الرئيسية / مقالات / الرجوعُ للثوابتِ نجاتُنا وتضييعها ضياعُنا ll مقال لسماحة الشيخ محمود سهلان

الرجوعُ للثوابتِ نجاتُنا وتضييعها ضياعُنا ll مقال لسماحة الشيخ محمود سهلان

من المشاكلِ العميقة التي نعاني منها اليوم ضعف الارتكاز على نظرةٍ واضحةٍ للحياة، مما يضطرنا للتبرير غير المرتكز على شيءٍ ثابت يمكننا التعويل عليه، سواء التبرير لأنفسنا أو للآخرين، وعدم الثبات أيضًا يجرنا للنسبية المطلقة التي لا ضوابط لها إلا ما تراه أنفسِنا وأفكارُنا وثقافاتُنا الشخصيّة، فلا يؤول أمرُ الفردِ والمجتمع بسبب هذا إلا للشتات..

 

يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالطواف حولَ الكعبة المشرفة، فنحكِّم عقولَنا (بل أهواءنا وثقافاتِنا الشخصية) دون الرجوع لأيّ ثابتةٍ فنرفض العمل ونبرِّر ذلك، فنقول: الله لا يريد هذا لأنه لا فائدةَ منه والله غني عنه. هذا في حال تحكيمِ الأهواءِ والثقافات الشخصية، أمّا بالرجوع للثوابتِ المقرَّرَة في محلّها نقول: الله هو الغنيُّ المطلق والربّ الذي تجب طاعتُه فينبغي التسليم لأمره والالتزام به، سواء تمكَّنا من معرفة فلسفة الأمر أم لا، وحيثُ أنه تعالى حكيمٌ فلا يمكن أن يصدرَ منه إلا ما تقتضيه الحكمة فلا بدَّ من وجود منافعَ من هذا العمل الذي أَمرَنا به وهو الطواف، وكذلك نستطيع أن نُرجِع هذه المنافعَ لإيماننا بالغيب وهو ثابتةٌ أخرى.

 

يخبرنا الله تعالى عن طريق الوحي وأنبيائه وأوليائه عليهم السلام بأنّ هناك حياةً أخرى بعد أنْ يتوفَ الأنفس، وهناك معادٌ يُحاسَب الناسُ فيه فينالون جزاءَ أعمالهم، لكننا نركِّز كلّ جهودنا نحو البناء للدنيا، هذا راجع لحبِّ الدنيا والنظرة المادية التي تعلَّق بها الإنسان، حيث تجده يسعى لراحة نفسه وللرخاء في هذه الحياة التي لا تَعدو كونها جسرَ عبورٍ للآخرة، أما لو ارتكزنا في أفكارنا وأعمالنا وسعينا على هذه العقيدة الثابتة، أعني المعاد، فإنّ نظرتنا ستتغير وسيكون البناء لما بعد الوفاة، حيث أن حبّ الإنسان لنفسه وغرائزه تدعوه لطلب السعادة الأبديّة والخلود، وهذا ما يدعوه للتمسك بثابتةِ المعاد والبناء عليها، ما يُبعده عن المعاصي ويقرِّبه من الطاعات؛ أي أنه بالنظر لهذا الأساس يبتعد عمّا يُبعده عن نيل السعادة الأبدية، ويقترب ويسعى لما يقربه من تلك السعادة التي لا نصب بعدها.

 

في ذات السياق كثيرًا ما نسمعُ هذا القول: (الأخلاقُ هيَ الأهم).. نعم قد تكون الأخلاق بمعنى السلوك الخارجي هي الأهمُّ في بعض الأحيان من جهة حاجة الفرد للتعامل مع الآخر في بعض أموره، فهي بالنسبة إليه أهمُّ من غيرها لأنه يُحِبُّ أن يعاملَه الآخرون بأدبٍ وسلوك جيد، لكنها ليست الأهمّ بشكلٍ مطلق، بل هي جزءٌ من عدة أجزاءٍ ينبغي أن تتكامل بها الشخصية، فبالإضافة للأخلاق هناك العقيدة والقوانين (الأحكام الشرعية)، فبها تتكامل الشخصية، وعلى المستوى الشخصي أجدُ العقيدة الصحيحة هي التي نتمكن من البناء عليها، حتى الأخلاقَ السليمة والفقهَ الصحيح يرتكزان عليها، وإلا فيُخافُ على الإنسان مع أيّ خللٍ في عقيدته من الانحراف كلِّيًّا عند أي منعطفِ ضلالٍ قد يمر به على طول الطريق.

 

تصدر بعضُ الأفعال التي في ظاهرها مخالفةٌ للعقيدة السليمة أو الأخلاق الحميدة أو الأحكام الشرعية ممّن لا نحبُّ أنْ نرى منه ذلك، والتي يترتب عليها وصفًا معيّنًا من المولى عزّ وجل، وربّما تعزيرًا وربّما حدًّا أو قصاصًا، بل قد يكون ملعونًا لا يغفر الله تعالى له عندما يَثبُت في حقّه الفعل المستوجب لذلك، فنسارعُ للتبرير له والدفاع عنه، بل نحاول تحويرَ الحكمِ الشرعي ونتصرّف فيه لمصلحته، ذلك لأننا نحبّه أو أنّ لنا مصلحةً في التبرير له، حيث أننا نبتعد عن عقيدتنا وما يؤيده العقل من مولوية الله من جهة، ونتناسى أصلًا من أصول ديننا وهو العدل من جهةٍ أخرى، بينما عِوضًا عن التبريرات التي غالبًا ما تكون ضدَّ مصلحةِ الفاعل ومصلحة المجتمع وأفراده، كنّا نستطيع الاكتفاء بالسكوت إن لم يكن الكلام ضروريًا، وإن لم يكن الفعل المقابل ضروريًا..

 

الكثير من الآياتِ القرآنية والروايات المحمدية والعتروية تعلِّمنا الأساس الذي ينبغي أن ننظرَ للحياة عن طريقه، ثم نتحرّك من خلاله ونبني كلّ حركاتِنا وسكناتنا وأقوالنا عليه، لكنني أجد هذا القول لأميرِ المؤمنين عليه السلام من أهمّها وأوضحها، حيث قال عليه السلام: (رحمَ الله امرأً أعدَّ لنفسه، واستعدّ لرمسه.. وعَلِم من أين، وفي أين، وإلى أين).

 

محمود سهلان

٢٧ جمادى الأولى ١٤٣٩هـ

١٤ فبراير ٢٠١٨م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *