الرئيسية / مقالات / العادة السرية.. واقِعٌ ودلالات

العادة السرية.. واقِعٌ ودلالات

نقل بعضُ الإخوة حوارًا الكترونيًا حول موضوع الزواج المُبَكِّر ومسألة الشهوة الجنسية ومبدئها العُمري ومدى تمكُّنها من الشابِّ ذكرًا وأُنْثى، وقد لفت نظري تصريح أحد المتحاورين بأنَّ (90%) من الشباب يمارسون العادة السرية!

بالطبع، لا يُمكن الوثوق بهذه النسبة، ليس لكونها عالية، ولكن لعدم علميتها؛ حيثُ إنَّ النِسَبَ لا بدَّ من رجوعها لدراسة ميدانية على أسس علمية صحيحة، ولكنَّ عدمَ علمية هذه النسبة لا يمنع من التوقف والنظر في دلالات التصريح بها من أحد الشباب.

منذ زمنٍ كان لي اهتمامٌ مباشِرٌ بهذه المسألة، وكان منِّي أن حاولتُ استقصاءَ أخبار الشباب بطرقٍ مختلفة، وتوصلتُ بالفعل إلى أنَّ هذه العادة لها نحو استشراء وتفشي بين الشباب، لا الذكور فقط، بل حتَّى بين الإناث، ولكنَّ طبيعة المجتمع في بُعدَي المحافظة والتحفظ طالما منعت من القيام باستقصاءات إحصائية صحيحة في مثل هذه المسائل الخاصة جدًّا، إلَّا أنَّ انتشار مثل العادة السرية متحقِّق -كما يبدو- من مجموعة قرائن مباشرة كالتصريح من البعض، وغير مباشرة من جهة منظومة القدرة النفسية، وكَمِّ المثيرات الشهوية الجنسية من جهة أخرى، وهذا أمر يحتاج إلى تفصيل وتتبع استدلالي لا يناسبه المقام.

أريد في هذه السطور الإلفات إلى المستوى الفكري في المجتمع، فالموضوع الرئيسي إذن عبارة عن كُلِيَّةٍ تأتي مسألة (العادة السرية) تحتها، ولكن قبل الدخول في هذا المطلب، أذكر بعض الأحاديث في حرمة (العادة السرية) والتي يُعبَّر عنها في اللغة العربية بـ(الدلك) و(الخضخضة) و(نكاح اليد/ الكف/ النفس).

  • عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: “ثلاثة لا يُكلِّمهم اللهُ يومَ القيامَةِ ولا ينظر إليهم ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم: الناتِف شيبه، والناكح نفسه، والمنكوح في دبره”.
  • عن أبي عبد الله (عليه السلام) “أنَّ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) أتى برجلٍ عبثَ بِذَكَرِهِ، فضرب يَدَهَ حتَّى احمَرَّتْ، ثُمَّ زَوَّجَهُ من بيتِ المَالِ”.
  • أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه، قال: سُئِلَ الصادِقُ (عليه السلام) عن الخضخضةِ، فقال: “إثمٌ عَظيمٌ قد نهى اللهُ عنه في كِتابِهِ، وفاعِلُهُ كناكحِ نفسه، ولو علمتُ من يفعله ما أكلتُ معه.

فقال السائِلُ: فبين لي يا ابن رسول الله من كتاب الله فيه.

فقال: قول الله: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) وهو ممَّا وراء ذلك.

فقال الرجل: أيهما أكبر، الزنا أو هي؟

فقال: هو ذنبٌ عظيمٌ.

  • قال النبي (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ): ناكِحُ الكَفِّ ملعونٌ”.

من مثل هذه النصوص يستنبط الفقهاءُ حكمَ (الاستمناء)، أو ما يُعبَّر عنه بـ(العادة السرية)، وبذلك يعلم المُكلَّف من غير المجتهدين بحرمته، وأنَّه ممَّا توعد الله تعالى عليه، ولكن ثمَّة ما ينبغي الانتباه إليه جيدًا، وهو أنَّ ممارسة (الاستمناء) ليس إلَّا نتيجة لمقدمات انتهت بالبعض إليه، وهي في عنوانها العام: مثيرات الشهوة، من مناظر ومظاهر اختلاط وكلمات في الأشعار والأغاني والنُكَتِ وغيرها، وفي بعض عناوينها الداخلية: تعطيل الزواج وترك الشباب في مواجهات مباشرة مع القوى الشهوية الجنسية المثارة بفعل مصاديق العنوان العام.

قد يُقال: لا يمكن الدفع في مثل عصرنا نحو تبكير الزواج، فلا المناهج التربوية مناسبة لإنضاج الشباب مبكرًا، ولا سوق العمل يسمح بالتهاون في عدم إكمال الشباب لدراساتهم الجامعية، بل والعليا منها أيضًا، وعلى أيَّة حال قد أعطى الرسول (صلَّى الله عليه وآله) الحلَّ لمن لا يستطيع الباءة، فقد روي عنه أنَّه قال:

“يا معشرَ الشُبَّان، من استطاع منكم الباه (الباءة) فليتزوج، ومن لم يقدر، فعليه بالصوم، فإنَّه له وجاء”.

وقال (صلَّى اللهُ عليه وآله) لعثمان بن مظعون: “واختِصَاءُ أمَّتِي الصومُ”.

أقول: نعم سيدي يا رسول الله (صلَّى الله عليك وآلِكَ الأطهار)، ولكنَّ هذا قبل أن يعبثَ الإنسانُ بسُنَنِ الحياةِ، وقبل أن يتجبَّرَ مُتَفرعِنًا على قوانين السماء..

هذا -يا سيدي- عندما كان الناسُ يعيشون (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًاوَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)؛ حيثُ الصوم نهارًا، والنوم عند تشابك النجوم تعبًا.

أمَّا اليوم، فجلُّ الشهوات والمثيرات وملاذِّ الدنيا تخرج في مواكب الشياطين ليلًا، بل لم نعد قادرين على التفريق العملي بين الليل والنهار، وأكثر من ذلك انتقاء عمَّال الشياطين نهار وليل شهرِ الصيام لعرض المسلسلات والبرامج التلفزيونية وغير التلفزيونية المجانبة لأدنى مستويات التورع عن محارم الله، حتَّى أمسى شهر رمضان ميدانًا تنشط فيه النفوس للقيام بمهام الشيطان المحبوس!

لا يتحدث المجتمع في مثل مسائل (الاستمناء) والعلاقات الجنسية خارج الإطار الشرعي والخيانات الزوجية وزنا المحارم وما نحو ذلك من كوارث تُنهِكُ الإنسانية في بني آدم؛ وذاك لاستسلامه أمام مقتضيات قيام منظومة الإفساد الرأسمالية!

فلتفسد الأخلاق.. وليترك أو يستخف الأولاد بالصلاة.. ولتُعلِن الفتاةُ عدمَ اقتناعها بالحجاب.. وليلبس الشبابُ السراويل الممزقة والقمصان الضيقة..

فلتظهر الفتياتُ مفاتنهن من وراء اللباس الضيق بعنوان الموضة، ولتبرز أعضاء الشباب من تحت سراويلهم..

فليكن كلُّ ذلك، وليستمر المجتمع في الإغضاء الاستسلامي المُخزي.

ولكن..

الحذرُ كلُّ الحذر من أن يُفكِّرَ شابٌّ في صيانة قِيَمِهِ الإسلامية (الإنسانية) بترك مصالح الدنيا، فالقيامة تقوم عليه حينها من أبويه ومن دونهما..

الحذرُ كلُّ الحذر من الحديث عن تبكير الزواج محافظةً على النفس من الدسِّ في الممارسات الشهوية، فالدنيا ومطالبها أهم وأهم وأهم..

دعوني أتساءل..

أيُّها أهم: نحن بكلِّ وظائفنا، أم الإمام المعصوم (عليه السلام) بوظيفة الإمامة الشرعية؟

لاحظوا قول الإمام الصادق (عليه السلام):

“لولا الموضع الذي وضعني الله فيه ، لسرني أن أكون على رأس جبل ، لا أعرف الناس ولا يعرفوني ، حتى يأتيني الموت”.

وقال الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله):

أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، وإن لم تُحِبُّوا تركها، فلا تنافسوا في عزِّ الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فإنَّ عزَّها وفخرها إلى انقطاع، وإنَّ زينتها ونعيمها إلى زوال، وضرائها وبؤسها إلى نفاد”.

وقال أميرُ المؤمنين (عليه السلام):

“لا يترك الناسُ شيئًا مِن أمرِ دينهم لاستصلاح دنياهم إلَّا فتحَ اللهُ عليهم ما هو أضرّ منه”.

وفي وصيته لابنه الحسن (عليهما السلام) قال:

“فإياك أن تغترَّ بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها، وإنَّما أهلها كلابٌ عاوية وسِبَاعٌ ضارية، يهرُّ بعضُها على بعض، يأكل عزيزُها ذليلَها وكبيرُها صغيرَها. قد أضلتْ أهلَها عن قصدِ السبيل وسلكتْ بهم طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب فتاهوا في حيرتها وغرقوا في فتنتها، واتخذوها ربَّا فلعبتْ بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها”.

نحن نصلي ونصوم ونحج ونُخرِجُ الحقوق الشرعية من أموالنا ونزور الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ولكنَّنا -كما أعتقد- لا نمتلك رؤية واضحة ولم نقف برسوخ على فلسفة الخلق ووظيفتنا الأساس في هذه الدنيا الدنية، وهنا المسألة في عمقها الفكري الذي أشرتُ إليه قبل قليل، ولذلك نعيش الانبهار العظيم والمتعاظم بما يُحقِّقه الغرب في حراكه الصناعي على مختلف الأصعدة، حتَّى أصبح هو المقياس للنجاح، وأمَّا الآخرة وحساباتها فهي من الأمور الخاصة! وأهلًا بالعلمانية ثقافة وسلوكًا وحياةً، حتَّى لو رفضناها قولًا.. فهو ليس أكثر من لسان ينطق!!

ولذا، أعود بالسؤال التالي:

ماذا يمكن للشاب أن يفعل وحبال الدنيا تمزقه من كل جهة، فهو مطالب بالدراسة ومواصلتها من أجل الوظيفة والراتب الشهري الذي يُمَكنُه من فتح بيت، فلا يتمكن من الزواج والحال هذه حتَّى يُنهي مشوار الدراسة، وعليه التسليم للاختلاط في الجامعة والمعهد، والأسواق والمجمعات التجارية، كما وأنَّ الضغوطات الثقافية تحصره بشدة في زوايا الإثارات الشهوية بمختلف ألوانها ومستوياتها..

وممارسة (الاستمناء حرام).. والعلاقات الجنسية خارج الإطار الشرعي حرام..

وتعدد الزوجات في عرف المجتمع خيانة و(حرام)..

ثُمَّ نتحدث حول (تحرير فلسطين)!! ونحتفل بـ(ختمات) القرآن في شهر رمضان!!

 

السيد محمَّد علي العلوي

2 شوال 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *