الرئيسية / مقالات / بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة المُوَكِّل

بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة المُوَكِّل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين

بيان الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في حال عدم سبق إرادة المُوَكِّل

بناءً على مناقشات مع بعض أهل الفضل (جزاهم الله تعالى خيرًا) حول ما قرَّرتُه في مقالتي (مسألة توكيل الزوجة في تطليق نفسها)[1]، أُفرِدُ مقالةً خاصَّة لبيان الوجه في ما انتهى إليه النظر القاصر من الانتقاض الذاتي للوكالة في التطليق في غير موارد إيقاع ما يريده الزوج فعلًا وإنَّما منع مانع أو ما شابه من أن يوقعه بنفسه فوكَّل فيه. فإنَّ المناقشات المشار إليها أظهرت أنَّ محلَّ الخلاف هو في أصل انعقاد الوكالة في التطليق في المورد الذي تكون فيه إرادة الوكيل مقابلة لإرادة المُوَكِّل، وقد تحرَّر موضع الكلام؛ وهو كاشفية التوكيل محل الكلام، حيث إنَّ بعض الفضلاء ذهبوا إلى أنَّ التوكيل كاشفٌ عن رضا المُوكِّل في الطلاق عن إيقاع الوكيل له، وهو الذي ما ارتضاه النظر القاصر.

أصَدِّرُ بمقالة للشَّيخ محمَّد جواد مغنية (رحمه الله تعالى) لغاية التأييد ودفع استيحاشٍ قد يعرض على البعض.

قال:

“أجل، يجب هنا الاحتياط، لأنَّ الفروج، تمامًا كالدماء، ولِأنَّ توكيلها من الشبهات التي يجب الوقوف عندها. هذا، إذا كان توكيلها بالطلاق بعد العقد، أما إذا اشترط ذلك في متن العقد بحيث يجوز لها أن تطلق نفسها متى تشاء يبطل الشرط جزمًا و يقينًا، لأنَّه تحايلٌ على اللّه بجعل الطلاق في يدها، و وقوعه بالرغم عن الزوج، و قد أجمع الفقهاء قولًا واحدًا على فساد كلِّ شرطٍ مخالف لكتاب اللّه و سنَّة نبيه، فقد سُئِلَ الإمامُ الباقِرُ أبو الإمام الصادق (عليهما السَّلام) عن رجل تزوج امرأة، و اشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق.

قال: خالفت السُّنَّة، ووليت حقًّا ليست له بأهل. إنَّ عليه الصداق، وبيده الجماع والطلاق.

وقال الإمام الصادق (عليه السّلام): “لا طلاق إلّا لِمَنْ أراد الطلاق”[2]. و لو صحَّت هذه الوكالة لصحَّ أنْ تُوَكِّل المرأةُ الخليَّةُ رَجُلًا ضِمْنَ عَقْدٍ لازمٍ كالبيع أنْ يُزَوجَهَا بِمَنْ يَشَاء، حتَّى ولو لم ترض بِهِ، ولا أظنُّ أحدًا يَجْرُؤ على فتح هذا الباب وهو يعلم عواقبه الوخيمة”[3].

التوكيل ودعوى الكشف عن موافقة أرادة الموكِّل لإرادة الوكيل حين إيقاع الطلاق:

قبل الشروع أُذكِّر بأنَّ “الوكالة هي: تَسليطُ الغَيرِ على مُعَامَلَةٍ مِنْ عَقْدٍ أو إيقَاعٍ أو مَا هو من شُؤونِهِمِا كالقَبْضِ والإقْبَاضِ”[4]، ومن أهمِّ ما تتميَّز به “أنَّ العمل الصادِر عن الوكيل كالبيع يُنسَبُ إلى المُوَكِّل ويُعَدُّ عملًا له، فيًقال: (بَاعَ زيدٌ دارَهُ) وإن كان المباشرُ للبيع وكيله”[5].

وعليه فلا إشكال في صحَّة التوكيل في الطلاق ما لم تنتف كاشفية التوكيل عن موافقة إرادة المُوكِّل لإرادة الوكيل حين الإيقاع، ولا يكفي مجرَّد الرضا؛ لنكتةٍ نبينها قريبًا إن شاء الله تعالى.

فأقول مستعينًا بالله جلَّ في علاه:

أفاد بعض أهل الفضل بأنَّ (نَفْسَ القبول بشرط التوكيل في الطلاق كاشفٌ عن رضا الموكِّل (الزوج) بالطلاق متى ما أوقعه الوكيل، زوجةً كان أو غيرها، وعن اندفاع عدم الإرادة بنفس التوكيل، وبهذا يبطل ما قلناه مِن أنَّ لسان التوكيل هو: أُوَكِّلُك في إيقاع ما لا أريد)[6].

أقول: إنَّ هذا الكشف المُدَّعى فرع ثبوت الوكالة، أمَّا مع انتقاضها ذاتًا فلا يأتي الكلام عن الكشف. وبيان ذلك:

إن أردنا تصحيح الوكالة في الطلاق فلا بدَّ من تكلُّف تقدير: أنَّ توكيل الزوج يحكي إرادته للطلاق متى ما أراد الوكيل إيقاعه؛ فتكون الإرادةُ مفروغًا مِنها، ويبقى الإيقاع.

هذا تصحيح باطل؛ حيث إنَّ إرادة الطلاق معلول قُدِّم في الفرض على علَّته، ولا يُقاس على التوكيل في البيع؛ إذ إنَّ هذا الأخير نوع نقل لحقِّ التصرُّف مع احتمال عدم إرادة المُوكِّل في ظرف ما بعد التوكيل، وعليه حينها التنبيه وإلَّا فالوكيل معذور في تصرُّفه. أمَّا وكالة الطلاق فالأصل فيها عدم الإرادة، بل هو منشأ اشتراط التوكيل في العقد. فتأمَّل الوجه في الانتقاض الذاتي للتوكيل؛ وتوضيحه:

لا يُتصوَّر التوكيل في فعل ما لا يريد الموَكِّل، وإلَّا فهو تفويض، أمَّا التوكيل فهو جعل الأمر في عهدة الوكيل ليتصرَّف بما فيه مصلحة وغبطة المُوكِّل، وإن أوقع ما يخالف ذلك فهو معذور مع عدم التفريط، وأمَّا مع التفريط أو التهاون فهو مُعاتب؛ لما روي عن محمد بن مرازم، عن أبيه أو عمِّه، قال: “شهدتُ أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يُحَاسِبُ وكيلًا له، والوكيل يكثرُ أنْ يقول: واللهِ ما خنتُّ، واللهِ ما خنتُّ. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا هذا، خِيانَتُك وتضييعُك عليَّ مالي سواء، إلَّا أنَّ الخِيَانَةَ شَرُّها عليك. ثُمَّ قَالَ: قال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآله): لو أنَّ أحدَكم فَرَّ من رِزْقِهِ لَتَبِعَهُ حَتَّى يُدرِكَه، كما أنَّه إنْ هَرَبَ مِنْ أجَلِهِ تَبِعَهُ حَتَّى يُدْرِكَه. ومن خَانَ خِيَانَةً حُسِبَتْ عليه من رِزْقِهِ وكُتِبَ عَليهِ وزرُهَا”[7].

أمَّا الزواج فالأصل والمتعيِّن فيه بلا مُعارِض ولا مُزاحِم هو إرادة الزوج في بقائه واستمراره، وإن عرض ما يراه ناقضًا لذلك أوقع هو الطلاق، أو وكَّل غيره فيه.

لذا، فلا يُتصوَّر التوكيل في التطليق ما لم يتحقَّق قوام الوكالة وهو إرادة الموكل مستقلة أو مسايرة لإرادة الوكيل، وهو منتف في الفرض.

أمَّا القول بكشف التوكيل عن رضا المُوَكِّل فممنوع؛ للدوران بين الإرادة وعدمها، ولا وسط إلَّا بتقدُّم الداعي، والفرض تقدُّم التوكيل الكاشف عن الرضا على الداعي المُحقِّق للوسط.

وبعبارة أخرى: الزوج إمَّا أنَّه يريد استمرار الزواج وإلَّا فإرادته متوجِّهة إلى الطلاق، وفي حال تشوش الأمر في نفسه وغابت عنه البصيرة، فهذا داع مُتعقَّل لتوكيل الغير وكالة تكشف عن رضاه بما يراه الوكيل.

وبذلك يظهر ما في قول الشيخ الفقيه محمَّد أمين زين الدين (علا برهانه): “إذا وكَّل الرجلُ المرأةَ في طلاق نفسها، وفوَّض ذلك إليها إن شاءت الطلاق أو شاءت البقاء، فإنَّما يصحُّ الطلاقُ إذا انشات صيغة الطلاق المعينة بالوكالة عن الزوج”.

إذا اتَّضح ذلك، فلا بدَّ من الانتباه إلى أنَّ (فكرة) التوكيل في الطلاق على نحو التفويض، لا سيَّما بجعله شرطًا للزوجة في عقد النكاح ليس ممَّا وجَّه أو أرشد، أو حتَّى أشار إليه الشارع المقدَّس ولو على نحو الاقتراح كحلٍّ عند وقوع امتحان الغيبة، بل هو ممَّا بحث الأعلام شمول أدلة الوكالة إليه، فمنهم من ذهب إلى شمولها، ومنهم من ذهب إلى عدمه، وتوقَّف آخرون، بل ومِمَّن قال بالشمول التزم الاحتياط بعدم التوكيل[8]. فتأمَّل رعاك الله تعالى وزادك فهمًا وبصيرةً.

إذن، والحال كما ترى، فإنَّه لا مفرَّ من الاحتياط؛ وذلك “لأنَّ الفروج، تمامًا كالدماء، ولِأنَّ توكيلها من الشبهات التي يجب الوقوف عندها”[9].

تنبيه: لا تتكفَّل هذه المقالة باقتراح حلول لبعض المشاكل الزوجية؛ وإنَّما كان انعقادها لبيان أمر مُحَدَّد هو ما التمسنا فيه الموضوعية والعلمية ما استطعنا.

عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السَّلام)، قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ:

“مَنْ سَرَّه أَنْ يَسْتَكْمِلَ الإِيمَانَ كُلَّه فَلْيَقُلِ: الْقَوْلُ مِنِّي فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَوْلُ آلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَسَرُّوا ومَا أَعْلَنُوا وفِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُمْ وفِيمَا لَمْ يَبْلُغْنِي”[10].

 

السَّيد محمَّد بن السَّيد علي العلوي

12 ربيع الأوَّل 1443 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………………….

[1] – موقع صوت الغدير، قسم المقالات: http://main.alghadeer-voice.com/archives/5270

[2] – الكافي -الشَّيخ الكليني- ج6 ص62، باب: أنَّ الطلاق لا يقع إلَّا لمن أراد الطلاق، ح2

[3] – فقه الإمام الصادق (عليه السَّلام) – الشَّيخ محمَّد جواد مغنية- ج6 ص6

[4] – منهاج الصالحين – السَّيد السيستاني- كتاب الوكالة ج2

[5] – المصدر السابق

[6] – هذا ما ذكرتُه في مقالة: مسألة توكيل الزوجة في تطليق نفسها

[7] – الكافي – الشَّيخ الكليني- ج5 ص304 باب النوادر من كتاب المعيشة ح2

[8] – راجع مقالة (مسألة توكيل الزوجة في تطليق نفسها)

[9] – للشَّيخ محمَّد جواد مغنية (رحمه الله تعالى) كما في النص الذي صدَّرنا به المقالة.

[10] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 391

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *