الرئيسية / مقالات / جهةُ “النظير في الخلق” في خصوص عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه)

جهةُ “النظير في الخلق” في خصوص عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين

 

عندما يقوم بناءٌ علميٌّ تصوريٌّ أو معرفيٌّ تطبيقيٌّ على استدلال خاطئ، سواء كان الخطأ في شك الاستدلال أو في مادَّته، فإنَّ نفس البناء يكون معتبرًا ما لم يُلتفت إلى الخطأ، ومع مرور الوقت وتكثُّر البناء والتنظير والأطروحات المستندة إلى ذلك الاستدلال يصعب الرجوع لغاية التصحيح، بل في الغالب تُواجه فكرة المراجعة بالرفض والصد؛ إذ أنَّ ما شُيِّد وقامة على تلك الأسس الخاطئة يُصبِح من الأصول والمسلمات.

من العبارات المتداولة تداولًا علميًا، وقامت عليها مجموعة من التنظيرات ما نُقِل عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أنَّه قال: (الناس صنفان، أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

أن يكون الناسُ صنفين؛ أخًا في الدين أو نظيرًا في الخلق، فهذا ليس هو بحثنا، وإنَّما الكلام في الاستدلال عليه بالعبارة المنسوبة لأمير المؤمنين (عليه السَّلام)؛ إذ إنَّ الإمام (عليه السَّلام):

  • لم ينسب الصنفين إلى (الناس).
  • لم يكن في وارد توجيه خطاب عام.

بيان ذلك:

جاء في عهده الشريف (عليه السَّلام) لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى) عندما ولَّاه مِصرًا، أنَّه قال:

“وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، ويُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَأِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّه مِنْ عَفْوِه وصَفْحِه، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ووَالِي الأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، واللَّه فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ، وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وابْتَلَاكَ بِهِمْ”[1].

الكلام في أمور:

أوَّلًا: المورد:

صَدَّرَ الإمامُ (عليه السَّلام) كتَابَهُ بِقَولِهِ: “بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. هَذَا مَا أَمَرَ بِه عَبْدُ اللَّه عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأَشْتَرَ فِي عَهْدِه إِلَيْه حِينَ وَلَّاه مِصْرَ”.

إنَّ القدر المتيقن المُفاد من المقام أنَّ تولية أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لمالك الأشتر مِصر هو الذي استدعى كتابة العهد، وبالتالي لا يمكن إغفال أخذ المنصب في موضوع العهد، فيكون لسان الخطاب هو: آمرك لكونك واليًا..

والخطاب على نحوين:

الأوَّل: عامٌّ يُطبَّق على موارده؛ فتكون القاعدةُ: كلُّ الناسِ بالنسبة إلى المسلم صنفان، أخ في الدين أو نظير في الخلق. ولم يكن كلامه (عليه السَّلام) أكثر من تطبيق وتأكيد.

إشكال: لا يمكن استفادة القاعدة من مورد التطبيق، وإنَّما لا يُخصَّصُ الوارد بالمورد فيما لو كان مُفادًا من غيره، وأمَّا لو لم ما يُفيد القاعدة فالمصير إلى الوقوف على القدر المتيقن، وهو المورد وإن أمكن التعدية، ولكنَّها تفتقر إلى دليل، أي لا بدَّ مِن شيء يُحقِّقها، وهو الدليل.

الثاني: خاصٌّ بالمورد، وهذا من قبيل المفهوم الجزئي من جهة كونه لا ينطبق على كثيرين، ومن أمثلته الطاعة المطلقة لخصوص جهة العصمة المُفادة من قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ)[2]، وهذه لا يمكن عقلًا تعديتها.

ثانيًا: مرجع الضمير في قوله (عليه السَّلام): “فإنَّهم صنفان”:

يرجع الضمير إلى (الرعية)، فيكون المعنى: لكونك الراعي فإنَّ الرعية بالنسبة لك صنفان، أي أنَّ المُصنَّف هم الرعية لا عموم الناس، ولو أردنا العام للزم أن يكون مُرادًا في ظرف النظر إلى الخاص، وهذا غير ممكن، وهو ممتنع كذلك في فرض إرادة كلِّ مسلم؛ والعلَّة هي العلَّة.

ثالثًا: الفرق في التطبيق بين أن يكون المخاطب هو الراعي أو أن يكون عامَّة المسلمين:

أمَّا الراعي فهو واحد يتساوى رعيتُه بالنسبة إليه من حيث النظير، ويزيد بعضهم من حيث الإسلام، والفائدة من البيان في العهد الشريف هو تساوي الرعية في الأحكام إلَّا ما يختصُّ به المسلمون.

أمَّا العموم فيكون كلُّ واحدٍ من المسلمين نظيرًا وأخًا للمسلم الآخر، وكلُّ واحد من غير المسلمين نظيرًا لكلِّ واحد من المسلمين، أي أنَّ مفهومي النظير والمسلم ينحلان في المجموع على النحو المتقدِّم، غير أنَّ الفائدة من حكم النظير غير متصورة الفائدة في الخطاب الموجَّه، بل الأدلَّةُ على خِلَافِهَا كما هو مُقرَّرٌ في الفقه حتَّى مع القول بكون غير المسلم نظيرًا للمسلم، وبالتالي فإنَّ الخطاب لو كان للعموم لكان فاقدًا للفائدة. فتأمَّل.

عليك أن تفهم جيِّدًا بأنَّ هذا لا ينفي أن يكون غير المسلم نظيرًا للمسلم في الخلق، ولكن ما نحن فيه هو الإثبات من خصوص دليل ما ورد في عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه)، لا سيما مع عدم ورود كلمة (الناس) فيه، بل ومن الواضح تغيُّر المعنى من حيث موضوع العموم وسعته. ولا تغفل عن أنَّ (الرعية) صفةٌ لبعض الناس، والصفةُ مُشخِّصةٌ للموضوع وهي المقدار المتيقن لمُصحِّح الحمل.

وسواء قام دليلٌ على أنَّ غير المسلم نظيرٌ للمسلم أم لا، فإنَّ كلمة (الناس) لم ترد في العهد الشريف، ولا يصحُّ إضافتها؛ لاختلاف المعنى كما مر، وهذا فيما لو قلنا بإطلاق جواز الرواية بالمعنى[3].

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

21 رجب 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

…………………………….

[1] – نهج البلاغة

[2] – الآية 59 من سورة النساء

[3] – للكاتب بحث بعنوان: المبنى.. في نقل الحديث بالمعنى http://main.alghadeer-voice.com/archives/5607

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *