الرئيسية / مقالات / حضارة الجاهلية (3)، (شواهد على عمق الوعي البحراني)

حضارة الجاهلية (3)، (شواهد على عمق الوعي البحراني)

 

كان من المفترض أن نعود في مقال اليوم لمناقشة بعض الإثارات حول وعي المجتمع العربي في الصدر الإسلامي الأوَّل، ولكن لتفضُّلِ اثنين من الإخوة الأصدقاء بمناقشة المقال السابق وتسجيلِ بعض ملاحظاتهم وتصويباتهم انتبهتُ إلى أنَّ المقام في حاجةٍ لإبراز المزيدِ من الشواهد على وعي المجتمع البحراني في الزمن المختار، وكان زمن الشيخ عبد الله السماهيجي (رضوان الله تعالى عليه)، فقد أفادا (حفظهما الله) أنَّ مجرد القوة البلاغية والبيانية والعلمية للشيخ السماهيجي في خطبه لا تكفي للاستدلال على وعي المجتمع وفهمه الكافي لما يقوله الشيخ.

أشرتُ في المقال السابق إلى استقامة الشيخ السماهيجي (طاب رمسه) على النمط العلمي العالي في خطبه ومجمل بياناته المكتوبة أيضًا، وأرى أنَّ هذه الاستقامة تكشف على استقرار الحالة الثقافية في المجتمع بما لم يضطر الشيخ للتراجع، هذا وهو العالم الفقيه العارف بزمانه كما يُنقل في أحواله وكما تدل عليه جملة من تحركاته الاجتماعية والسياسية، فلو كان الناس على بُعدٍ في أفهامهم عمَّا يقول، لاقتضت الحِكْمَةُ منه التراجع لمخاطبتهم بما يفهمون، ولكنَّ هذا لم يحصل منه (قُدِّس سِرُّه) ممَّا يكشف -في نظري- عن حقيقة استقرار المستوى الثقافي في المجتمع على درجات عالية، خصوصًا وأنَّ القوة العلمية في الخطاب لم تكن مقتصرة على الشيخ السماهيجي فقط، بل هي كذلك مع جملة من أعلام ذاك العصر مثل المحقِّق البحراني الشيخ سليمان الماحوزي (رضوان الله تعالى عليه) وأستاذه العلَّامة العلم صاحب البرهان السيد هاشم التوبلي البحراني (قدَّس الله روحه الشريفة).

إنَّه وبالرغم من ذلك، فإنَّ عراقةَ هذا المجتمع وطيبَ عنصرِه وفضلَ طينته، تستحقُّ منَّا إمتاع الذائقة المعرفية بشواهد تاريخية أخرى تكشف عن مستواه الثقافي العالي، ومنها:

قال الشيخ علي الشيخ حسين القديحي في مقدِّمته على كتاب (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين، للشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي): “من المعلوم أنَّ البحرين من المدن التي كانت عامرة بالمعارف والعلوم، بحيثُ اشتهرت في كُلِّ مكانٍ، ودوى اسمُها في مختلف الأنحاء في سالف الزمان، خصوصًا في زمن الدولتين الصفوية والبويهية، فقد ظهرت منها جهابذةٌ وأوتاد، وصارت مثوى للعلم يقصد لها من كلِّ بلاد، تقابل الحِلَّة والسيفية وجبل عام وجملة من البقاع، بالمدارس معمورة. حتَّى إنَّ من جملةِ قراها الصغار جزيرة تُسمَّى جزيرة (النبي “النبيه” صالح) وإلى الآن فيها مدرسة قد احتوت على قبور سبعين عالمًا شهداء، كلهم قُتِلُوا في يوم الخوارج خذلهم الله”.

أقول: لِمَ تعدَّدت هجمات الخوارج على البحرين؟ وهل لهم شغل أهم من الشيعة الموالين؟

ولو كان شيعة البحرين بسطاء سذَّج لما تكلَّف خوارج عمان من قطع المسافات لغزوها وتخريبها مرارًا وتكرارًا، وكانوا يستهدفون العلماءَ فيشرِّدوهم، ومكتباتِهم فيحرقوها، وهكذا عانى ما عانى الكثير من الأفاضل، سيَّما شيخنا المعظم البحراني الناضر في حدائِقه الناضرة (طاب ثراه).

وعلى سبيل الاستطراد طلبًا لرَوح الفؤاد، انقل ما قاله صاحب الأنوار في فضل بلادنا البحرين.

قال (رحمه الله): “وأمَّا فضلها على كثير من غيرها، فقد حدَّثني أقدمُ مشايخي، العلَّامة الثقة الثبت الحَفَظَة، الوالد الروحاني التقي الصالح الشيخ أحمد بن الشيخ صالح البحراني (قدَّس اللهُ نفسه ونوَّر رمسه وأسنده) أنَّه لمَّا أمر اللهُ رسولَه محمَّدًا المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) بالهجرة من مكَّة بعد موت عمِّه وكافله، سيد البطحاء، بيضة البلد أبي طالب، وتَظَاهرِ المشركين عليه، نزل عليه الأمينُ جبرائيل (عليه السلام) من الربِّ الجليل، وخيَّره في الهجرة إلى البحرين أو فلسطين أو المدينة، فترك (صلَّى الله عليه وآله) البحرين من أجل البحر، وترك فلسطين لبعدها، واختار المدينة لقربها من مكَّة”.

وقال (طاب ثراه) في موضع آخر: “وهذه الجزيرة، أعني البحرين، أحسنُ المدن الثلاث جامعية للكمال، لكثرة العلماء فيها والمتعلمين والأتقياء الورعين والشعراء والأدباء والمتأدِّبين”.

وذكر العالمُ الجليلُ الرباني، الشيخ علي بن العلَّامة المُحدِّث الشيخ محمَّد شارح (الوسائل) المقابي البحراني بما ينقل عنه صاحب أنوار البدرين: “قد كان العلماء السابقون في بلادنا البحرين في غاية الإنصاف والتقوى والإعراض عن الدنيا، وقد اتَّفَقَ أنَّ فاتحةً أُقيمت لبعض أشخاص البحرين في مسجدها المسمَّى بالمشهد ذي المنارتين (يسمَّى اليوم: مسجد الخميس) فاتَّفق فيها حضور ثلاثمئة أو يزيدون من العلماء الأفاضل في وقت من الأوقات”.

وقال الشيخ البلادي في انواره: “حدَّثني بعضُ الصالحين الثقاتِ من أهل البحرين عن سلفهم الأقدمين أنَّه كان في الزمن القديم في البحرين أنَّ الرجل من أهل السوق والتجَّار يكون عنده العبد المملوك، فيراه ليلةً من الليالي ربَّما غفل عن صلاة الليل لنوم أو غفلة، فيُصبِحُ ويأمر الدلَّال أن يبيعه، فيقول له جيرانه من أهل السوق: لِمَ تبيع مولاك ولم ترى منه إلَّا الصلاح والطاعة؟ فيقول لهم: إنَّه البارحة لم يصلِّ صلاة الليل، وأخاف أن تكون له عادة، فربَّما يقتدي به بعضُ العيالِ فلا يصلِّي صلاة الليل. فإذا سمِعوا ذلك منه صار عندهم عيبًا فيأمرون بإخراجه من البحرين وبيعه في غيرها من البلدان”.

هذه بعض الأمارات اقتنصتها على عجل، ولو أنَّنا نُعمِل فيها النظر لتوسعنا منها لقراءة الواقع البحراني الثقافي في تلك الأزمنة، ولوقفنا على الكثير من الحقائق المهمَّة في وعي المجتمع وثقافته العالية، ولكنَّ المقام أضيق من خطوات التوسع.

حقَّ لشيخنا السماهيجي (نور الله مرقده) الارتفاع بخطابه، فجمهور البحرين في وقتها يعيش الامتزاج الفقهي والأدبي وجودًا ووجدانًا، وإلَّا فسبعون عالمًا شهيدًا في جزيرة النبيه صالح، وثلاثمئة في المسجد ذي المنارتين، إلى أي مدى يتَّسعون في آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم واولادهم، ناهيك عن تلامذتهم وأتباعهم، وما هو قدر الانعكاسات العلمية منهم في مداراتهم الاجتماعية؟

إذا فهمنا عمقنا العلمي والأدبي، نفهم معنى ما يجري علينا من ويلات.

ولا يفوتني هنا تسجيل إعراضي عن الحديث حول طمس ذكر البحرين وعلمائها وأسبابه، فهذا حديث شاجن، أرجو له يومًا عند ارتفاع الحجب المانعة والقضبان الصدِئة.

ملاحظة: ذكر أحد الأخوين العزيزين ملاحظات عالية في المقارنة بين الوعي المجتمعي في الصدر الإسلامي الأوَّل، وبينه في عصرنا الحديث، أذكرها في المقال القادم وأعمد متشرِّفًا لمناقشتها إن شاء الله تعالى.

   

السيد محمَّد علي العلوي

28 من شهر رمضان 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *