الرئيسية / مقالات / مسائل في التغيير الجذري.. (7) “الموضوعية وأزمة في السلوك”

مسائل في التغيير الجذري.. (7) “الموضوعية وأزمة في السلوك”

عندما يطرح للحوار عنوان (إصلاح النظام) فالعاقل يفكر فيه على النحو التالي:

عندما قضية، موضوعها: النظام، ومحمولها: الإصلاح، وحتى نفكر بشكل صحيح ينبغي لنا أن نكون موضوعيين، أي أن ندرس الموضوع (النظام) من حيث معامله العامة، ثم نأتي إلى المحمول (الإصلاح) ونقرر معناه والمراد منه وشروط صلاحيته للموضوع وما نحو ذلك، وفي الخطوة قبل الأخيرة نرجع ثانية للموضوع لتدارس تفاصيله بعد أن تدارسنا معالمه العامة، والغاية الوقوف على مدى صلاحيته لتكوين نسبة صحيحه بينه وبين المحمول.

هذا النمط من التفكير هو ما يسمى بالتفكير الموضوعي، والثمرة المرجوة منه دائمًا هي التحقق من صلاحية الموضوع للمحمول وهي النسبة بينهما وصاحبة الحكم الموجه للاستراتيجيات والقرارات بشكل عام، ومن هنا تأتي أهميته وأهمية عدم الخروج عن قوانينه المنطقية، وارتفاع ذلك يعني الوقوع المباشر في التسطيحات والشطحات والمغالطات والتناقضات وصعوبة الثبات على وجه واحدة محددة، وهذا ما كنا نعاني منه على مدى عقود من الزمن وإلى اليوم أسفًا حتى من أقلام مرموقة لها سيلانها الجميل ورشاقتها الأخاذة، إلا أنها تعكر صفو مزاج القارئ عندما يجدها ملوثة في سيلانها متخبطة في رشاقتها، والسبب بعدها عن الموضوعية في الطرح واعتمادها ما يخالفها تمامًا مثل الإرسال والتثوير العاطفي والعبائر الهابطة وما إلى ذلك.

إننا نعاني فعلًا من الجنوح عن الموضوعية بعد عبارتين أو ثلاث من بدء النقاش وكأن بين المحاور وبينها حالة من التعاند التكويني، مما قد أشغلنا في الغالب عن الأصول المهمة ففسحنا بالنتيجة أوسع الطرق أمام من يعادينا ويكيد لنا فعمل براحة وبلا مقاومة من طرفنا، والسبب هو انغماسنا في نقاش ما لم يكن على جدول أعمالنا أصلًا، ومنه نخلف مشاكل جديدة وأزمات متنوعة تعمق التدابر وتجذر للقطيعة والتناحر خصوصًا إذا أصبح التداخل لمجرد التداخل دون عناية أو اعتبار لجوانب الإثراء وقصد الملاقحة.

إذًا، علينا التأكيد دائمًا على ضرورة التفكير الموضوعي واعتماده أساسًا في حواراتنا وخصوصًا تلك التي تدور على شبكة الانترنت وتصل صفحات الردود فيها إلى العشرات وأكثر، ولو أنك تتفحصها لوجدت القليل منها يلتزم الموضوعية في الطرح، أما الباقي فليس بأكثر من عناد أو تَجّهُّل أو تجهيل أو ما نحو ذلك، وهذا يؤثر في واقعه على التركيز من جهة والهمة والاهتمام من جهة أخرى، والنتيجة بلا شك مراوحة في نفس المكان بعد تعب وجهد ليس بالقليل، ولازم ذلك تقدم الآخر علينا بلا شك!!

وإن تحققت الموضوعية عند البعض فثمة مشكلة أخرى تطرأ وهي التسليم للقضية بموضوعها ومحمولها والمتحقق بينهما من نسبة والبناء عليها كما هي، ومثال ذلك تعاطي السياسيين مع مطلب (إسقاط النظام) الذي تتبناه قوى الثورة، والحجة في ذلك عدم مناسبة المحمول (الإسقاط) للظرف الموضوعي لـ (النظام) وهو الذي تشكل معالمه مجموعة من العوامل التي قررت في محلها، ولذلك هم يسعون لمطلب أدنى وهو (إصلاح النظام).

فلندقق قليلًا..

عندما تقول: (لياقة اللاعب عالية) فأنت حينها لا تحمل مشروعًا أصلًا، فاللاعب لياقته عالية وانتهى الأمر، ولكنك عندما تقول: (رفع لياقة اللاعب) فأنت إذن تريد العمل على إحداث تغيير في بعض العناوين الطارئة على (الموضوع) حتى تجعله لائقًا للحمل وهو (اللياقة العالية)، وعملك في قوته وصعوبته ومشقته إنما هو بالنظر إلى (الموضوع) ومدى بعده عن مجال النسبة الصحيحة، فكلما كان اللاعب (الموضوع) رشيقًا ومعتدل في أكله وشربه ونومه كلما ما كان عملك أسهل وأيسر، والعكس بالعكس صحيح، وفي كل الحالات يبقى مجال العمل مفتوحًا والرهان دائمًا على همة العامل ومدى صدقه وإخلاصه في عمله، ولكن هذا المجال ينحسر وربما ينتفي إذا كان اللاعب مشلولًا –مثلًا-، وحينها لا معنى إلى حمل مشروع (رفع لياقة اللاعب)، لأنه غير (قابل) أصلًا.

نفهم مما مر أن عبثية العمل على إصلاح (الموضوع) بما يجعله مناسبًا للـ (المحمول) إنما هي منحصرة في عدم الإمكان لا في عدم الوقوع، وما دام الإمكان قائمًا كان العامل في نجاحه على شرطين أساسيين هما: النخطيط الجيد[1] أولًا، ثم الإيمان بأن إحداث التغيير في (الموضوع) لا يمكن للإنسان أن يتفرد به مستغنيًا عن يد الغيب الإلهية استغناءًا عمليًا، وإلا فهو وعمله إلى فشل حتمي.

من هنا أقول: التفكير الموضوعي هو المقدمة الصحيحة لأي مشروع وعلى أي مستوى من المستويات، ويتبعه همة لا ظهور لها إلا في العمل على تهذيب وتشذيب (الموضوع) لإطلاق سهم (المحمول) عليها وتحقيق النسبة الثابتة بينهما، وفي هذا الميدان لا بد من الثقة التامة والإيمان المطلق بأن الله تعالى يسدد ويهيء وينظم الأمور بما يساوي مستوى الإخلاص والصدق في العمل.

فلا مستحيل إذن إلا إذا استحال الوقوع، وطالما أن الإمكان قائم فلا كلام إلا في الأبعاد والحيثيات والأثمان.  

   

[1] – المقال القادم –إن شاء الله تعالى- حول المرحلية في العمل وأهمية التفكير الاستراتيجي.

 

السيد محمد علي العلوي

3 ربيع الثاني 1433هـ / 25 فبراير 2012م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *