الرئيسية / مقالات / (الدينُ وواقعُ الحياة) – الحلقة الثانية: مقالة التنقيح .. فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(الدينُ وواقعُ الحياة) – الحلقة الثانية: مقالة التنقيح .. فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين

(الدينُ وواقعُ الحياة) – الحلقة الثانية: مقالة التنقيح

فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مدخل:

تَتَفَشَّى في مختلف شرائح المجتمع عقليةٌ تميل إلى أصالة التطورات العلمية في قبال كلِّ نصٍّ، أو عادة، أو تقليد، أو ما نحو ذلك ممَّا يكون فيه الموضوع هو الإنسان من حيث معنوياته وسلوكياته وعلاقاته مع نفسه ومع محيطه، ومع ربِّه. ولذا؛ ظهرت رؤى تجتمع تحت عناوين مثل: مواكبة الدين للحياة، أو: تجديد القراءة للنص الديني، أو: فقه الزمان والمكان.. وما إلى ذلك من عناوين تؤسِّسُ إلى عقلية تحريك الدين وتوسعته وتضييقه بحسب ما يقتضيه واقِعُ التطورات العلمية.

أنتجت هذه العقليةُ قطعًا بعدم إمكان التسليم للتشريعات الدينية مع التغير المستمر في الحياة وظروفها، لا سيَّما مع مطالبات المتدينين بعرض مطلق وقائع الحياة على الموازين الدينية الشرعية، فإن وافقت سُمح بالأخذ بها، وإلَّا فلا.

من هنا ظهرت مقولةُ أنَّ الدين يعيق التطور والتحضُّر، فجعلوه في قبال (المَدَنِيَّة) مع محافظة طوائف على ضرورة الإيمان بالله الخالق القادر، والتسليم لتشريعاته في حال وجود نبي مرسل فقط!

أطروحات: الله والحياة:

مِنَ البحوث القديمة بِقِدَم الإنسان والدين بحثُ الدور السماوي في تحديدات شئون الناس المتغيرة، لا سيَّما مع دعاوى النبوة والاتصال بالله عن طريق الوحي وما شابه.

نشأت أطروحات (الله والحياة) من القول بعدم القطع بكون القوانين الدينية هي فعلًا ما جاءت به الأديان السماوية، والذهاب إلى أنَّها ليست إلَّا (فهم) رجال الدين وتفسيراتهم للنصوص، فقالوا:

أوَّلًا: ليس من العقل وضع أمر الناس بأيدي رجال يدَّعون مطابقة ما يفهمونه من النصوص الدينية لواقعها، وإن لم يرقَ الأمر إلى ادِّعاء المطابقة فلا أقل من المعذرية، ويضم إليها الوجوب الشرعي لطاعتهم وعدم الحيد عن كلمتهم.

ثانيًا: جرت سيرة العقلاء منذ الخلق الأوَّل على وضع القوانين والتعارف عليها والتزامها، وإيقاع ما يُلزِمُ بها من عقوبات وإدانات وروادع، سواء بقوانين أو بواقع مجتمعي خاص.

منشأ هذه السيرة حُبُّ الإنسان لنفسه وحرصه على سلامة مسيرته في هذه الدنيا، وهو أمر أصيل فيه، بل وفي الحيوانات بحسبها.

لذا، فلا معنى لفرض وصايةٍ على الإنسان؛ وقد سيَّر حياته دائمًا، سواء وصله دينٌ سماوي أم لا. وهذا منضمًا إلى:

ثالثًا: مع التسليم بالقوانين الدينية وإلى تطبيقها، ينتفي مجرَّد إمكان الدعوى لمراجعتها والمطالبة بالتعديل عليها لمواكبة الحياة، كيف وتُهَم الكفر والضلال والانحراف والابتداع جاهزةٌ لصبِّها على من يتحدَّث في ذلك فضلًا عن أن يُطالِبَ به.

لذا، فالخيار الأسلم دائمًا هو قصر الأديان على الأبعاد العبادية، وهي خاصَّة بالأفراد، وما دون ذلك فلا مكان لمناقشته؛ لما تقدَّم.

تفكيك المغالطة وتصحيح الفهم:

الأصل والعرش:

أوَّلًا: بعد التسليم بالخالق وبكونه غنيًا مطلقًا، يقع اليقين إثباتًا بحكمته المطلقة، وإلَّا لانتفى كونه غنيًّا مطلقًا. أي أنَّ غناه المطلق لا يستقر ما لم يكن مطلقًا في حكمته وقدرته وما نحو ذلك؛ لأنَّه حينها يحتاج إلى ما يُتمِّ به النقص في مثل هذه الصفات، وهذا نقضٌ لكونه غنيًّا.

ثانيًا: ليس بالضرورة أن تنكشف لنا جهات الحكمة في أفعاله سبحانه وتعالى، فمثلًا: لو ولِدَ مولودٌ برأس حصان وجسد إنسان، فهذا محلُّ استغرابنا، ولكنَّنا لا نُنكره؛ لكوننا على عقيدة أصيلة بأنَّ الحكمة التامَّة والبالغة فيما وقع.

إذا فهمتَ ذلك، قلنا:

من الحكمة أن لا يصدر الفعلُ موجَّهًا لجهة لا قابلية لها إليه، ولذلك لا يصبُّ العاقِل الماء على سطح طاولة؛ لضعف قابليتها لاحتوائه، ولكنَّه يصبُّه في قدح مُجوَّف.

عندما صنع العاقل التجويف جسم حتَّى صار قدحًا فذلك لجعله قابلًا لاستيعاب ما يُصبُّ فيه، وربَّما كانت الغاية عند صنعه هي أن يكون للماء، وقد لا يريد صانعه أن يُملأ القدح بالتراب أو بعصير البطيخ مثلًا، غير إنَّ كلَّ هذا لن يغير من قابليته لأنْ يكون ظرفًا لأي شيءٍ يُصبُّ أو يوضع فيه. فالعاقل عند صُنعِه للقدح جعل فيه القابلية، أمَّا الاستعمال فراجع لكلِّ من يقع القدح في يده، وحينها قد يستعمله فيما صُنِع له، وقد يستعله في غير ذلك، وهذا لا يغير في العمل على وفق الغاية من جعل القابلية.

إذا فهمتَ ذلك، مثَّلنا بالتطبيق التالي:

أراد اللهُ سبحانه وتعالى للإنسان أنْ يسعى لكمالاته في نشأة الحياة الدنيا، وهذا غير مُتصوَّر ما لم يجعل فيه أمرين؛ أوَّلهما الباعث على تحصيل الكمالات، والثاني القابلية لاستيعابها، ويتحقَّق ذلك بجعله مُحِبًّا لنفسه؛ وإلَّا فلا فرق عنده بين تحصيله وعدم تحصيله للكمالات.

فيكون النظر إلى التالي: فإمَّا أن يُحبَّ نفسه لحبِّه لله تعالى، فلا يتجاوز حدوده المقررة في الثقلين ولا يتخلَّف عنها، وإلَّا فهو الوقوع في صنوف الطغيان وألوانه؛ حيث إنَّه حينها يحبُّ الدنيا لأناه، وهذا بحثٌ لسنا بصدده في مقالتنا هذه.

نقول:

جعل المولى تبارك ذكره في الإنسان الباعث على تقنين حياته ووضع التشريعات لغايةِ تحقيقِ ما يضمن سلامةَ الناس من الظلم والجور، ومن كلِّ ما يُخلُّ باتِّزان المجتمع، وإلى جانب الباعث جعل فيه القابلية لتلقي تلك التشريعات واستيعابها. ممَّا مرَّ نعلم بأنَّ قدرة الإنسان على التشريع وقابليته على استيعاب تلك التشريعات والعمل على وفقها والقبول بالعقاب عند مخالفتها، لا يعني صحَّة أنْ يقوم هو بالتشريع.

ومثل ذلك الكثير من القابليات التي جعلها الله تعالى في الإنسان فخان أمانتها وتجرَّأ فيها على الله تعالى. منها الوجود التكويني للباعث على المقاربة الخاصَّة بين الرجل والمرأة، فهذا الباعث لا يجيز إيقاع المقاربة كيفما اتَّفق.. وقس على ذلك.

آية إكمال الدين وحديث الثقلين:

قال سبحانه وتعالى (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)[1]، وقال تبارك ذكره (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[2].

وفي المتواتر قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “إنِّي تَارِكٌ فِيكُم مَا إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِ لن تضلُّوا؛ كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَبل ممدود، وعترتي أهل بيتي، ولنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَليَّ الحَوضَ”[3].

ثُمَّ إنَّه قد جاء متواترًا عنهم (عليهم السَّلام) بيان ما يقوم عليه الدين؛ ومنه ما عن الفضيل بن يسار، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السَّلام)، قَالَ:

“بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ عَلَى الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصَّوْمِ والْحَجِّ والْوَلَايَةِ، ولَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِأَرْبَعٍ وتَرَكُوا هَذِه. يَعْنِي الْوَلَايَةَ”[4].

وفي الولاية قال الله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ)[5].

من الواضح أنَّ الوَلاية زائدة فيما لو كانت مقصورة على العقيدة والعبادات، وممَّا لا يحتاج إلى مزيد جهد للوقوف على واقعه هو استيعاب الولاية المنصوصة في الموارد الشريفة لكلِّ نواحي الحياة، وهو الفصل الواضح في قوله تبارك ذكره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)[6]. فالولاية إذن إمامة وقيادة للحياة، خلاف ذلك يحتاج إلى الدليل على المُخصِّص. فافهم.

نشيد بناء هذه النصوص على أصلين:

الأوَّل: حكمة الله تعالى دافعة لأن يكون قد خلق هذا الخلق وترك أمرهم دون تشريع يستوعب كافَّة جوانب الحياة.

الثاني: لطفه تبارك ذكره دافع لأن يُوكِلَ هذا الدين العظيم لأفهام البشر على سعة اختلافاتهم وأذواقهم ومشاربهم.

ينتجُ عن الأوَّل رُجُوعُ حَقِّ التشريع له سبحانه وتعالى، ويكونُ تَشريعُ مَن دونه فَسَادًا في كلِّ ما حاد عن تشريعاته جلَّ في علاه. وعن الثاني الاختلاف بين المختلفين في الأفهام لا يُخرجهم عن الحدود الطبيعية والمقبولة شرعًا، ويدلُّ عليه ما عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام)، قَالَ:

“إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ؛ وذَاكَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِثُوا دِرْهَمًا ولَا دِينَارًا، وإِنَّمَا أَوْرَثُوا أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَظًّا وَافِرًا، فَانْظُرُوا عِلْمَكُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَه، فَإِنَّ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولًا يَنْفُونَ عَنْه تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ”[7]؛ فكلُّ زيادة أو نقيصة بسبب الأفهام البشرية فإنَّها تحت عناية العدول المرعية بيد اللطف الإلهية. وذكره (عليه السَّلام) لتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين لا يفيد الحصر فيها، ولكنَّه من باب ذكر الفرد الأخطر.

ولا تغفل عن أنَّ هذا المستوى من الاختلاف في الأفهام طبيعيٌّ، وهو من مقتضيات قوَّة الاختيار التي جعلها الله تعالى في الإنسان.

تنبيه:

إنَّ عدم استتباب الحكم للثقلين راجعٌ لفساد الإنسان وإصراره على الخسران، وقد قال سبحانه (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)[8]، ولا شكَّ في أنَّ (ذكري) غير محدَّدة بعقيدة أو عبادات أو معاملات؛ فهي عامَّة لكلِّ حكومة الإسلام المستوعبة لكافَّة نواحي الحياة في الفرد والمجتمع وما يرتبط بهما مطلقًا.

قال تبارك ذكره (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)[9].

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في شقشقته التي يعتصر القلبُ ألمًا مِمَّا فِيها: “فَصَبَرْتُ وفِي الْعَيْنِ قَذًى وفِي الْحَلْقِ شَجًا؛ أَرَى تُرَاثِي نَهْبًا …”.

ما نُقرِّره هنا هو أنَّ انحراف السواد الأعظم من الناس عن جادَّة الحق، لا لقصور في الدين، وإنَّما لإصرارهم على الخسران المبين، وعلى جرِّ الدين وتجييره لما تهواه وتشتهيه نفوسهم.

حقيقةٌ لا يصحُّ إغفالها:

عندما يُولَدُ إنسانٌ في وسط المزابل فإنَّه يعتادها ويألف ما فيها من روائح وقذارات حتَّى يصل به الأمر إلى أنَّه يستوحش من النظافة ويرفضها، وحينها لن يقتنع بأنَّ (المزبلة) أمرٌ سيء، وأنَّ الخير في النظافة والطهارة.

إنَّها مُعضلة.. حقًّا هي مُعضِلة يفقد فيها ذوو العقول لغةَ التفاهم مع من طُبِعوا على الفساد والضلال.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام)، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله):

“كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ وفَسَقَ شَبَابُكُمْ ولَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟!

فَقِيلَ لَه: ويَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟!

فَقَالَ (صلَّى الله عليه وآله): نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ ونَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟!

فَقِيلَ لَه: يَا رَسُولَ اللَّه، ويَكُونُ ذَلِكَ؟!

قَالَ (صلَّى الله عليه وآله): نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا والْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا”[10].

إنَّه، وبعد ما مرَّ، فإنَّه لا شكَّ ولا شبهةَ، بل ولا يسوغُ لذي مروءة أن يشكِّكَ في أنَّ أيَّ فسادٍ يحدثُ في فردٍ أو جماعةٍ أو مجتمعٍ فهو معلولٌ لضعف أو عدم التَمَسُّك بالثقلين، الكتاب العزيز والعترة الطاهرة، وللوقوف على المفاسد التي آل الحال إلى التطبيع معها انقل في الهامش خطبةَ الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في حجَّة الوداع، راجيًا من القارئ الكريم قراءتها بعناية فائقة[11].

فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أنبأ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السَّلام) عن زمان يُرى فيه المُنكر معروفًا فيُؤمر به، والمعروف مُنكرًا فيُنهى عنها، وحينها يكون المؤمن غريبًا ويذوب قلبه في صدره كما يذوب الملح في الماء.

فإنَّنا، من جهةٍ، بعد وقوفنا في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة على فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنَّهما المحور في ضمان سلامة المجتمع ومنعته وقوَّة وجوده، ومن جهة أخرى، شهادتنا للواقع الصريح الرافض لهاتين الفريضتين وعدهما من التدخلات في الشئون الخاصَّة، ارتأينا التنبيه على التالي:

من حيثُ الموقف من التعاليم الإسلامية العظيمة فإنَّ الناس على طوائف، أذكر منها طائفتين:

طائفة مؤمنة بتعاليم الدين الحنيف وما يقدمه الفقهاء والعلماء من صحائف مؤيدة في جملتها بيد اللطف الإلهية[12]، وهي تبحث عن الخطاب الذي يُعِزُّها ويعينها على أن تتد أقدامها في أرض طيبةٍ صلبةٍ لا يتهددها خورٌ يهلكها.

وطائفة مؤمنة، ولكن لا دراية لها بتعاليم الدين الحنيف، وهي على تمام الاستعداد للأخذ بها وتصحيح مساراتها بمجرَّد معرفتها والوقوف عليها، ومن هذه الطائفة صنفٌ يفعل الخطأ ويرتكب المنكرات، وربَّما أصرَّ عليها، ولكن عن جهلٍ وضعفٍ في معرفة الموقف الشرعي منها. لذا فإنَّه بمجرَّد أن يقف أهلُها على قول الشارع المقدَّس سَارَعوا إلى الانتهاء والندم.

ثُمَّ من بعد ذلك فإنَّنا لسنا معنيين على الإطلاق بمن ليس من هاتين الطائفتين، ونرجوه أن يتوقف عن إكمال قراءة المقال، إلَّا إذا كان طالبًا للمعرفة البسيطة، وإلَّا فإنَّنا نطرح عقيدتنا المتجذرة والراسخة، ولسنا نضعها للمناقشة على الإطلاق؛ فهي من الثوابت، والثوابت بذاتها وتكوينها تأبى المناقشة لغير التعريف.

ميزان الجهة المُخاطبة مُفادٌ من قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[13].

لذا، فإنَّا نُصدِّر ذكرنا لأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنداءٍ للمؤمنين، فنقول:

أيُّها المؤمنون..

في بيانِ أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لدعائم الإيمان؛ قال: “والْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، والصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ. فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، ومَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ وأَمِنَ كَيْدَه”[14]. فنحن، إن شاء الله تعالى، نتواصى فيما بيننا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر لنشدَّ ظهور بعضنا البعض، ولنزوي المنافقين عن أبوابنا. وقد روى مُعَاوِيَةُ بْن عَمَّارٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): “رَجُلٌ رَاوِيَةٌ لِحَدِيثِكُمْ يَبُثُّ ذَلِكَ فِي النَّاسِ ويُشَدِّدُه فِي قُلُوبِهِمْ وقُلُوبِ شِيعَتِكُمْ، ولَعَلَّ عَابِدًا مِنْ شِيعَتِكُمْ لَيْسَتْ لَه هَذِه الرِّوَايَةُ. أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟

قَالَ (عليه السَّلام): الرَّاوِيَةُ لِحَدِيثِنَا يَشُدُّ بِه قُلُوبَ شِيعَتِنَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ”[15].

بالجمع بين الروايتين الشريفتين يتبين أنَّ لأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ميزتين زيادة على كونها ممَّا تُشدُّ به القلوب؛ حيث إنَّ الأولى تشدُّ ظهر المؤمن، والثانية تُرغم أنف المنافق. فلا تغفل.

فلنُدقق النظر في الرواية الشريفة التالية:

عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السَّلام)، قَالَ:

“يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يُتَّبَعُ فِيهِمْ قَوْمٌ مُرَاؤُونَ؛ يَتَقَرَّؤُونَ ويَتَنَسَّكُونَ.. حُدَثَاءُ سُفَهَاءُ.. لَا يُوجِبُونَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ ولَا نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ إِلَّا إِذَا أَمِنُوا الضَّرَرَ. يَطْلُبُونَ لأَنْفُسِهِمُ الرُّخَصَ والْمَعَاذِيرَ.. يَتَّبِعُونَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ وفَسَادَ عَمَلِهِمْ.. يُقْبِلُونَ عَلَى الصَّلَاةِ والصِّيَامِ ومَا لَا يَكْلِمُهُمْ فِي نَفْسٍ ولَا مَالٍ، ولَوْ أَضَرَّتِ الصَّلَاةُ بِسَائِرِ مَا يَعْمَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وأَبْدَانِهِمْ لَرَفَضُوهَا كَمَا رَفَضُوا أَسْمَى الْفَرَائِضِ وأَشْرَفَهَا!

إِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ؛ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ. هُنَالِكَ يَتِمُّ غَضَبُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ فَيَعُمُّهُمْ بِعِقَابِه فَيُهْلَكُ الأَبْرَارُ فِي دَارِ الْفُجَّارِ والصِّغَارُ فِي دَارِ الْكِبَارِ.

إِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبِيلُ الأَنْبِيَاءِ ومِنْهَاجُ الصُّلَحَاءِ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ؛ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ، وتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ، وتَحِلُّ الْمَكَاسِبُ، وتُرَدُّ الْمَظَالِمُ، وتُعْمَرُ الأَرْضُ، ويُنْتَصَفُ مِنَ الأَعْدَاءِ، ويَسْتَقِيمُ الأَمْرُ. فَأَنْكِرُوا بِقُلُوبِكُمْ والْفِظُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ وصُكُّوا بِهَا جِبَاهَهُمْ، ولَا تَخَافُوا فِي اللَّه لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَإِنِ اتَّعَظُوا وإِلَى الْحَقِّ رَجَعُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ). هُنَالِكَ فَجَاهِدُوهُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وأَبْغِضُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ غَيْرَ طَالِبِينَ سُلْطَانًا ولَا بَاغِينَ مَالاً ولَا مُرِيدِينَ بِظُلْمٍ ظَفَرًا، حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّه ويَمْضُوا عَلَى طَاعَتِه.

قَالَ (عليه السَّلام): وأَوْحَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ إِلَى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ (عليه السَّلام): أَنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ؛ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ، وسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ. فَقَالَ (عليه السَّلام): يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الأَشْرَارُ، فَمَا بَالُ الأَخْيَارِ؟ فَأَوْحَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ إِلَيْه: دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي، ولَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي”[16].

من بيانات الرواية الشريفة:

  • صفة الرافضين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدار رفضهم هو ما تسببه الفريضتان من الإضرار بمصالحهم ومشتهياتهم.
  • لا شكَّ في أنَّ أداء الفرائض من كلِّ فردٍ لا يتوقَّف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلَّا من جهة نفس التأدية للفريضة. لذا فإنَّ الأظهر رجوع الإقامة الواردة في الرواية الشريفة إلى أحد أمرين أو لكلاهما:

الأوَّل: إقامتها في المجتمع بمعنى أن تكون سمة بارزة فيه، ويكون المتخلِّف عنها شاذًا منبوذًا.

الثاني: إقامة آثارها وما يُرجى من امتثالها، كرفض الفحشاء، والتقوى، ووحدة كلمة المؤمنين.. وما إلى ذلك ممَّا فُصِّل في الكثير من النصوص.

  • حفظ العدل والإنصاف والصدق بين الناس بالقوة الثقافية لفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي قوَّة رادعة؛ ولذا أرجع إليهما (عليه السَّلام) مثل: أمنِ الْمَذَاهِب، وحِلِّ الْمَكَاسِبِ، ورَدِّ الْمَظَالِمِ، وإعمارِ الأَرْضِ، والانتصافِ مِنَ الأَعْدَاءِ، واستقامةِ الأَمْر.
  • عدم التردُّد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • ألَّا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طلبًا لمكانة أو سلطان، أو أي شيء من مطالب الدنيا، وإنَّما يؤدَّيان لكونهما فريضتين يُتقرَّب بهما إلى الله سبحانه وتعالى.

ما يمكن الخلوص إليه: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عزٌّ للمؤمنين وتدينهم، ويظهر أنَّ الرافض لهاتين الفريضتين العظيمتين مانع لخير المؤمنين وعزَّتهم، وقد جاء عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وأَبِي عَبْدِ اللَّه (عليهما السَّلام)، قَالَا:

“وَيْلٌ لِقَوْمٍ لَا يَدِينُونَ اللَّه بِالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ”. وعن أبي جعفر (عليه السَّلام) أنَّه قَالَ: “بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَعِيبُونَ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ”. وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام): “الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللَّه، فَمَنْ نَصَرَهُمَا أَعَزَّه اللَّه، ومَنْ خَذَلَهُمَا خَذَلَه اللَّه”. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السَّلام) يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: “إِذَا أُمَّتِي تَوَاكَلَتِ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيَأْذَنُوا بِوِقَاعٍ مِنَ اللَّه تَعَالَى”[17].

وقال أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في خطبة له: “فَإِنَّه إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَيْثُ مَا عَمِلُوا مِنَ الْمَعَاصِي ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ عَنْ ذَلِكَ، وإِنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ عَنْ ذَلِكَ، نَزَلَتْ بِهِمُ الْعُقُوبَاتُ. فَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ واعْلَمُوا أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يُقَرِّبَا أَجَلاً ولَمْ يَقْطَعَا رِزْقًا”[18].

الواقع الذهني والنفسي لنفس المعروف والمنكر:

في رواية شريفة عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام)، قَالَ:

“إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ مَلَكَيْنِ إِلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ لِيَقْلِبَاهَا عَلَى أَهْلِهَا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدَا رَجُلاً يَدْعُو اللَّه ويَتَضَرَّعُ. فَقَالَ أَحَدُ الْمَلَكَيْنِ لِصَاحِبِه: أمَا تَرَى هَذَا الدَّاعِيَ؟ فَقَالَ قَدْ رَأَيْتُه، ولَكِنْ أَمْضِي لِمَا أَمَرَ بِه رَبِّي. فَقَالَ: لَا؛ ولَكِنْ لَا أُحْدِثُ شَيْئًا حَتَّى أُرَاجِعَ رَبِّي.

فَعَادَ إِلَى اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى، فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَجَدْتُ عَبْدَكَ فُلَانًا يَدْعُوكَ ويَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ!

فَقَالَ تعالى: امْضِ بِمَا أَمَرْتُكَ بِه؛ فَإِنَّ ذَا رَجُلٌ لَمْ يَتَمَعَّرْ وَجْهُه غَيْظًا لِي قَطُّ”[19].

بحسب الميزان العملي فإنَّ أداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُحقِّقُ الغايات المرجوة من الفريضتين، أو شيئًا منها، إلَّا أنَّ أمر الآمر ونهي الناهي ليس بالضرورة أن يكونا من كمالاته إلَّا أنْ ينبعث لهما من منطلقِ غضبٍ حقيقيٍّ لله سبحانه وتعالى؛ وهذا ما يُفَاد من الأمر الإلهي بقلب مدينة على أهلها بالرغم من وجود عابد متضرِّعٍ يعبده سبحانه فيها، ولكنَّه لا اعتبار له عند الله جلَّ في علاه، والسبب أنَّ وجهه لم يتمعَّر غيظًا لله تعالى قط! (أي لم يتغير لونه غضبًا لله تعالى).

خطورة الفريضتين:

بعدما وقفنا على الأهمية البالغة والضرورة القصوى لفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّنا نرى ضرورة أخرى؛ وهي الحذر من أن نسلك طريقًا ننقض فيه الغاية السامية للفريضتين العظيمتين. بيان ذلك:

يُعلَّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مدى الدقة في تشخيص الموضوع الخارجي إن كان حقًّا من المعروف أو من المنكر؛ حيثُ إنَّ الاشتباه في التشخيص من شأنه تعريض الفريضتين إلى حَمَلَات العَامَّة المُسَيَّسة من الشيطان وجنوده. وهو المحذورُ نَفسُهُ نُعرِّضُ له الفريضتين فيما لو أتحنا تأديتهما لعامَّة الناس دون قيود وضوابط.

ذكرنا فيما سبق المقطع التالي من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السَّلام)؛ وهو: “فَإِنَّه إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَيْثُ مَا عَمِلُوا مِنَ الْمَعَاصِي ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ عَنْ ذَلِكَ، وإِنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ عَنْ ذَلِكَ، نَزَلَتْ بِهِمُ الْعُقُوبَاتُ. فَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ واعْلَمُوا أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يُقَرِّبَا أَجَلاً ولَمْ يَقْطَعَا رِزْقًا”.

فقد بيَّن (عليه السَّلام) رجوع الهلاك لعدم فيام الربانيين والأحبار بالنهي عن المعاصي والتمادي في ارتكابها، ويظهر الوجهُ في ذلك من تفصيل للإمام الصادق (عليه السَّلام) عندما سًئِل عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ أوَاجِبٌ هُوَ عَلَى الأُمَّةِ جَمِيعًا؟

فَقَالَ (عليه السَّلام): “لَا.

فَقِيلَ لَه: ولِمَ؟

قَالَ (عليه السَّلام): إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُطَاعِ الْعَالِمِ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْمُنْكَرِ، لَا عَلَى الضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَهْتَدِي سَبِيلاً إِلَى أَيٍّ مِنْ أَيٍّ يَقُولُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ قَوْلُه (ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)؛ فَهَذَا خَاصٌّ غَيْرُ عَامٍّ، كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: (ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِه يَعْدِلُونَ)؛ ولَمْ يَقُلْ: عَلَى أُمَّةِ مُوسَى ولَا عَلَى كُلِّ قَوْمِه، وهُمْ يَوْمَئِذٍ أُمَمٌ مُخْتَلِفَةٌ والأُمَّةُ وَاحِدَةٌ فَصَاعِدًا، كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّه)، يَقُولُ مُطِيعًا لِلَّه عَزَّ وجَلَّ.

ولَيْسَ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فِي هَذِه الْهُدْنَةِ مِنْ حَرَجٍ إِذَا كَانَ لَا قُوَّةَ لَه ولَا عُذْرَ ولَا طَاعَةَ”[20].

لكنَّنا نعلم بأنَّ المعروف والمنكر، كلاهما على مراتب، فمن كلِّ واحدٍ منهما ما هو جلي لا خلاف فيه، وغيره يعتريه شيءٌ من التشبُّه، وثالث ما لا يعرفه غير العالِم الفقيه. كما وأنَّ احتمال التأثير من الأمر والنهي راجع إلى الفاعل والدائرة التي يُوقِعُ فيها فعله، فتأثير الأب في بيته قد يكون أعمق منه في الأصدقاء، أو ربَّما العكس؛ بحسب قوَّةِ حضورِهِ الشخصي ومدى التقدير والاعتبار الذي يحظى به من أهل الدائرة.

نخلص إلى أمور:

الأوَّل: لتحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرطان:

  • العلم بالمعروف والمنكر، ولا يصحُّ التظني والاحتمال، بل لا بدَّ من العلم.
  • احتمال التأثير احتمالًا مُعتبرًا عند العقلاء.

الثاني: الفريضتان واجبتان على العلماء الفقهاء؛ لحديث أمير المؤمنين (عليه السَّلام)، ولعلمهم، ولزيادة احتمال تأثيرهم.

يتفرَّع على هذا الأمر ضرورة الاهتمام بالقوة الاعتبارية للعلماء بين المؤمنين؛ لكون هذه القوَّة مُمَهِّدًا رئيسيًّا لممارستهم لدورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثالث: توجيه الأمر والنهي إلى مجتمع المؤمنين خاصَّة، إكرامًا وإعزازًا لهم امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى.

يتفرَّع عليه ضرورة الاهتمام بتنمية قابليات المؤمنين لاستيعاب الفريضتين والاستعداد التام لامتثالهما وتغيير الحال بحسبهما.

الرابع: لا تسامح على الإطلاق في أدنى تخلُّف عن الامتعاض الحقيقي والضيق الواقعي للمنكر مهما صغُر وتماهى معه عَالَمَا الإنْسِ والجِنِّ.

تنبيهٌ وخاتمةٌ:

لا بدَّ لنا من التنبُّه بعزَّة فائقة، إلى ما تعطيه الكيانات الفكرية الدنيوية من حقِّ معارضتها الشرسة للدين وإصرارها على سلبه كلَّ حقوقه في طرح رؤاها، هذا مع دعوتها دائمًا إلى الحريَّة والتعدُّدية!

إنَّها حريَّة وتعدُّدية مشروطة بأن لا يكون الطرحُ المُقابِلُ حاملًا لما ينقض رؤاها وما تنادي إليه. وقد يقبلون من بعض البعض شيئًا رغم الاختلاف، ولكنَّهم على حساسيَّةٍ مَرَضيَّةٍ ضدَّ كلِّ ما يحمل صبغة الإسلام! ألا تراهم صمًّا بكمًا حيال حركة الشذوذ الجنسي العالمية في الوقت الذي يرفعون فيه عقائرهم ضدَّ حجاب المرأة أو لحية المتدين أو عمامة العالِم؟!

إنَّهم يبيحون لأنفسهم، بل يعدونه من أبجديات حقوقهم، أن يأمرون بما هو في معتنقاتهم معروفًا، وينهون عمَّا فيها منكرًا.. كلُّهم هكذا، ولكنَّ الأمر إذا وصل إلى الإسلام نفوه وأظهروا نفورهم منه!! لا أحد يعيش التناقض والأزدواجية كما يعيشها هؤلاء.

من هنا أوصي نفسي وكافَّة المؤمنين بالحذر من الانجرار وراء أصواتهم العالية والانشغال بالدفاع أمامهم عن عقيدتنا وشريعتنا والتبرير لكلِّ ما لا ترتضيه عقولهم الضيقة وصدورهم الحرجة.

هذه دُرَّةٌ فلنعيها ولنجعل نواصينا بيدها؛ فعَنْ ثَابِتٍ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام):

“يَا ثَابِتُ، مَا لَكُمْ ولِلنَّاسِ؟! كُفُّوا عَنِ النَّاسِ ولَا تَدْعُوا أَحَدًا إِلَى أَمْرِكُمْ؛ فَوَاللَّه لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وأَهْلَ الأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْدًا يُرِيدُ اللَّه هُدَاه مَا اسْتَطَاعُوا. كُفُّوا عَنِ النَّاسِ ولَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ أَخِي وابْنُ عَمِّي وجَارِي؛ فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا طَيَّبَ رُوحَه فَلَا يَسْمَعُ بِمَعْرُوفٍ إِلَّا عَرَفَه ولَا بِمُنْكَرٍ إِلَّا أَنْكَرَه، ثُمَّ يَقْذِفُ اللَّه فِي قَلْبِه كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَه”[21].

إذا فهمنا ذلك ووعيناه، فليكن الإصرار البالغ منَّا على التواصي فيما بيننا بالحق آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر لنقوي هاتين الفريضتين في أوساط المؤمنين ما استطعنا. أمَّا الآخرين فنحن، حسب تصريح الإمام (عليه السَّلام) نصًّا، في هدنة، والوعد عند الظهور الشريف للإمام المهدي بن الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).

نلتقي إن شاء الله تعالى في المقال القادم مع ضوء نُسلِّطه على مسألة مهمَّة لا يحسنُ النظرُ فيها ما لم نستوعب ونهضم ما طرحناه في هذا المقال وسابقه.

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السَّلام)، قال:

“مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي”[22].

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

16 من شي القعدة 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

………………………………..

 

[1] – الآية 3 من سورة المائدة

[2] – الآية 19 من سورة آل عمران

[3] – كمال الدين وتمام النعمة – الشيخ الصدوق – ص 235

[4] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 2 – ص 18

[5] – الآية 55 من سورة المائدة

[6] – الآية 59 من سورة النساء

[7] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 32

[8] – الآيات من 124 إلى 126 من سورة طه

[9] – الآية 70 من سورة المائدة

[10] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 59

[11] – روى الميرزا النوري (نوَّر الله مرقده الشريف) في المستدرك، ج11 ص 372 – 374، قال: أبو محمد الفضل بن شاذان في كتاب الغيبة: حدثنا عبد الرحمن بن أبي نجران (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عاصم بن حميد، قال: حدَّثنا أبو حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن العبَّاس، قال: حججنا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حجَّة الوداع، فأخذ بحلقه باب الكعبة وأقبل بوجهه علينا، فقال:

“معاشر الناس، ألا أخبركم بأشراط الساعة؟

قالوا: بلى، يا رسول الله.

قال: من أشراط الساعة: إضاعة الصلوات، واتِّباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم المال، وبيع الدين بالدنيا. فعندها يذوبُ قلبُ المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء؛ ممَّا يرى من المنكر، فلا يستطيع أن يغيره. فعندها يليهم أمراء جورة، ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأمناء خونة، فيكون عندهم المُنكرُ معروفًا، والمعروفُ منكرًا.

ويؤتمن الخائن في ذلك الزمان، ويُصدَّق الكاذبُ، ويُكَذَّبُ الصادقُ، وتتأمر النساءُ، وتُشَاورُ الإمَاءُ، ويعلو الصبيان على المنابر، ويكون الكذبُ عندهم ظرافة، فلعنة اللهِ على الكاذب وإن كان مازحًا. وأداء الزكاة أشد التعب عليهم خسرانًا ومغرمًا عظيمًا. ويُحَقِّرُ الرَجُلُ والديه ويسبُّهُمَا، ويبرأ من صديقه، ويجالس عدُّوه. وتشارك (المرأةُ) الرجلَ زوجها في التجارة، ويَكتفي الرِجَالُ بالرجال والنِسَاءُ بالنساء، ويُغَارُ على الغلمان كما يُغَارُ على الجارية في بيت أهلها، وتشبَّه الرجَالُ بالنِسَاءِ والنِسَاءُ بالرجال، وتَرْكَبْنَ ذواتُ الفُرُوجِ على السروج.

وتُزَخرَفُ المَساجِدُ كما تُزَخْرَفُ البِيَعُ والكَنَائِسُ، وتُحلَّى المصاحِفُ، وتُطَوَّلُ المنارات، وتكثر الصفوف، ويقل الإخلاص، ويؤمهم قومٌ يميلون إلى الدنيا، ويحبون الرئاسة الباطلة، فعندها قلوب المؤمنين متباغضة، وألسنتهم مختلفة.

وتُحلَّى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير والديباج وجلود السمور، ويتعاملون بالرشوة والربا، ويضعون الدين ويرفعون الدنيا، ويكثر الطلاق والفراق، والشك والنفاق، ولن يضروا الله شيئًا.

وتظهر الكوبة والقينات والمعازف، والميل إلى أصحاب الطنابير والدفوف والمزامير، وسائر آلات اللهو. ألا ومن أعان أحدًا منهم بشيءٍ من الدينار والدرهم والألبسة والأطعمة وغيرها، فكأنَّما زنى مع أمِّه سبعين مرَّة في جوف الكعبة. فعندها يليهم أشرار أمَّتي، وتُنتهك المحارم، وتكتسب المآثم، وتسلط الأشرار على الأخيار، ويتباهون في اللباس، ويستحسنون أصحاب الملاهي والزانيات، فيكون المطرُ قيظًا، ويغيظ الكرامُ غيظًا، ويفشوا الكذب، وتظهر الحاجة، وتفشو الفاقة. فعندها يكون أقوامٌ يتعلمون القرآن لغير الله، فيتخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله، ويكثر أولاد الزنى، ويتغنون بالقرآن، فعليهم من أمَّتي لعنة الله.

وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتَّى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلَّ من الأمة!

ويظهر قراؤهم وأئمتهم فيما بينهم التلاوم والعداوة، فأولئك يُدْعَونَ في ملكوت السماوات والأرض الأرجاس والأنجاس.

وعندها يخشى الغنيُّ من الفقير أن يسأله، ويسأل الناس في محافلهم فلا يضع أحدٌ في يده شيئًا.

وعندها يتكلم من لم يكن متعلمًا، فعندها تُرفع البركة، ويمطرون في غير أوان المطر، وإذا دخل الرجل السوق فلا يرى أهله إلَّا ذامًّا لربهم، هذا يقول: لم أبع. وهذا يقول: لم أربح شيئًا! فعندها يملكهم قومٌ، إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم. يسفكون دماءهم، ويملؤون قلوبهم رعبًا، فلا يراهم أحدٌ إلَّا خائفين مرعوبين. فعندها يأتي قوم من المشرق وقوم من المغرب، فالويل لضعفاء أمَّتي منهم، والويل لهم من الله، لا يرحمون صغيرًا، ولا يوقرون كبيرًا، ولا يتجافون عن شيءٍ، جثتهم جثة الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين، فلم يلبثوا هناك إلَّا قليلًا، حتَّى تخور الأرضُ خورة، حتَّى يظنُّ كلُّ قومٍ أنَّها خارت في ناحيتهم، فيمكثون ما شاء الله، ثُمَّ يمكثون في مكثهم، فتُلقي لهم الأرضُ أفلاذ كبدها، (قال: ذهبًا وفضة، ثُمَّ أومأ بيده إلى الأساطين، قال: فمثل هذا)، فيومئذٍ لا ينفع ذهبٌ ولا فضةٌ. ثُمَّ تطلع الشمسُ من مغربها.

معاشر الناس، إنِّي راحِلٌ عن قريب ومنطلقٌ إلى المغيب، فأُوَدِّعُكُم وأُوصيكُم بوصية فاحفظوها؛ إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله وعترتي أهل بيتي، إنْ تمسكتم بهما لن تضلُّوا أبدًا. معاشرَ الناس، إنِّي مُنذرٌ وعليٌّ هاد. والعاقِبَةُ للمتقين، والحمد لله رب العالمين”.

[12] – مرَّ الدليل عليه.

[13] – الآية 71 من سورة التوبة

[14] – الكافي الشيخ الكليني – ج 2 – ص 51

[15] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 33

[16] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 55 – 56

[17] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 59

[18] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 57

[19] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 57 – 58

[20] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 59 – 60

[21] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 2 – ص 213

[22] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 391

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *