الرئيسية / مقالات / رحيلُ عبد الحسين عبد الرضا.. لِمَ كلُّ هذا التفاعل؟!

رحيلُ عبد الحسين عبد الرضا.. لِمَ كلُّ هذا التفاعل؟!

العارِف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس.. فلنتأمل قليلًا، ولنتدبر كثيرًا، فالحياة ملأى بالأحداث.. ونحنُ جزء منها.

تتَّسِمُ الأحداثُ العارِضَةُ على المجتمعات البشرية بكاشفيتها عن جوانب مهمَّة من جوانب عموم الحالة الثقافية الغالبة في المجتمع الذي تعرض عليه، والأحداث من حيث عِللها منها المصطنع كالكثير من الأحداث السياسية والإشاعات وما نحوها، ومنها الطبيعي كحوادث الجفاف أو السيول أو وفاة شخصية مشهورة، وهذا الأخير هو ما أروم تناوله في هذه السطور..

توفي يوم الجمعة 11 أغسطس 2017م الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا، ومنذ ساعات الإعلان الأولى عن نبأ وفاته شهدت الساحة الخليجية تفاعلات بشكل يكاد أن يكون غير مسبوق، بل بدا الأمر وكأنَّه من الشؤون المصيرية الخطيرة جدًّا، إلى درجة أنَّ وسائل التفاعلات الاجتماعية اصطبغت بصور عبد الحسين عبد الرضا وبعبارات الأسى على فقده!

تمَّت ترتيبات التشييع والدفن وأُعلِنَ يومَ الأربعاء 16 أغسطس 2017م موعدًا لها، وقد كان المشهد جماهيريًا عاطفيًا بشكل ملفت، وما زاده تميُّزًا الوفود الخليجية الكبيرة التي قصدت دولة الكويت برًّا وجوًّا للمشاركة في التشييع ومراسم العزاء..

تفاعلٌ كبيرٌ أثارَ عندي بعضَ الاستفهامات، فقد تُوفي قبل عبد الحسين عبد الرضا ممثلون كبار كان لهم حضورهم التمثيلي المميز في عقود من الزمن، ولكن لم يكن لأحدهم من التفاعلات الجماهيرية كما شهدناه في وفاة عبد الحسين.

خطر ببالي أمرٌ دفعني للبحث في تردداتِ وفيات المشاهير من الفنانين والسياسيين وغيرهم، فتتبعت بعضًا منها، ووجدتُ كمًّا كبيرًا من كلمات المدح والثناء لغناء المطربة المصرية أم كلثوم التي توفيت في 3 فبراير 1975م، والغريب أنَّ حوادث انتحار سُجِّلت تأثرًا بوفاتها، ولكن كيف كان، فالإعجاب كان بأدائها الغنائي.

ووجدتُ الكثير من عبارات الإعجاب بالشخصية السياسية والقيادية للرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي وافته المنية في 28 سبتمبر 1970م، ومثلها من مقالات الإكبار لمن تحدَّث مُعجبًا بسلمية الزعيم الهندي غاندي الذي اغتِيل في 30 يناير 1948م..

دارت الأحاديث -بحسب تتبعي القاصر- حول إنجازاتهم المهنية، وفي الغالب لم يخرج الإعجاب الجماهيري عن هذا الإطار الخاص.. وهنا توقفت..

أقفلتُ راجعًا لتتبع ما يقال عن الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا، فوجدتُ جُلَّه يدور حول الأبعاد الإنسانية في شخصيته، كإحسانه إلى الفقراء وتحمله مصاريف العلاج لبعض المرضى، وسعيه لإصلاح ذات البين وحلِّ المشاكل التي تطرأ على علاقات المحيطين به، واهتمامه بالتواصل مع الناس وعيادة المرضى، حتَّى أنَّ أولاده لم يتحدَّثوا عن غير وصية واحدة كان يوصي بها، وهي: تسامحوا وانشروا المحبة واهتموا بالتواصل مع الناس والترابط فيما بينكم.

خلصتُ بالتفَكُّرِ في بعض المقارنات إلى أنَّ شهرة عبد الحسين عبد الرضا التمثيلية ساعدت فقط في إظهار شخصيته الإنسانية التي أراها الأصل في اتِّساع وتباني ردود الأفعال العاطفية الإيجابية تجاه وفاته ورحيله عن هذه الدنيا..

بعيدًا عن أي حسابات أخرى، فنحن كأحياء ينبغي لنا ممارسة التعلم والاستفادة واخذ الدروس من أحداث وحوادث الحياة، ومنها وفاة عبد الحسين عبد الرضا من جهة السيرة الخافية عن الجماهير، والتي ما كانت لتظهر لو لا وفاته، وهي -كما يدور وينتشر الحديث- سيرة المحبة والتسامح وإصلاح ذات البين، وكان من نتاجها أن هبَّ الناسُ بمختلف مذاهبهم وانتماءاتهم ضدَّ الصوت الذي دعا لعدم الترحم عليه كونه (شيعي رافضي)!

عبد الحسين عبد الرضا (الإنسان)، طغى بشكل كبير على عبد الحسين عبد الرضا (الممثل)..

دعاؤنا للمؤمنين والمؤمنات بالرحمة والمغفرة، خصوصًا وأنَّ سعة اللطف الإلهي قد بَلَّغَهَا البيانُ القرآني (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)، ونسأله جلَّ في علاه أن لا نكون من (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).

 

السيد محمَّد علي العلوي

25 من ذي القعدة 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *