصده، وبالتالي فإنَّه لو لا عليٌّ (عليه السلام) لما عُرف الله تعالى كما أراد أن يُعرف، ولما عُرِفت مقاصده عزَّ وجلَّ.

فالقضية راجعة لتراتبية المعرفة، فلا يقال بأنَّ الشيعة يقدِّمون عليًّا (عليه السلام) على الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، بل نحن نقول كما قال (عليه السلام) عن نفسه بالنسبة لابن عمِّه (صلَّى الله عليه وآله): “أنا عبدٌ من عبيد محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)”.

ولذلك كان التشديد في معرفة عليٍّ (عليه السلام) وموالاته واتباعه والتمسك بنهجه؛ فهو معقد العقيدة التي لا تتحقق بغيرها، وها هي عظمته يبينها الكتاب العزيز بالتئام قوله (صلَّى الله عليه وآله): “ هذا عليٌّ مع القرآن والقرآنُ مع علي، خليفتان بصيران لا يفترقان حتَّى يَرِدَا عليَّ الحوض”، وعظمة القرآن إلى حد أنَّه يؤثر في هذا التكوين، وعقيدتنا في ولاية أهل البيت (عليهم السلام) التكوينية. ومن هنا نعرف شيئًا من علي (عليه السلام).

اللهم تقبل منِّي هذا القليل، بل أقل القليل في يوم ذكرى استشهاد وليك الأعظم، أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين، أسد الله الغالب وسيفه الطالب، علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه).

 

السيد محمَّد علي العلوي

21 من شهر رمضان 1438 هجرية

16 يونيو 2017 ميلادية 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *