الرئيسية / مقالات / عصرُ ما بعد الشذوذ، وواقع المُتَغَيِّر بالتبع

عصرُ ما بعد الشذوذ، وواقع المُتَغَيِّر بالتبع

أعوذ بالله السميع العليم من شرِّ الشيطان الغوي الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآلِهِ الطيبين الطاهرين

عصرُ ما بعد الشذوذ، وواقع المُتَغَيِّر بالتبع

ظهرت خِلال الأيَّام الماضية ردود فعلٍ صريحة من العلماء الأفاضل، وعموم جماهير الناس، رافضةً، بوضوحٍ وقَطْعٍ، التساهلَ مع ظهور شعارات خاصَّة، في مجتمعنا، يرفعها المنحرفون وأهلُ الشذوذ ومن يحتضنهم من دعاة الحرية والانفتاح. هذا متوقَّع؛ لطبيعة الأسوياء من البشر، فضلًا عن أن يكونوا أهل دينٍ والتزامٍ وورع.

كلامي في هذه المقالة ليس عن ردود الأفعال الرافضة لمثل هذه الانحرافات الخسيسة والشذوذ القذر، فهي ردود أفعال في محلِّها، ومن شأنها أن تعكس الحالة العامَّة لما عليه الناس.

غير إنَّ المقامَ يفتقر إلى تحليل للواقع والكشف عن مكامن القصور في نظرنا ورؤانا بشكل عام، ما تسبَّب في إضعاف روادعنا القوية ضدَّ عموم الاختراقات الثقافية وما في حكمها.

توطئة:

ما أكتبه في هذه المقالة كنتُ قد طرحتُه كثيرًا في مقالات ومحاضرات سابقة على مدى ما يقرب من الخمسة عشر سنة وأكثر، ولا أقول هذا لإثبات سبقٍ أو توجيه لائمة أو ما شابه، ولكنَّ الذي أرمي إليه هو بيان أمر مهم، بل هو ضرورة للإمساك بزمام الأمور.

حلقات التَشَكُّل الثقافي:

ثمَّة مقابلة دقيقة، من جهة القبول والتبني، بين ما جُبِلَ عليه الإنسان وبين ما ينحرف عمَّا جُبِلَ عليه. فالإنسان السوي لا يحتاج إلى مقدمات تثقيفية لبعثه على الإحسان؛ والوجه في ذلك أنَّ الإحسان من فطرته وممَّا يفعله بتلقائية ما لم يُشوش بكودورات الحياة الدنيا. أمَّا الانحراف عن الفطرة السويَّة فَلَهُ طريقان بارزان:

الأوَّل: الكسر القسري للنفس والتوحش عليها، كما في قتلِ قابيل لأخيه هابيل.

الثاني: تمكين الجواز في قبال التزام الاحتياط، كما هو الحال في جواز عباءة الكتف في قبال (عباءة الرأس).

أمَّا الأُولَى فليس محل كلامِنا، لأنَّه من النادر أن يتحول الكسر القسري للنفس السوية إلى طبيعة مجتمعية، إلَّا في تنظيمات العصابات والقتلة. ولكنَّ الثاني هو الأساس في عمل الشيطان الرجيم.

أذكُرُ هذه القصَّة لما فيها من توضيح لما قصدته:

عن ابن عبَّاس، قال:

“كان راهبٌ في الفترة يقال له بَرَصيصَا، قد تعبَّد في صومعته سبعين سَنة، لم يعصِ الله فيها طرْفة عين، حتَّى أعيَا إبليس، فجمَع إبليسُ مردةَ الشياطين، فقال: ألا أجِد مِنْكم مَن يكفيني أمْرَ برصيصا؟

فقال الأبيض، وهو صاحِب الأنبياء: أنا أكفيكَه. فانطلق فتزيَّا بزيِّ الرهبان، وحلَّق وسط رأسه، حتَّى أتى صومعةَ برصيصا، فناداه فلم يُجبْه، وكان لا يَنفتِل من صلاته إلَّا في كلَّ عشرة أيام يومًا، ولا يفطر إلاَّ في كلِّ عشرة أيام، وكان يواصِل العشرة الأيَّام والعشرين والأكثر، فلمَّا رأى الأبيضُ أنَّه لا يجيبه، أقبلَ على العبادة في أصْل صومعته، فلمَّا انفتل برصيصا مِن صلاته، رأى الأبيض قائمًا يصلِّي في هيئة حَسَنة من هيئة الرُّهبان، فندِم حين لم يجبْه، فقال: ما حاجتُك؟

فقال: أن أكونَ معك، فأتأدَّب بأدبك، وأقتبس مِن عَملِك، ونجتمع على العبادة.

فقال: إنِّي في شغل عنك. ثم أقبل على صلاته، وأقبل الأبيض أيضًا على الصلاة، فلمَّا رأى برصيصا شدَّةَ اجتهاده وعبادته، قال له: ما حاجتك؟

فقال: أن تأذنَ لي فأرتفع إليك، فأذِن له فأقام الأبيض معه حولاً لا يُفطِر إلَّا في كلِّ أربعين يومًا يومًا واحدًا، ولا ينفتِل من صلاته إلَّا في كلِّ أربعين يومًا، وربَّما مدَّ إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهادَه تقاصرتْ إليه نفسُه.

ثُمَّ قال الأبيض: عندي دعوات يَشفي الله بها السقيمَ، والمُبتلى والمجنون، فعلَّمه إيَّاها.

ثُمَّ جاء إلى إبليس، فقال: قد واللهِ أهلكتُ الرجل، ثم تعرَّض لرجل فخنَقَه، ثُمَّ قال لأهله – وقد تصوَّر في صورة الآدميِّين -: إنَّ بصاحبكم جنونًا أفأطبَّه؟

قالوا: نعم.

فقال: لا أقْوى على جنيِّته، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإنَّ عنده اسمَ الله الأعظم، الذي إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعِي به أجاب. فجاؤوه فدَعَا بتلك الدعوات، فذهَب عنه الشيطان، ثم جعَل الأبيض يفعل بالناس ذلك، ويُرشدهم إلى برصيصا، فيُعافون. فانطلق إلى جاريةٍ من بنات الملوك بيْن ثلاثة إخوة، وكان أبوهم مَلِكًا فمات واستخلَف أخاه، وكان عمُّها ملكًا في بني إسرائيل فعذَّبها وخنقَها، ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبِّب؛ ليعالجها، فقال: إنَّ شيطانَها مارد لا يُطاق، ولكن اذْهبوا بها إلى برصيصا، فدعوها عندَه، فإذا جاء شيطانُها دعا لها فبرِئتْ.

فقالوا: لا يُجيبنا إلى هذا!

قال: فابْنُوا صومعةً في جانب صومعته، ثُمَّ ضعوها فيها، وقولوا: هي أمانةٌ عندك فاحتسِبْ فيها. فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعةً ووضعوا فيها الجارية، فلما انفتَل مِن صلاته عاين الجاريةَ، وما بها من الجمال فأُسْقِط في يده، فجاءَها الشيطان فخنَقَها، فانفتل من صلاته، ودعَا لها فذهب عنها الشيطان، ثُمَّ أقْبل على صلاته فجاءَها الشيطان فخنَقها، وكان يكشِف عنها ويتعرَّض بها لبرصيصا، ثُمَّ جاءَه الشيطان، فقال: ويحَك! واقِعْها، فما تجد مثلَها، ثُمَّ تَتُوبُ بعد ذلك. فلم يزل به حتَّى واقعَها فحملتْ وظهر حملُها!

فقال له الشيطان: ويحَك! قد افتضحتَ، فهل لك أن تقتُلَها، ثم تتوب فلا تفتضح، فإنْ جاؤوك وسألوك، فقل: جاءَها شيطانها فذَهَب بها!

فقتَلَها برصيصا، ودفنها ليلاً، فأخذ الشيطان طرفَ ثوبها حتَّى بقي خارجًا من التراب، ورجَع برصيصا إلى صلاته.

ثُمَّ جاء الشيطانُ إلى إخوتها في المنام، فقال: إنَّ برصيصا فعَل بأختكم كذا وكذا، وقتَلَها ودفنَها في جبل كذا وكذا، فاستعْظَموا ذلك، وقالوا لبرصيصا: ما فعلتْ أُختنا؟ فقال: ذهب بها شيطانُها، فصدَّقوه وانصرفوا.

ثم جاءَهم الشيطان في المنام، وقال: إنها مدفونةٌ في موضع كذا وكذا، وإنَّ طَرْف ردائها خارجٌ من التراب، فانطلقوا فوجدوها، فهَدَّموا صومعته وأنزلوه وخنَقوه، وحملوه إلى الملِك فأقرَّ على نفسه فأمر بقتْلِه.

فلما صُلِب قال الشيطان: أتَعرِفني؟

قال: لا والله!

قال: أنا صاحبُك الذي علمتُك الدعوات، أما اتقيتَ الله، أما استحيت وأنت أعبدُ بني إسرائيل؟! ثم لم يَكفِك صنيعك حتى فضحتَ نفسك، وأقررتَ عليها، وفضحتَ أشباهك من الناس، فإنْ متَّ على هذه الحالة لم يفلحْ أحدٌ من نظرائك بعدَك.

فقال: كيف أصنع؟

قال: تُطيعني في خصلة واحدة وأنْجيك منهم، وآخذ بأعينهم.

قال: وما ذاك؟

قال تسجُدُ لي سجدةً واحدة!

فقال: أنا أفعل. فسجَد له من دون الله!

فقال: يا برصيصا، هذا أردتُ منك، كان عاقبة أمرك أن كفرتَ بربِّك، إني برئ منك، إني أخاف الله ربَّ العالمين!”[1].

يأتي الشيطانُ الإنسانَ عن طريق البِرِّ والإحسان بما يُحقِّق مزاحمة خادعة في المِلاكات، فيُقدِّمُ المؤمنُ مِلاكَ ما ألبَسَهُ الشيطانُ لباس الإحسان، وإذا به شيئًا فشيئًا يقع في مصيدته دون شعور، بل ويبقى يتقلَّبُ فيها ويبتعد عن جادَّة الصلاح متصالحًا مع الخطأ وراضيًا بالباطل بعد تَزَيُّنِهِ بثوب الحق أو الخير أو الصلاح!!

بعد ذاك، وحينما يقع الإنسان في دائرة القناعة المغلوطة والباطلة، ولا يتمكَّن من التخلُّص مِن ضغطها؛ فإنَّه يسلك طريقًا شيطانيًا من ابداعات نفس الشيطان، وهو طريق القول بالنسبية؛ فيقول: أرى هذا الأمرَ صحيحًا وحقًّا، وقد تراه خلاف ذلك، فهي وجهات نظر، والحقيقة نسبية!!

من هنا تحديدًا يدخل المجتمع في ميوعة تستوعب وتتمكَّن من مختلف نواحي حياته.

إنَّه واقع مُعقَّد، وللوقوف عليه عن إشرافٍ ونظرٍ دقيق، لا بُدَّ من الوعي بما من شأنه أن يكون مبدأ للانحراف والسقوط، مع وقوعه في ضمن ثقافة الانفتاح وعقلية التطبيع والتماهي.

أوَّلُ الكلام: ثقافة الحرية الأعم من الشخصية والجماعية:

هذه ثقافةٌ دخلت من بوابة المصالح المتبادلة، أي: حتَّى يُفسَح المجالُ لمشروعي فلا بدَّ لي من السكوت على مشروع الآخر وإنْ كانَ مُعارَضًا من أدبياتي أو أصولي الدينية، وهذه المصالح المتبادلة غير ممكنة ما لم يُؤسَّس لها بمثل: حريَّات الرأي والاختيار والقرار وما نحو ذلك من قبيل حقِّ تقرير المصير وحقِّ الانتخاب.. وغيرها ممَّا قد يكون من الحقوق فعلًا، غير أنَّ إمضاءه والقبول به غير ممكن ما لم يُقبل بغيره من حقوقٍ تُدَّعى زورًا وإفسادًا.

ومن ذلك سؤال: كيف نقبل لأحد بأن يتدخَّل في خيارات الآخر وأموره الشخصية؟

في الوقت الذي يعطي، بل يُوجِبُ، الإسلام العظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية بين المؤمنين بعضهم على بعض في ذلك الأمر والنهي، يكون الترويج إلى ثقافة وعقلية حرية الاختيار وأنَّ أحدًا لن يُحاسَب مع غيره في قبره!

وأكثر من ذلك أن تُدَعَّم هذه الأفكار بآيات قرآنية، من قبيل (لكم دينكم ولي دين)، والحال أنَّ هذه الآية الشريفة في مقام تقريع وتصغير الآخر الذي لم يقبل بدعوة السماء. وكذا الكلام في باقي الموارد التي يترك فيها النبي قومه لما اختاروه غضبًا منه عليهم وإعراضًا عنهم، لا لتأسيس مبدأ حرية الرأي والعقيدة كما يتوهم كثيرون!

تذكيرٌ بأمرٍ مهم:

الفساد حلقاتٌ متتابعة، قد لا تبدأ بفساد، ولكنَّها تجرُّ إليه شيئًا فشيًا في عملية تطبيع عميق معه.

بداية الحلقات:

مقدمة: نخطئ خطأ خطيرًا في تعاملنا مع الأحكام الشرعية وتبليغها، وذلك بجعلها تدور بين الحرام والواجب، وقد اتحدَّتْ بذلك، في أذهان العِباد، الثالثةُ الأخرى في واحد، هو الجواز والإباحة، فلا مكروه ولا مستحب. أمَّا المكروه أو ما تشوبه محاذير فيُفعل لكونه ليس من الحرام، وأمَّا المستحبُّ فلا يُعتنى به إلَّا في موارد دفع البلاء وما شابه!

ولذلك، إنَّنا نتذكَّر جيِّدًا كيف كان الوشمُ (الدقُّ – tattoo) من المُحرَّمات في عموم المجتمع، وقد كان الآباء يستدلون على انحراف الشاب عندما يرون على يده وشمًا، فيأمرون أولادهم بالابتعاد عنه وعدم مصاحبته، فهو في عُرف المجتمع (لوفري).

إنَّ هذا الموقف من الوشم يشكِّل قوَّة ثقافية وتربوية رادعة عن ارتكاب ما هو أشدُّ منه، بل ويخلق في أفراد المجتمع فضيلةَ مراجعة النفس واعتبار المجموع في الخيارات الفردية.

أمَّا اليوم، فلو قلتَ لأحدهم عن الوشم، فإنَّ المنسبق على لسانه هو: ليس بحرام.. هل هناك فتوى بالحرمة؟

ولسنا ببعيدين عن مراحل التحول في أشكال وألوان العباءة، فمن إنزالها من على الرأس إلى الكتف، انتهاءً بعباءة (البشت) بالألوان والزخارف، فرجعت الفساتين بعنوان (عباءة)، والسبب هو ربطها بستر مفاتن المرأة فقط؛ والحق أن العباءة أو الجلباب له، في الحكمة منه، ارتباطٌ وثيقٌ بالحياء، ومن أهمِّ مظاهره مشية المرأة، ويُطلب فيها الهدوء وتقارب الخطوات بحيث أن لا يكون لها معالم مميزة أمام الرائي. أمَّا اليوم فبكلِّ جرأة وسفور ترفض المرأة مثل هذا الستر الأصيل بحجَّة أنَّه يعيق حركتها! والحال أنَّ الحركة مطلوبة في العمل، والعمل ليس بحرام، فيقع التزاحم ويُجاب بجواز أي لبس بشرط الستر وأن لا يكون حاكيًا لجسمها!

ومثل ذلك الكثير الكثير من القضايا التي تضافرت فأنتجتْ ثقافةً خاصَّة يسهل معها إدخال الكثير من الموبقات تحت عناوين الحرية.

هذه مفردات موزَّعة، ولا يظهر منها أدنى علاقة بالتطبيع مع سائر الانحرافات مثل التشبه من الرجال بالنساء أو من النساء بالرجال، ولكنَّ الذي لا بدَّ من التنبُّه إليه هو أنَّ هذه المفردات هي في الحقيقة والواقع قوام ذلك التطبيع.

وهنا لا بدَّ من الانتباه جيِّدًا إلى أنَّ الرفض الذي قد نشهده ضدَّ بعض المظاهر يكون هو نفسه داخل المنظومة الثقافية لحرية الرأي؛ فأنت ترفض لأنَّ من حقِّك أن ترفض. ولكن.. ليس أكثر من التعبير عن الرفض، ولك أن تسلك بعض القنوات (الديموقراطية). وفقط!

مسألة (الشذوذ الجنسي):

ملاحظة: لا يروق لي، بل أرى أنَّه من الخطأ، استعمال مثل هذا المصطلح، ولكن، يا للأسف، فإنَّ الواقع يفرض علينا مراعاة بعض الاعتبارات المهمَّة، وإلَّا فالأنسب، بل الصحيح هو أن نستعمل التعبير الصريح الوارد في نصوص الثقلين الشريفين.

توطئة:

إنَّ المرحلة القائمة ليست من مراحل التأسيس أو مجرَّد إشاعة فكرة الشذوذ، ولفهم الواقع بشكل صحيح، فلننتبه للتالي:

دولنا ومجتمعاتنا ليست من مواقع إطلاق الأفكار التي يُراد (عولمتها) واعتناقها أو التطبيع معها، بل نحن من الرقعة الأكبر والمساحة الشاسعة في الكرة الأرضية التي تصلها الفكرة (المُعَولمة) وصول فرضٍ وواقع لا يمكن الفِرار منه..

بعبارة أخرى:

للفكرة التي يراد (عولمتها) ثلاث محطَّات أو مراحل رئيسية:

الأولى: التنظير والتغليب الثقافي في بلد أو مكان المنشأ.

الثانية: الإشاعة الواسعة في المواقع القابلة ثقافيًا وفكريًا لاعتناق الفكرة (المُعَولمة).

الثالثة: التصدير على نحو الفرض والواقع إلى المجتمعات الموصوفة بصفة (المتغير بالتبع) في قبال (المتغير بالاستقلال).

لذا، فإنَّ مواجهة مثل هذه (المُعولمات) لا يمكن لها النجاح بمجابهة الفاعل؛ وذلك لتنامي قوته في المرحلتين السابقتين، وبذلك يترجَّح العمل المركز مع القابل، وهو ما سوف يأتي الكلام عنه قريبًا إن شاء الله تعالى.

تمهيد:

نتحدَّث في مجتمعاتنا اليوم عن (الحداثة) ونحاول أن نبيِّن خطرها وما فيها من مساوئ عظيمة، والحال أنَّ الحديث عنها من المفترض أن نكون قد فرغنا منه قبل ممَّا لا يقل عن أربعة عقود؛ إذ إنَّ نقد الحداثة والدخول في تاريخ حضاري جديد أطلقوا عليه (ما بعد الحداثة) قد بدأ فعلًا عُقيب الحرب العالمية الثانية بعد وقوع المجازر، والدمار الذي لحق بقوى الفاشية العالمية، وقد أرجعوه إلى عناوين عقدية كبرى هي التي يُستَنَد إليها في تسويغ الحروب العالمية المُدَمِّرة، فجاءت فلسفات ما بعد الحداثة بمبدأ التشكيك الموجَّه بتركيز تام نحو العناوين والمعتقدات الكبرى، مِن مقولة (الإله) إلى ما دونها من قِيَمٍ واعتبارات بما فيها قِيَم واعتبارات (الحداثة)! ففي ما بعد الحداثة يرون أنَّ في الحداثةِ قيودًا لا بدَّ من نسفها (لسلامة البشرية).

إذن، تقوم فلسفة ما بعد الحداثة على التنفير من أدنى خِلاف مُسَبَّبٍ عن اختلاف في عقيدة أو قناعة أو فكرة، وعليه فالأدبية والأصل فيها هو القبول بكلِّ شيءٍ (مُطلقًا) ورفض كل ما ينقض أو يُعارِض هذا الأصل، حتَّى لو كان من مبادئ الحداثة![2]

ذكرتُ الحداثة وما بعد الحداثة لأنَّني أريد التنبيه بوضوح على أنَّ حديثنا اليوم عن (الشذوذ الجنسي) متأخِّرٌ كثيرًا؛ ففي (بلد المنشأ) يبحثون حرية الطفل في تغيير جنسه دون الرجوع إلى والديه، بعد أن كان ذلك من حقوقه، ولكن بشرط مرافقة أحد والديه إليه للمستشفى أو العيادة من أجل إجراءات التحول أو استعمال الأدوية المثبِّطة للهرمونات الخاصَّة، ولا يحقُّ لهم منعه وعدم دعمه؛ لأنَّ ذلك تدخل في حريته الشخصية ومجابهة لمشاعره الخاصَّة!

لتصوُّر الحالة الثقافية العامَّة يمكنكم الرجوع إلى الكثير من الوقائع والقضايا المطروحة أمام القضاء في ولاياتٍ أمريكية، ومنها ما نشرته (bbc news) بتاريخ 27 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2019 للميلاد، تحت عنوان: “أمريكا: نزاع قضائي بين أب وأم بشأن الهوية الجنسية لطفلهما يثير جدلًا”. وممَّا جاء فيه:

“وقالت جورجولاس، التي تعمل طبيبة أطفال، إنَّ طفلها الذي لديه أخ توأم بدأ يعبر عن رغبته في أن يكون فتاة في عام 2015، حين كان الطفل في الثالثة من عمره، وطلب ارتداء الفساتين، وأن يبدو بمظهر الشخصيات النسائية في فيلم “فروزن” الذي أنتجته شركة ديزني”[3].

أردتُ من اختياري لخصوص هذه الفقرة من الخبر التنبيه إلى أنَّ الأمر قد تجاوز مسألة التشريع والتصويت، فهو اليوم ثقافة مجتمعية هناك، يبحثون لترشيدها (مالك الحق) للتحول، لا أصل مسألة التحول. وإنْ طُرِح الأصلُ للمناقشة فهذا لا يؤثِّر في تجاوز الشذوذ مرحلة التأسيس الثقافي في المجتمع.

لا ينبغي أن نغفل هنا عن أنَّ أيَّ محاولة هناك لرفض فكرة حقِّ اختيار الجنس فلا بدَّ وأن تواجه بالرفض؛ لكونها مخالفة لإطلاق الحريات الشخصية، وهي من الثقافات المشاعة في المجتمع إشاعة حكمٍ وفصل. فإمَّا القبول، وإلَّا فالسكوت والإغضاء، أمَّا الرفض فيعني مراجعةً لأصول فلسفاتهم، وهذا ما لا يريدونه قطعًا.

إذن، فالأمر هناك متقدِّمٌ كثيرًا عن مسألة الشذوذ الجنسي، بل وعلى حقِّ التحول؛ فما هم فيه الآن التجذير، وليس التأصيل، لإطلاق القبول بكلِّ خيارات البشر مهما كانت مُنكَرة في اعتبارات الادِّعاءات الكبرى في الحياة.

ممَّا قد يثير تعجُّب القارئ أنَّ ما يُطرَح في الغرب، وعلى وجه الخصوص في أمريكا، هو حقُّ الطفل في عدم تحديد جنسه قبل أن يُفصح هو عنه، فسواء كان بحسب الطب ذكرًا أو أنثى، فإنَّ له أن يجيب بعكس الواقع؛ لأنَّه، وببساطة شديدة، يريد ذلك!! فما يبحثونه اليوم تشريع هذا الحق! (يعني: يقول الولد الذكر كامل الذكورة: لست ذكرًا، بل أنا أنثى) وهذا يكفي في إثبات الأنوثة له كحقٍّ من حقوقه المدنية!

مجتمعنا في مواجهة أخطار الحداثة، فضلًا عمَّا بعدها:

مجتمعنا محافظ، ومهما تراجع في بعض مظاهر الالتزام إلَّا أنَّنا اليوم لا نتصوَّر احتمال وصوله إلى ما عليه المجتمعات الفاسدة في الغرب، إلَّا أنَّ مشكلة عظيمة قد يحدثُ بسببها انهيارٌ يستحيل، أو يصعب، تداركه. الأمر كالتالي:

يرتكز المؤمنون في التزامهم القِيمي، على اختلاف درجات تدينهم، على الواقع التديني مُتَجَسِّدًا في أمرين رئيسيين:

الأوَّل: العلماء وطائفة طلبة العلم.

الثاني: الاطمئنان الديني.

أرجو الانتباه بجدٍّ وعناية فائقة..

أمَّا فيما يخصُّ إسناد المؤمنين ظهورهم للعلماء وطلبة العلم:

وصلتْ إلى الناس مظاهرُ لِخِلَافَاتٍ بين العلماءِ لها تَبِعَاتٌ سَيئةٍ مِنْ تَسْقيطٍ وإقصاءٍ وما شَابَه، وسواء كانت تلك المظاهر مكذوبة على العلماء أو غير مكذوبة، فقد كان لها الأثر العميق في ضعف ركيزة الاستناد إلى العلماء وطلبة العلم كقوَّة وجودية تستقر معها السفينةُ في خضمِّ أمواج البحار العالية.

يكمن التعقُّد في هذه المشكلة في أنَّ نفسَ ضعف الثقة أو الاطمئنان أو الارتياح لعُلَمَاء يأتي مُستبطَنًا في اتِّباع الناس لفريقٍ منهم، أي من العلماء؛ وهذه هي طبيعة التأسيسات والوجودات الحزبية والتيارية، فهي قائمة على: أنا وفقط، وإن كان (أنا وأنت) فلمصالح حزبية!

وبالتالي، فإنَّ الكون في حزب أو تيَّار يحمل نوع اقتضاءٍ، بل هو اقتضاء، لتخطئة الآخر. وأكثر من تخطئته، وهذا أمر له شياعه وتردُّداته بين العِباد، فَيُوجِدُ في لا وعيهم واقعًا من التنازع والتدابر بين العلماء.

لذا، فإنَّ ضعف الثقة الذي نشير إليه عارِضٌ على الكثيرين بنسب متفاوتة.

في الواقع لا أريد الاستطراد في هذا الأمر الأوَّل تجنُّبًا لاضطرارِ البسط وبالتالي الخروج عن موضوع المقال. ولكنَّني أكتفي بدعوة صادقة، بل هي غاية في الصدق، إلى كافَّة الجماعات والتيارات أن يُكَثِّفوا التواصل فيما بينهم كجماعة واحدة، وليس (جماعتنا وجماعتهم)؛ ولا كلام في أنَّ القوَّة والثبات والاطمئنان، كلَّها فضائل وقوَّة معلولة للتقارب والتآخي والتصافي، والتشاور والتناصح فيما بين المؤمنين.

أمَّا الاطمئنان الديني:

لا يخفى على أحدٍ ما يعيشه الناسُ من موجاتٍ عالية من التشكيك في النصوص وما تسالم عليه الشيعة من سالف الأزمان، وقد بات الشك والتشكيك سِمَةً من سمات هذا العصر، وبذلك ضعُف الاطمئنان الديني بعد أن طالت يد التشكيك كلَّ نصٍّ، وتفسير، أو قولٍ لعالمٍ، أو فقيه، ناهيك عن التشكيك في التاريخ والحوادث التي كان البحث فيه من اختصاص العلماء وأهل الفضل.

لم تكن تلك الحالة انغلاقًا للعلماء عن عامَّة الناس، بل كانت حماية لهم من إقحامهم فيما لا يعنيهم، وما إذا اقتحموه أضرَّهم. اختلطت الأمور ومُحِقت القوانين والأصول، فكانت النتيجة أن ضعُف، في لا وعي الناس، اطمئنانهم للتدين.

النتيجة:

خفَّ العِبادُ وصاروا إلى ضعفٍ أمام مختلف الواردات الثقافية، وكأنَّهم جسمٌّ من بعد قوَّة ضعُفَتْ مناعتُه فأمسى مرتعًا للحُمات وأنواع الأمراض.

الخلاصة:

لا شكَّ في أهمية الرفض لمظاهر وعناوين الشذوذ، ولكنَّ الأهمَّ والأشدَّ ضرورةً هو العملُ المدرُوسُ والجَادُّ على إعادة الاعتبار لأمور، منها: اليقين، ومنها: القيم المجتمعية الأصيلة، ومنها: الكبير؛ عالِمًا كان أو والدًا أو حكيمًا أو شيبةً ممَّن خبر الحياة، ومنها: الردع المجتمعي.. وغير ذلك ممَّا يدخل في قوام القوة النفسية والذهنية والفكرية للعباد في مواجهة واردات الفساد والضلال.

تنبيه:

تعتمدُ قوى الشيطان أدوات إفسادها عن دراسة دقيقة، ومن ذلك تصميمها للمصطلحات والشعارات الحاملة لفلسفاتها وأفكارها ومبادئها، وما نحو ذلك.

مثال: يُصمِّمُ المنظمون لتيَّار الشذوذ، على مختلف أنوعه وأشكاله، مصطلحاتهم وشعاراتهم بحيث أن يحملَ نفس التصميم رسائل تمرُّ إلى الذهن بمجرَّد سماع الشعار أو مشاهدة التصميم، وهذا، على أيَّة حال، علمٌ يدرسُه طلبةُ التصميم والإعلام.

لذا، فمن الأهمية بِمَكَانٍ الحذر الشديد من استعمال مصطلحاتهم أو نشر شعاراتهم، حتَّى لو علتها علامات وإشارات وكتابات تُعبِّر عن رفضها؛ حيث إنَّ نَفْسَ وجودها يترك أثرًا تطبيعيًا في نفس السامع أو الرائي بدرجة ما. وليُكتَفى بتوصيف الشعار عن إبرازه بأي شكل من الأشكال.

وليكن في البال دائمًا أنَّ شجرة الزقُّوم لم ولن يُحصد منها غير رؤوس الشياطين. إنَّهم يحرصون على تمييع المفاهيم في مصطلحات مُجمَّلة. ومن ذلك:

تنتشر في بعض الولايات الأمريكية عبارة: (Love Is Love)، أي: (الحبُّ حبٌّ). والمراد من إشاعة هذه العبارة هو أنَّ الحبَّ (الغرامي) سواء وقع بين رجل وامرأة، أو بين رجل ورجل، أو بين امرأة وامرأة، أو بين إنسان وحيوان.. فهو حبٌّ ولا فرق يقتضيه اختلاف المورد!

وفي القرن السابق استعملوا وأشاعوا كلمة (Making Love) لتعبر عن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة والتي تكون في غالبها خارج العلاقة الشرعية، فالزنا (والعياذ بالله) ليس إلًّا: فِعل الحُبِّ! والآن هم يستملون نفس العبارة ونفس الأسلوب (Love).. وبالتالي.. ما بالكم؟ لِما تمنعون علاقة الحب الرجل والرجل؟ أوليس حبًّا؟

هناك الكثير من المصطلحات الموغلة في الخطأ، ولكن لشدَّة حضورها حتَّى في خطابنا الإسلامي فإنَّني لا أتمكَّن من الإشارة إليها! هذا بالرغم من أنَّ استعمالنا لها في مواجهتنا للانحرافات فيه إعانة للتطبيع والتهاون والتساهل مع الانحرافات التي نريد مواجهتها.

إذا اتَّضح ذلك، فلنكن على موعد دائما مع ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) قوله:

“مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي”[4].

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

23 شوَّال 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

………………………

[1] –  الجامع لأحكام القرآن – القرطبي- ج20 ص 380 – 382 (تحقيق الدكتور عبد الله التركي، طبيعة مؤسَّسة الرسالة)

[2] – راجع: ما بعد الحداثة.. مقدمة قصيرة جدًّا – كريستوفر باتلر، ترجمة نيفين عبد الرؤوف، مؤسَّسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى 2016 للميلاد

[3]https://www.bbc.com/arabic/world-50195086

[4] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 391

2 تعليقان

  1. حسين العريبي

    شكراً على المقال الرائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *